عصير الكتب

موقع قصة سيدنا آدم من الدين ومن العلم وعلاقتها بالتطور

فرعية النوع البشري لنظرية التطور:

أحد القصص القرآنية هي قصة سيدنا آدم، الذي أشار القرآن الكريم إلى أننا بنوه. فقال {يا بني آدم}. وحكى القرآن الكريم خلق آدم، ووسوسة الشيطان له ولزوجه، ثم مصيره إلى الأرض. هذا موقع قصة سيدنا آدم من الدين.

ونظرية التطور تتكلم عن بلايين الكائنات الحية على مدى بلايين السنين، فالمسألة وإن كانت مهمة لنا لأننا بشر، إلا أن الإنسان في الحقيقة واحد من هذه البلايين من الموجودات. وكذلك أصل الإنسان في التطور وإن كانت مسألة مهمة لنا لأننا بشر، إلا أن الإنسان فصيلة واحدة من 1 إلى 4 بلايين فصيلة قُدِّر أنها عاشت على كوكب الأرض.

فأصل النوع الإنساني هو أمر فرعي في نظرية التطور.

فرعية خلق الإنسان للدين:

الأدلة على وجود الله تعالى عقلية، ناظرة في العالم الموجود من حيث كونه موجوداً، وليس جزءاً منها شيء متعلق بنظرية التطور.

وكذلك صحة دين الإسلام، الاستدلال عليها بالنظر في حال النبي – صلى الله عليه وسلم – وما جاء به من الآيات الدالة على صدقه، وليس في ذلك أمور متعلقة بالبحث البيولوجي الذي تبحه فيه نظرية التطور.

فالإسلام له أصول وفروع. الأصول: أصول العقائد، كالإيمان بالله تعالى وصفاته، ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز، ثم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما يجب في حقهم وما يستحيل وما يجوز، والإيمان بالغيبيات كالملائكة والشياطين واليوم الآخر، والإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب التي جاء بها الرسول وغير ذلك.

وقد جاءت هذه المعارف وغيرها في الكتب المنزلة، ثم من جملة ما جاء هو قصة خلق سيدنا آدم.

فقصة سيدنا آدم كما هو ظاهر فرع من فروع الدين الثابت بالبراهين القطعية.

قضية الأصلية والفرعية:

والتنبه لهذه القضية في غاية الأهمية، قضية أصلية المسألة أو فرعيتها، إذ المسائل لا تنتهي، والإشكالات الجديدة التي تعرض للإنسان تتجدد كل مدة، ومعرفة موقع هذا الإشكال من المنظومة الدينية الكاملة أمر مهم، فأصل وجود الله تعالى، وأصل صحة الإسلام، ثابتة ببراهين قطعية، وعليه فطالما السؤال أو الإشكال هو في جزئية، أو معنى من المعاني، فإنه يكون فرعاً، ولا ينبغي لمن يُشكل عليه هذا أن يتسلسل به فيشكل على أصل صحة الإسلام، إذ هو إشكال فرعي، ولا يكون ذلك طعناً في أصل ثابت بدليل برهاني مستقل.

ونفس الكلام يقال على نظرية داروين وعلى كل نظرية معرفية، فالإشكالات تتجدد ومعرفة موقع الإشكال من المنظومة العلمية أو النظرية العلمية مهم، فالنظرية إن ثبتت بأدلة متضافرة لا يشكل عليها أمور فرعية فنضطر لهدمها من أصولها.

فالحاصل: أن البحث في هذه القضية ليس من أصول الدين، ولا من أصول نظرية التطور. بل هي مسألة فرعية في كلا المجالين.

لا نريد بذلك أن نقول إن البحث فيها ليس مهماً، ولكن نريد أن نهدِّئ من تسرع ورعونة الباحثين من الجانبين: المتدينين الذين ينقضون أحد أهم النظريات العلمية في القرن الماضي، وهي التطور، من أجل لازم فرعي من لوازمها، أو الملحدين الذين ينكرون الدين لأجل أنهم يتوهمون تعارضه مع فرع واحد.

وإن الكثير من النظريات العلمية البالغة في القوة الغاية القصوى يحصل بينها تعارضات، ولا يحمل هذا العلماء الحقيقيين على إنكار أي منهما.

فلنضرب مثالاً على أقوى نظريتين علميتين في العصر الحديث، وهما نظرية النسبية لأينشتاين، ونظرية ميكانيكا الكم. كلا النظريتين من أقوى النظريات العلمية الحديثة، بل إن كليهما أقوى من نظرية دارون من حيث متانة الأدلة وقوة التنبؤات. كلاهما نظريتان علميتان يقاربان المقطوع بهما علمياً. تخيل أن هاتين النظريتين اللتين هما بهذه القوة متعارضتان بينهما تعارض لم يستطع العلماء حله إلى الآن؟! هذا تعارض بين أهم وأقوى نظريتين علميتين لم يستطع العلماء حله ومع ذلك لم يدفع ذلك العلماء إلى إنكار أي منهما، بل لم يزل العلماء يعتمدون عليهما، ويستكملون البحث حتى يصلوا إلى إنجاز علمي يحل هذا الإشكال.

فالأسئلة المفتوحة موجودة في كل بحث علمي. بل إن كل نتيجة نصل إليها تفتح لنا ألف سؤال غير مجاب، وهذه طبيعة الإنسان ومحدوديته في العلم والمعرفة {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.

أن أخطر القضايا المعرفية هي القضايا الكلية التي تشكل للإنسان طريقة في النظر للكثير من المسائل. وأنه ينبغي أن يتنبه الإنسان إلى أن يُكَوِّن آراءً جزئية صحيحة، لكنه ينبغي أن يكون أشد تنبهاً إلى تكوين تصورات عامة حاكمة صحيحة. ورفضنا النظرة الكلية التي صنعها بعض الملاحدة بناء على التطور يريدون بها تصوير العلم كدين، متعدين به عن مجاله في الكشف عن العلاقات السببية الكونية، خالطين بين الحقائق العلمية وبين آرائهم الفلسفية يريدون أن يكتسبوا من قوة العلم دعماً لها. والعلم كما نرى لا بد أن يبقى في محله ومجاله من تفسير السببية، ولا يُتعدى به عن محله.

ثم ينبغي أن نفرق بين التعارض في الأصول، وبين التعارض في القضايا الفرعية التي تطرأ على الفكر البشري كل يوم. ولو كان كل تعارض جزئي، أو سؤال مطروح، سبباً في نقض كل أصوله، لكنا أبطلنا أقوى نظريتين علميتين في القرن الماضي (النسبية لأينشتاين والكوانتم) لأن بينهما إلى الآن تعارضاً لم نتمكن بعد من حله. فقلنا إن هذه المسائل التي نحن بصدد مناقشتها في المقالات القادمة ليست من أصول الدين، وليست كذلك من أصول البيولوجيا التطورية، بل هي بحث في فروع كل منهما.

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية

أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية

برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”

www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى