مستشارون بارزون

د.عثماني سعيد ” الشهادة في الجرائم المعلوماتية “

بقلم : د. عثماني سعيد

نظرية الاثبات من اهم النظريات القانونية و اكثرها تطبيقا في الحياة العملية و التي تعتمد عليها المحاكم بشكل كبير في القضايا المعروضة عليها, و الاثبات في اللغة هو الحجة او الدليل و يدل ايضا على البرهان او البينة , اما في الاصطلاح  القانوني فالإثبات في المادة الزجرية هو اقامة الدليل او البرهان على وقوع الجريمة او نفيها , و مدى امكانية اسنادها للمتهم او براءته منها.

على الرغم من كون المبدأ السائد من المادة الجنائية يتمثل في حرية الاثبات,تبقى شهادة الشهود من بين الوسائل الاثبات الشائعة في القضايا الزجرية مند القدم , لما لها من اهمية في دلك.

لعبت شهادة الشهود الدور الأول في مجال الإثبات في المجتمعات البدائية قبل أن تتطور عبر العصور، فهي الدليل الوحيد المعروف في المجتمعات البدائية لعدم معرفة الكتابة، كما عرفها القانون الروماني  خاصة في عهد الإمبراطور ” جستنيان، justinien”، حيث كانت تسود القاعدة التي تقضي بتفوق الشهادة على الكتابة، إلا انه مع بداية التعليم وازدياد التعامل وفساد الأخلاق وكثرة شهود الزور، بدأت الشهادة تفقد مكانتها فحلت محلها القاعدة القائلة بتفضيل الكتابة على الشهادة، وذلك بصدور قانون “مولان MOULIN ” سنة 1566، إذ نص صراحة على منع إثبات ما يجاوز الكتابة بواسطة الشهود
وتلعب شهادة الشهود دورا معتبرا رغم فقدانها لمكانتها في المواد المدنية، أما في المواد الجنائية فان الجرائم تقع صدفة وتكون من قبيل الأفعال المادية التي لا يمكن أن يعد لها الدليل مسبقا

و الشهادة كوسيلة من وسائل الاثبات هي المعلومات التي يدلي بها الشاهد أمام سلطات التحقيق وهي الطريق العادي للإثبات الجنائي في حين تعتبر الكتابة هي الطريق العادي للإثبات المدني وفي ظل التطور الحاصل في المجتمعات وظهور أنماط حديثة من السلوك الاجرامي ترافق مع ظهور تكنولوجيا المعلومات تتمثل بالجرائم الالكترونية فقد غدت وسائل الاثبات التقليدية قاصرة عن أن تسعف رجال التحقيق وتساعدهم في كشف اللثام عن هذه الجرائم الحديثة.

وباعتبار أن الشهادة هي الطريق العادي للإثبات الجنائي فإن الشاهد المعلوماتي له دور كبير في مساعدة رجال التحقيق في كشف الجرائم المستحدثة وحل لغزها وتقديم مرتكبيها إلى المحاكم المختصة ذلك أن المعلومات التي يقدمها الشاهد المعلوماتي لرجال التحقيق هي معلومات هامة وجوهرية للدخول إلى النظام الإلكتروني ومعاينة الأدلة الناجمة عن هذه الجرائم،

وعلى هذا الأساس يمكن طرح بعض الاشكالات المتجلية في ما يلي:

 – ما هو تعريف الجريمة المعلوماتية و خصائصها؟

 – ما هو دور الشهادة كوسيلة من وسائل الاثبات في هدا النوع من الجرائم ؟

للإجابة على هده الاشكالات سيتم تناول الموضوع من خلال مبحثين بحيث سيتم فيها معالجة ماهية الجريمة المعلوماتية او الرقمية و خصائصها في المبحث الاول. على ان يتم في المبحث ثان التطرق الى الشهادة كوسيلة من وسائل الاثبات و دورها في الجريمة المعلوماتية

المبحث الاول : ماهية الجريمة المعلوماتية او الرقمية و خصائصها

    تشكل الجرائم المعلوماتية تحديا خطيرا سواء بالنسبة للمواطن العادي ورجال الأعمال أو لرجال الأمن والبحث الجنائي، ورجال القضاء، لما لهذه الجرائم من مخاطر تصل أحيانا لحد الكارثة نظراً للخسائر أو الأضرار أو التهديدات التي تترتب عليها سواء على الجانب الاقتصادي أو الجانب الأمني، ولما كانت هذه الجرائم تتميز بكون مرتكبيها على قدر عالي جدا من العلم والثقافة والحرفية، للدرجة التي لا يمكن معها مواجهتهم وكشفهم وضبطهم والتحقيق معهم ومن ثم محاكمتهم وفقا للفكر الأمني والقضائي التقليدي وقواعد الإثبات الجنائي التقليدية، لذا كان ضروريا بل وحتميا استحداث طرق وأساليب خاصة قوامها العلم والمعرفة، والحرفية، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتدريب المستمرين لجميع المعنيين بكشف ومكافحة هذه الجرائم بكافة صورها وأشكالها، واستخدام أحدث الوسائل العلمية والتكنولوجية، فضلا عن التعاون الفعال بين الجهات المعنية في الداخل والخارج.و لدلك سنتناول في المطلب الاول تعريف الجريمة المعلوماتية او الرقمية و خصائصها في المطلب الثاني.

 المطلب الاول : ماهية الجريمة المعلوماتية

           تعددت التعريفات الخاصة بالجريمة الرقمية أو المعلوماتية، واختلفت الاتجاهات حول هذا الأمر بين. موسع لمفهوم الجريمة المعلوماتية وبين مضيق لها.

فهناك تعريف فني عام لجريمة الحاسب الآلي بأنها:”نشاط أجرامي تستخدم فيه تقنية الحاسب الآلي بطرية مباشرة أو غير مباشرة كوسيلة أو هدف لتنفيذ الفعل الإجرامي المقصود”.

و بالرجوع الى القانون المغربي، نجد ان هذا الأخير لم يعط تعريفا للجريمة الالكترونية في القانون رقم 03-07 ، و مع دلك يمكن القول أنه ما دام أن الأمر يتعلق بمقتضيات زجرية منصوص عليها في القانون الجنائي فانه يسري عليها التعريف المنصوص عليه في القانون الجنائي للجريمة بصفة عامة و المقصود بها كل فعل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب بمقتضاه.

  وقد أحسن المشرع صنعا لان ذلك يبقى من صنيعة الفقه والقضاء من جهة، ومن جهة ثانية بغية عدم حصر الجريمة الالكترونية في إطار أفعال محددة تحسبا للتطور التكنولوجي والتقني في المستقبل، الذي يمكن ان يفرز جرائم أخرى قد لا يشملها التعريف الذي سيتم وضعه في الموضوع. 

ووفقا لتعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والخاص باستبيان الغش المعلوماتي عام 1982 والذي أوردته بلجيكا في تقريرها بأن الجرائم المعلوماتية هي “كل فعل أو امتناع من شأنه الاعتداء علي الأمور المادية والمعنوية يكون ناتجا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن تدخل تقنية المعلومات”٠

ويعرف البعض الأخر الجريمة الرقمية أو المعلوماتية بأنها: “مجموعة من الأفعال غير المشروعة التي ينص المشرع على تجريمها، والتي تتعلق بالمعالجة الإلكترونية للمعلومات أو نقلها“.

كما تعرف بأنها: أي سلوك غير مشروع يرتبط بإساءة استخدام الحاسب الآلي ويؤدي إلى تحقيق أغراض غير مشروعة ، وهي أي فعل يعاقب عليه القانون تم بمساعدة أو يتطلب ارتكابه الدراية بتكنولوجيا الحاسب الإلكتروني.

المطلب الثاني: خصائص الجريمة المعلوماتية

           تتميز الجرائم المعلوماتية أو الرقمية عن الجرائم التقليدية بالعديد من الخصائص:

  1. تتم في بيئة رقمية معلوماتية قوامها النظم البرامجية المعلوماتية الحاسوبية، وأجهزة ومعدات وأدوات وتجهيزات الحاسب الآلي، أي تتم في وبواسطة جناحي الحاسب الآلي: مكوناته المادية ومكوناته البرمجيات
  2. يقوم بها مجرم ذو طبيعة خاصة وإمكانيات خاصة -علمية معلوماتية- يستخدم في ارتكاب جريمته الموارد المعرفية والأساليب الإحترافية.
  3. صعوبة الحصول على دليل مادي في مثل هذه الجرائم، حيث تغلب الطبعية الإلكترونية على الدليل المتوفر.
  4. تستعصي على الإثبات بالطرق التقليدية وتستلزم طرقاً خاصة مستحدثة للإثبات، قوامها التعليم والتدريب المتخصص المستمر لعلوم الحاسب الآلي، لذا فأنها تقتضي وجود رجل شرطة معلوماتي، ومحقق معلوماتي، وقاضي معلوماتي فضلا عن الخبير المعلوماتي، حتى يتم كشف الجريمة وتعقب الجناة فيها ومحاكمتهم. لذا فأن عملية الاستعانة بالخبرة الفنية المتخصصة المؤهلة والمدربة، تصبح حتمية؛ لكشف واشتقاق وتحليل وتفسير الدليل الجنائي الذي يقدم للمحكمة لتقرير البراءة أو الإدانة، فضلا عن حتمية تدريب رجال الضبط القضائي والمحققين، والقضاة، على نظم وتكنولوجيا المعلومات، وكيفية ضبط وتداول (التعامل) وفهم الأدلة المتخلفة عن هذه الجرائم.
  5. هذه الجرائم لا يحدها مكان فهي جرائم عابرة لحدود المكان فيمكن عن طريق الحاسب الآلي- أو حتى هاتف نقال- لشخص في الصين أن يرتكب جريمة تزوير أو تزييف أو سرقة معلومات أو نقود،….إلخ ضد شخص طبيعي أو معنوي في الولايات المتحدة الأمريكية أو العكس.
  6. تتم في وقت ضئيل أحيانا لا يتعدى ثانية أو جزء من الثانية في بعض الجرائم.
  7. تدني نسبة الإبلاغ عن تلك الجرائم من المجني عليهم-خاصة في حالة شركات ومؤسسات الأعمال-، لتجنب الإساءة للسمعة، ورغبة في عدم زعزعت ثقة العملاء ففي إحدى الوقائع تعرض أحد البنوك، هو بنك y bank Marchan  في بريطانيا لسرقة ٨ مليون جنية إسترليني من إحدى أرصدته إلي رقم في سويسرا، وتم ضبط الفاعل متلبساً بسحب المبلغ المسروق، وبدلاً من محاكمته قام البنك بدفع مليون جنية له بشرط التزام الفاعل بعدم الإعلام عن جريمته، وإعلام البنك عن الآلية التي نجح من خلالها في اختراق نظام الأمن بحاسوب البنك الرئيسي.
  8. غالبا ما تكون الخسائر الناجمة عنها فادحة للمجني عليه.

المبحث الثاني : الشهادة كوسيلة من وسائل الاثبات و دورها في الجريمة المعلوماتية

   تعرف الشهادة بأنها تقرير الشخص لما يكون قد رآه أو سمعه بنفسه أو إدراكه بإحدى حواسه الأخرى، فهي التعبير الصادق عن مضمونها و الإدراك الحي للشاهد بالنسبة للواقعة التي شاهدها أو سمعها أو أدركها بحاسة من حواسه بطريقة مباشرة و المطابقة لحقيقة الواقعة التي يشهد عليها في مجلس القضاء ممن تقبل شهادتهم بعد أداء اليمين طبقا للمواد123 و331 من قانون المسطرة الجنائية، و بدلك فالشهادة في مجال الجريمة المعلوماتية لا تختلف من حيث ماهيتيا عنها في الجريمة التقليدية، و أمر سماع الشهود متروك لفطنة المحقق و مرتبط بظروف التحقيق، لكون ان الشاهد في الجريمة المعلوماتية يتسم بصفات خاصة لحصوله على الخبرة و التخصص في تقنية و علوم الحاسب الالي وهدا ما يميزه عن الشاهد في الجريمة التقليدية.

وهدا ما يجعلنا نتناول في هدا المبحث مطلبين، تحديد الطبيعة القانونية للشهادة و دورها في الجريمة المعلوماتية ( المطلب الأول) و فئات الشاهد الالكتروني( المطلب الثاني).

  المطلب الاول: الطبيعة القانونية للشهادة و دورها في اثبات الجريمة المعلوماتية

   تعد الشهادة من أهم الأدلة التي يستمد منها القاضي قناعته الشخصية، و قد يبني عليها حكمه على الرغم من أنها كوسيلة إثبات أو نفي تبقى موضوع نقد شديد، فالتجربة دلت أن صدق الشهادة أمر يتوقف على ضمير الشاهد و أخلاقه و سلوكه و مدى شعوره بمسؤوليته. حيث  و يتعين على الشاهد المستدعى لأدائها أن يحضر،و يدلي بها،بعد أداء القسم، تحت طائلة البطلان طبقا للمادة 331 من قانون المسطرة الجنائية و التي تنص صراحة على أنه”يعتبر أداء اليمين القانونية أمام القضاء من طرق الشاهد،شرطا جوهريا،يترتب البطلان عند الإخلال به”

 و يتعين على الشاهد المستدعى لأدائها أن يحضر،و يدلي بها،بعد أداء القسم،على أساس أن المشرع رتب على عدم القيام بهذه الواجبات جزاءات جنائية كالغرامة في حق هذا الشاهد المتخلف عن الحضور، أو إلزامه وإجباره على ذلك أو متابعته بدعوى الزور. ومنه نجد المشرع قد عالج كيفية استدعاء الشهود، وكذا إجراءات الاستماع إليهم أمام قاضي التحقيق و كذا أمام قاضي الحكم هذه الكيفيات والإجراءات تبتدئ من المواد 117 وما يليها و المادة 325 وما يليها.

يتم استدعاء الشهود إما من قبل المحكمة تلقائيا أو بناء على طلب من النيابة العامة أو المتهم أو المطالب بالحق المدني أو المسؤول عن الحقوق المدنية، و بالتالي فالملاحظ أن الأطراف المعينة أساسا (المادة 325 من ق.م،ج) بتعزيز مواقفها إما في الدفاع و إما في الاتهام في مرحلة المحاكمة،أما بخصوص طريقة الاستدعاء للشهود فتكون بإحدى الفرضيات التالية: إما برسالة مضمونة مع إشهاد بالتوصل أو إشهاد بريدي بتسلمها، أو بواسطة استدعاء يبلغه عون مكتب التبليغات أو عون قضائي أو بالطريق الإداري و هذا ما يوحي به نص الفقرة 2 من المادة 325 من قانون المسطرة الجنائية.

وإذا كان الأصل أن للمحكمة تلقائيا و للنيابة العامة و المتهم و المطالب بالحق المدني والمسؤول عـن الحقوق المدنية الحق في استدعاء الشهود اللذين يرغبون في السماع لإفادتهم أمام المحكمة فـإن الأصـل تدخل عليه بعض الاستثناءات.

أولهما: ما أوردته المادة 326 من ق.م.ج و الذي بمقتضاه يمتنع استدعاء أعضاء الحكومة و كتاب الدولة و نواب الدولة بصفة شهود إلا بإذن من المجلس الوزاري على إثر تقرير يقدمه وزير العدل،فإن هو منح الإذن تلقيت الشهادة بالكيفية العادية أما إن هو لم يمنح فتتلقى كتابة بمنزل الشاهد بالشكليات المنصوص عليها في الفقرات 2و4و5من المادة 326 من ق.م.ج.                      

ثانيهما: أوردته المادة 327 من ق.م.ج بمقتضاه يمتنع استدعاء ممثلي الدول الأجنبية المعتمدون بالمغرب لأداء الشهادة أمام المحكمة و إنما تؤدى كتابة و بطلب من وزير الشؤون الخارجية طبق للشكليات المنصوص عليها في الفقرتين 2و3 من المادة السابقة الذكر.                                                

ثالثهما : و يتحقق خاصة في الحالة التي ترفض فيها المحكمة طلب احد الأطراف استدعاء أحد الشهود الاستماع إليه في القضية،و قد يبدوا من هذا الاستثناء انه يتعارض مع المبدأ القاضي بالحق في الدفاع،  والذي يقتضي من جملة ما يقتضيه تقديم  كل طرف في الدعوى ما لديه من أدلة إثبات باعتبارها وسائل الدفاع أمام القانون و الذي لا يمنعه صراحة من ذلك،و لكن المبدأ السابق لا يمكنه أن يقف حجرة عثرة أمام مبدأ آخر و هو وجوب سهر المحكمة على حسن سير العدالة الذي يخول لها،و خلافا للمبدأ السابق برفض كل طلب باستدعاء شاهد تبين للمحكمة انه غير منتج في القضية التي تنظرها أو غير مجدي و لا  يقصد منه سوى إضاعة وقت المحكمة و من ذلك تقديم المتهم طلبا باستدعاء الشهود للاستماع إليهم من أجل معارضة واقعة منسوبة إليه في محضر لا يقبل إثبات العكس بغير إدعاء الزور.                    

ولكن حق المحكمة  في رفض مثل هذه الطلبات المخلة بحسن سير العدالة مشروط بتعليلها لموقفها بالرفض بتعيين الأسباب الداعية و الموجبة للرفض لأنها مراقبة في هذه المسالة طبقا للفقرة 3 من المادة 370من ق.م.ج التي تشترط أن تكون الأحكام و القرارات و الأوامر معللة من الناحيتين الواقعية و القانونية،و خالية من أي تناقض فيها.  

الاستثناء الرابع : و تنص عليه المادة 334 من قانون المسطرة الجنائية و من خلاله لا يمكن لشهادة محامي المتهم حول ما علمه بهذه الصفة مما يترتب عنه أن المحكمة إذا هي استمعت إليه بصفته شاهدا،فإن هذا الإجراء سيعد باطلا،و البطلان هنا متعلق بالنظام العام يمكن إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى.                                                                                                           

    و فيما يخص أثر التخلف عن الحضور لأداء الشهادة أو تغيير الحقيقة فيها عمدا،جاء في المادة 325 من ق.م.ج في الجزء الثالث من الكتاب الثاني المتعلق بشأن عقد الجلسات و صدور الأحكام ما يأتي: “يتعين على كل شخص استدعي بصفته شاهدا أن يحضر و يؤدي اليمين عند الاقتضاء ثم يؤدي شهادته. يستدعي الشاهد تلقائيا من طرف المحكمة أو بناء على طلب النيابة العامة أو الطرف المدني أو المتهم، أو المسؤول عن الحقوق المدنية،إما برسالة مضمونة مع إشعار بالاستلام و إما باستدعاء يبلغه عون التبليغ،أو عون قضائي،و إما بالطريقة الإدارية .

  ينص في الاستدعاء على أن القانون يعاقب على عدم الحضور كما يعاقب على شهادة الزور”. فبالنسبة لمسألة الجزاء كما قلنا سابقا و المترتب عن عدم أداء الشهادة أمام المحكمة،أو يحضر و لكنه يرفض إما أداء اليمين المتطلبة أو الإدلاء بتصريحاته،فإن المادة 339 من قانون المسطرة المدنية تحيل بشأنه إلى ما تعاقب به المادة 128 من قانون المسطرة الجنائية،التي تنص على أنه” إذا لم يحضر الشاهد ثم وجه إليه استدعاء ثان إما برسالة مضمونة أو…،جاز لقاضي التحقيق بناء على ملتمسات النيابة العامة،أن يجبره على الحضور بواسطة القوة العمومية و أن يصدر في حقه أمرا بأداء غرامة مالية تتراوح بين 1200و12000 درهم.”  فالمشرع اعتبر هذا الفعل بمثابة جنحة ضبطية خلافا للقانون الملغى الذي أعتبرها في كلتا الفرضيات السابقة الذكر مخالفة، على أنه يمكن أن يتعرض المستدعى للشهادة و المعذور بعذر حضورها أن يتعرض على قرار القاضي بتغريمه في أجل أقصاه 5 أيام من تبليغه إليه شخصيا أو في موطنه،و هو تعرض تنظر فيه نفس المحكمة التي أصدرت الحكم بالغرامة (المادة 339/4 ق.م.ج).

 أما بخصوص أداء الشهادة،فبعد أن يتحقق رئيس الجلسة من هوية المتهم و يخبره بالتهمة الموجهة إليه يقع النداء على الشهود وبعد ذلك يدعوهم للانسحاب من القاعة المعدة لهم ولا يغادرونها إلا للإدلاء بشهاداتهم، ويتخذ الرئيس لذلك كل تدبير ملائم لمنع الشهود من التحدث فيما بينهم أو بينهم و بين المتهم،و بعد ذلك يستنطق الرئيس مباشرة المتهم ثم يقع النداء على الشهود فرادى لكي يستمع إليهم بعد أن يستفسر الرئيس كل شاهد عن اسمه العائلي والشخصي وسنه
وحالته ومهنته ومحل إقامته و إن اقتضى الحال عن قبيلته وعن فخدته الأصلية، وهل له قرابة أو مصاهرة بالمتهم أو المطالب بالحق المدني عن درجة هذه العلاقة وهل كانت تربط بينهما علاقة تتميز بالعداوة أو الخصومة،كما يسأله عن ما إذا كان محروما من أهلية أداء الشهادة وقبل الإدلاء بالشهادة يتعين أداء اليمين المقررة وفق الصيغة السابقة الذكر وإلا كانت باطلة،اللهم إذا كان المشرع أعفى من أداء اليمين في الحالات السابقة التنصيص طبقا للمادتين(123/3/و332) من ق.م.ج ويجب أن تؤدى الشهادة بصورة شفاهية مما يمتنع مع على الشاهد الاستعانة بمذكرات إلا بكيفية استثنائية و بإذن الرئيس،و بعد الانتهاء من الأداء يقوم الرئيس باستفسار المتهم فيما إذا كانت لديه ردود بشأن ماتمت مناقشته ثم يسأل النيابة العامة والمطالب بالحق المدني مما إذا كان لديه أسئلة يلقيانها .وهذا نص المادة 337 من ق.م.ج.

وبمقتضى المادة 338 من ق.م.ج فإن كاتب الضبط ملزم بالإشارة في محضر تلقي الشهادة إلى هوية الشاهد و إلى اليمين التي ثم أداؤها،و ملخص بأهم ما جاء في شهادته،و إغفال القيام بهذه الشكليات يؤدي إلى بطلان قرار الحكم المبني على تلك الشهادة طبقا للفقرة 1 من المادة 338 من ق.م.ج. تبقى الإشارة إلى أن الشهادة المدلى بها أمام القضاء الجزري تضع من حيث قيمتها الإثباتية للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي لها أن تأخذ بها في حدود ما اقتنعت بها أو تستبعدها كليا أو جزئيا إن هي ارتابت في صدقها و دلالتها على الحقيقة.

و الأصل في الشهادة في الجرائم المعلوماتية لا تختلف عن الجرائم العادية حيث تتسم بنفس شروط هده الأخيرة.

  1. شرط الأهلية. 

    تعتبر الأهلية شرط مشترك يجب أن تتوافر لدى كل شاهد، إذ يجب أن تكون لدى هذا الأخير قدرة على تذكر الواقعة التي سيشهد فيها، وألا يكون ذا عاهة أو فاقدا للتمييز والإدراك، لان فقدان الإدراك والتمييز يجعلان الشخص غير أهل لأداء الشهادة
    والأهلية نوعان: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، وتعني أهلية الوجوب “صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي يحددها القانون وهي ملازمة له طول حياته ولا يمكن حرمانه منها]، أما أهلية الأداء فهي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته، ويحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها آو انعدامها“.
    ويرى غالبية الفقهاء وجوب توفر عنصرين لدى الشاهد، وهما الإدراك والتمييز، فالقدرة على التمييز هي أساس تحمل الشهادة لان التمييز يعني القدرة على فهم الفعل وتحديد طبيعته وما ينطوي عليه من اعتداء على حق آو مصلحة يحميها القانون
    وبالرجوع إلى الفصل 75 من قانون المسطرة المدنية في فقرته الثانية، نجده نص على
    ” 
    لا تقبل أيضا شهادة الأشخاص الذين نص القانون أو أمر قضائي بأنهم عديمو الأهلية  لتأدية الشهادة في كل الإجراءات وأمام القضاء“. 
    وبمفهوم المخالفة للمادة أعلاه، يستنتج انه تقبل شهادة ناقص الأهلية أمام القضاء في كل الإجراءات ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك
    ومن خلال تحليل المادة 75 من المسطرة المدنية نستنتج مايلي
    انه لا يجوز سماع شهادة الصغير الذي لم يبلغ سن التمييز الذي هو 12 سنة شمسية كاملة
    تسمع شهادة الصغير الذي بلغ سن التمييز  ولم يبلغ سن الرشد الذي هو 18 سنة شمسية كاملة
    يجوز سماع شهادة الأفراد الذين لم يبلغوا ست عشرة سنة على سبيل الاستئناس
    أما غير ذلك فانه يعتد بالشهادة كاملة وتعتبر صحيحة إذا بلغ الشخص سن الرشد ما لم يثبت حصول سبب من أسباب نقصان أهليته آو انعدامها
    وإذا كان بعض الفقه يرى بان العبرة بسن الشاهد وقت أداءه الشهادة أمام القضاء لا وقت حصول الواقعة التي يشهد عليها،  فإننا لا نشاطره الرأي، إذ يجب أن تتوفر لدى الشاهد السن القانونية يوم حدوث الواقعة، وإلا سيحضر شخص في واقعة لما كان عمره 10 سنوات مثلا، ويشهد فيها لما يصل عمره 18 سنة

2- شرط عدم القرابة والمصاهرة. 

   لم يترك المشرع المغربي أدنى شك في الموضوع، حيث نص الفصل 75 في فقرته الأولى على انه:” لا تقبل شهادة من كانت بينهم وبين الإطراف آو أزواجهم رابطة مباشرة من قرابة آو مصاهرة من الأصول آو الفروع آو الحواشي إلى الدرجة الثالثة بإدخال الغاية عدا إذا قرر القانون خلاف ذلك“. 
ومن خلال الفصل أعلاه نستنتج أن من لا تجوز شهادتهم هم كالأتي
ا- شهادة احد الزوجين. 

تمتنع شهادة احد الزوجين للأخر للعلة ذاتها التي تمتنع بها شهادة الأصل للفرع آو عليه، وذلك خشية للمحاباة بسبب المصلحة المشتركة آو بسبب العامل العاطفي، آو ما قد يترتب عن ذلك من توتر العلاقة بين الزوجين في حالة ما إذا كانت الشهادة في غير مصلحة الزوج، كما أن حكم المنع يبقى قائما حتى بعد انحلال الرابطة الزوجية وذلك لعلة وجود أولاد مشتركين بينهما.

ب- شهادة الأصول آو الفروع آو الحواشي. 

يرجع السبب في عدم الشهادة في مثل هذه الحالات إلى الشك الكبير في صدقها بسبب وجود مصلحة آو عاطفة آو الكراهية التي يمكن أحيانا أن تسود بين الأقارب، ومن ناحية أخرى يعتبر الامتناع عن أداء الشهادة آو الإدلاء على وجه غير مفيد للقريب قد يكون سببا للنفور والانشقاق بين أفراد العائلة وتشتت روابط القرابة

ج- شهادة الخادم والوكيل والشريك والكفيل

لم ينص المشرع المغربي على صراحة على مثل هذه الحالات، غير أن المعمول به قضاء انه لا تجوز شهادة الخادم لمخدومه مادام في خدمته، وذلك راجع للسلطة المباشرة التي تكون للمخدوم على خادمه، أما إذا ترك الخادم تلك الخدمة فتقبل شهادته مع مخدومه السابق، ما لم يكن ترك الخدمة بالتواطؤ معه فترفض شهادته
كما تقبل شهادة الوكيل لموكله وذلك في حدود الأمور التي لها علاقة بالوكالة،  والشيء نفسه بالنسبة للشريك فيما يتعلق بالشركة وذلك بسبب المصلحة المالية التي تجمعهما في الشركة
وتمنع شهادة الكفيل فيما يخص التزامات المكفول، إذ تكون له مصلحة مباشرة في براءة ذمة هذا الأخير باعتبار أن براءة الأصيل بشهادة الكفيل تؤدي إلى تبرئة هذا الأخير أيضا من كفالة الدين وإسقاط هذه الكفالة.

المطلب الثاني: فئات الشاهد الالكتروني.

   يمكن إحصاء فئات الشاهد الإلكتروني بأولئك الذين يقدمون على تشغيل الحاسب الآلي، و المبرمجون سواء كانوا من مخططي برامج التطبيقات أو برامج النظم، و كذلك المحللون و مهندسو الصيانة و الاتصالات و مديرو النظم.

و يمكن إحصاء فئات الشاهد الإلكتروني على النحو الآتي :

أولاً: مشغلو الحاسب.

   عامل تشغيل الحاسب الآلي operator Computer هو ذلك الشخص المسئول عن تشغيل الجهاز و المعدات و الملحقات و الأدوات المتصلة به، لذلك يجب أن يكون لديه خبرة كبيرة في استخدام جهاز الحاسب و مكوناته، مثل وضع القرص في وحدة الأقراص و استخدام لوحة المفاتيح في إدخال البيانات، و كذلك استخدام الطابعة و غيرها من الملحقات الحديثة ، أيضاً يجب أن تكون لديه معلومات محدودة عن قواعد كتابة البرامج، وهناك بعض مشغلي الحاسب المتخصصين في إدخال البيانات إلى الحاسب و هم يقومون بنقل البيانات من الوثائق إلى وسيط التخزين حتى تتم معالجتها بواسطة الحاسب، و يجب أن تكون لديهم خبرة الكتابة السريعة على لوحة المفاتيح بالإضافة إلى الخبرة الفنية و الذكاء.

 ثانياً: خبراء البرمجة.

   مخططو البرامج Programmers هم الأشخاص المتخصصون في كتابة أوامر البرامج  الخاصة بجهاز الحاسب الآلي. دوره يخلص في اختيار و تعديل و تصحيح برامج نظام الحاسب الداخلي المعقد، أي أنه يقوم بالوظائف الخاصة بتجهيز الحاسب بالبرامج و الأجزاء الداخلية التي تتحكم في وحدات الإدخال و الإخراج، و

وسائط التخزين بالإضافة إلى إدخال تعديلات أو إضافات لهذه البرامج أو الأجزاء.

ثالثاً: المحللون.

   المحلل Analyst هو ذلك الشخص الذي يحمل الخطوات و يقوم بتجميع بيانات النظامنظام معين – و دراسة هذه البيانات، ثم تحميل النظام أي تقسيمه إلى وحدات منفصلة، و استنتاج العلاقات الوظيفية بين هذه الوحدات، كما يقوم بتتبع البيانات داخل النظام عن طريق ما يسمى بمخطط تدفق البيانات و استنتاج الأماكن التي يمكن ميكنتيا بواسطة الحاسب الآلي.

اربعاً: مهندسو الصيانة و الاتصالات.

   هم المسئولون عن أعمال الصيانة الخاصة بتقنيات الحاسب و بمكوناته و شبكات الاتصالات المتعلقة به.

و تطبيقاً لما سبق فإن الشهادة في إطار جريمة الاحتيال عبر الانترنت (على سبيل المثال) من الممكن أن يدلي بها الأشخاص الذين أدخلوا البيانات من العاملين في إحدى الشركات، الذين تم تكليفهم بإرسال الرسائل الالكترونية إلى الزبائن، إذا تبين فيما بعد أن الشركة كانت تقصد من وراء هذه الرسائل القيام بخداع الزبائن و الاستيلاء على أموالهم،  دون علم العاملين في الشركة.

و الشاهد في هدا النوع من الجرائم يكون ملزما بالإعلام ، يعني و باختصار أنه في الجرائم ومتى كان الشاهد حائزا لمعلومات جوهرية لازمة لاختراق نظام المعالجة الإلكترونية الآلية لبيانات بحثاً عن أدلة للجريمة داخله تتطلبها مصلحة التحقيق، فإنه يكون مطالبا بأن يعلم بها سلطات التحقيق والتحري على سبيل الإلزام وإلا تعرض للعقوبات المقررة للامتناع عن الشهادة، وذلك في غير الأحوال التي يجيز له القانون فيها ذلك.

الخاتمة

    ان موضوع الجرائم الالكترونية،موضوع شائك ومرتبط بمجال يعرف تطورا سريعاالا وهو مجال المعلوميات، ومهما تطرقت لهذا الموضوع، من خلال هذه الدراسة، فان هذه الأخيرة غير مسلطة للضوء على كافة الجوانب المحيطة به ، الا ان اهم نقطة ينبغي فهمها واستيعابها تتمثل في كون الجرم الالكتروني  انما يمس كرامة وطن ومواطن في ذات الوقت، ويهدد في بعض الحالات كيان اسر، مما ينبغي معه من الجميع ان يتعامل في مجال المعلوميات مستحضرا الجانب الإيجابي منها دون السلبي الذي يشكل الخوض فيه جريمة معاقب عليها وفق ما سيق انفا، و وفق ما يكشفه الاجتهاد القضائي عموما من خلال القضايا المعروضة عليه في هذا الاطار. 
      كما انه حري بالتذكير، ان المتصدي للجريمة الالكترونية عليه الالمام بكل كبيرة وصغيرة بالمجال،مع اشراك وتكوين كافة المتدخلين( القضاء ، الشرطة العلمية….الخ)، وتوفير لوجيستيكيات متطورة في الميدان، والتعزيز بتنظيم ندوات تكوينية وتحسيسية بأهمية الخطر الذي يشكله الفعل الجرمي الالكتروني ونظرًا لطبيعة هذه الجرائم فإن دور الشاهد وسماته في هذه الجرائم يختلف اختلافا كلياً عن دور الشاهد في الجرائم التقليدية من حيث وجوب توافر الخبرة لديه من جهة، وضرورة إلزامه بتقديم المعلومات المتعمقة بالجريمة المرتكبة من جهة أخرى، كما أن الخبرة التي يتمتع بها الشاهد في الجرائم المستحدثة تجعل لشهادته قيمة أكبر بكثير من تلك التي يدلي بها الشاهد التقليدي في الجرائم التقليدية، ذلك أن شهادته وخبرته والمعلومات التي يقدمها لسلطات التحقيق هي مفاتيح حقيقية لحل لغز الجريمة وكشف اللثام عن فاعلها وتقديمه إلى المحاكم الموكل إليها أمر معاقبته، لذلك يجب العمل على تنظيم الشهادة في الجرائم الإلكترونية التنظيم الجيد وتقنين قواعدها بشكل واضح حتى تغدو الشهادة بهذا المعنى لها دورها الفعال كوسيلة من وسائل إثبات الجرائم الإلكترونية.

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى