عصير الكتب

الجزء الأول من تلخيص كتاب “ممارسة الأداء ” تأليف :هنري مينتزبيرج

“ممارسة الأداء ”
الادارة : ماضيها ومستقبلها
منذ نصف قرن تقريبًا طرح ”بيتر دراكر“ مفهوم الإدارة بشكل غير مسبوق، وسرعان ما دخلت القيادة على الخط وبدأنا نحاول التفريق بينهما. واليوم نسمع مئات القصص عن نجاحات أو إخفاقات كبار القادة في العالم. ولكن يجب أن نعي بعض الحقائق
البسيطة عن ماهية الإدارة ومنصب المدير الذي تؤثر ممارساته وسلوكياته على الكثيرين داخل مؤسسته وخارجها. من هنا، تأتي أهمية فهم عملية الإدارة باستيعاب كافة جوانبها، ومن أجل تحسين ممارساتها.
القيادة جزء من الإدارة
صار من الشائع اليوم أن نفرق بين الإدارة والقيادة، أو بين المديرين والقادة. فأحدهما يفعل الأشياء الصحيحة ويتأقلم مع المتغيرات، والآخر يفعل الأشياء بالشكل الصحيح ويتأقلم مع التعقيدات. من الناحية النظرية، يمكن التمييز بين الإدارة والقيادة. ولكن، هل نستطيع أن نميز بينهما عمليًا؟ وهل سيفيدنا هذا في شيء؟ وهل توافق أنت مثلاً على أن تخضع لإدارة شخص لا يتحلى بالمهارات القيادية؟ بالتأكيد سيكون في هذا إحباط لك وهدر لطاقاتك. وكيف توافق أيضًا على أن يقودك مدير لا يتحلى بالمهارات الإدارية، فيجعلك تفقد الشعور بالارتباط والالتزام تجاه عملك؟ كيف يمكن لمثل هؤلاء ”القادة“ أن يدركوا المشكلات
التي تحيط بهم وتعاني منها مؤسساتهم.
الإدارة ممارسة
الإدارة ليست علمًا ولا مهنة، وإنما هي ممارسة متواصلة يكتسبها الإنسان بخبرته في التعامل مع المواقف والبيئات والسياقات المختلفة.
أما العلم، فيرتبط بإرساء معارف ومنهجيات من خلال عمليات البحث. وهذا ليس هدف الإدارة الذي يدور حول المساعدة في إنجاز الأعمال داخل المؤسسات. كما أن الإدارة – بجميع المقاييس – ليست علمًا تطبيقيًا، لأننا بهذا سنظل محبوسين في دائرة العلم ونبتعد عن الهدف الحقيقي للإدارة. لا شك في أن الإدارة ”تطبِّق“ العلم، لأن المديرين يستغلون جميع المعارف المتاحة لهم ويستخدمون الوسائل التحليلية التي تعتبر من أركان الأسلوب العلمي (ونحن نشير هنا إلى الدليل العلمي أكثر من الاكتشاف العلمي).
أما الإدارة الفعالة، فهي فن وصنعة تحتاج إلى مقومات خاصة. فمن ناحية، يفرز الفن رؤى قائمة على الغريزة الفطرية. أما الصنعة، فترتبط بالتعلم من خلال الخبرة والممارسة، أي بالتعامل والاحتكاك المباشر. ولهذا يمكن القول بأن الإدارة مثلث تتلاقى فيه ثلاثة أضلاع: الفن والصنعة والعلم. الفن يأتي بالأفكار المتكاملة والنظرة الشاملة، والصنعة تربط بينها اعتمادًا على الخبرة العملية، والعلم يحقق التناسق بينها بفضل تحليل المعارف المكتسبة.
ديناميات الإدارة
إذا تأملت صور المديرين الشائعة على صفحات المجلات – كأن يكون رجلاً يتحدث من وراء منصة، أو تنفيذيًا يجلس خلف مكتبه – فسيتكون لديك انطباع واحد عن وظيفة المدير: إنها وظيفة النظام والانضباط. أما إذا راقبت سلوك بعض المديرين، فستلاحظ واقعًا مختلفًا تمامًا: فالإيقاع سريع ومحموم، والإلهاءات والمقاطعات كثيرة، وردود الأفعال أكثر من المبادرات. هذه هي السمات
الحقيقية للمدير وآليات وظيفته: كيف يعمل، ومع من، وفي ظل أي نوع من ضغوط. لن يندهش من هذا الوصف أي شخص تقلد منصبًا إداريًا أو عمل تحت إمرة أحد المديرين. إلا أنها مع هذا تضرب وترًا لدى الكثيرين – لا سيما المديرين – لأنها تهدم بعض النظريات المغلوطة التي لطالما آمنا بها حول الممارسات الإدارية. فعندما عرض هذا الرأي على مجموعة من المديرين، كان ردهم:
”هذا شيء يطمئنني! لقد حسبت أنني المدير الوحيد الذي لا يهتم بالتخطيط والتنظيم والتنسيق والانضباط، والوحيد الذي يتعرض لمقاطعات كثيرة ويعجز عن ترتيب أولوياته، والوحيد الذي يبذل قصارى جهده ليبقي الفوضى في قمقمها“.
سمات الإدارة
❂الإيقاع المتسارع: العمل الإداري يتسم بإيقاع  سريع ومشحون، بدءًا من عمل كبير العمال الذي يضطر إلى ممارسة نشاط جديد كل 48 ثانية، مرورًا بأفراد الإدارة الوسطى الذين لا يستطيعون ممارسة نشاط متواصل دون مقاطعات إلا مرة واحدة كل يومين، وانتهاءً بالمديرين التنفيذيين الذين لا يدوم أي نشاط من أنشطتهم أكثر من 9 دقائق متواصلة.
❂المقاطعات والتشتت: هناك الكثير من المقاطعات  والإلهاءات التي يتعرض لها المديرون. لذا، على كل مدير أن يكون مستعدًا لتحويل انتباهه بشكلٍ سريع ومتكرر. فقد تتلقى اتصالاً هاتفيًا وأنت تراجع بريدك الإلكتروني وتستمع إلى سكرتيرتك تخبرك بوقوع مشكلة مع أحد العملاء، ويدخل عليك موظف طالبًا إجازة. وهكذا تختلط الأنشطة المهمة بغير المهمة. حتى الاجتماعات ستجد ما يعطلها من مكالمات سريعة ومواقف مفاجئة وأعمال مكتبية طارئة وتجول في أروقة الشركة قبل الاجتماعات، وما إلى ذلك.
❂الأنشطة الملموسة: يفضل المديرون الأنشطة  الملموسة التي تتسم بالحركة والتغير والتدفق، والتي تكون آنية وغير روتينية. فهم يكرهون قضاء كثير من الوقت مع الأفكار والمشكلات المجردة، ويضيقون ذرعًا بالأمور العامة والأنشطة غير المحددة. حتى فيما يتعلق بجداول مواعيدهم، لا يمكنك أن تطلب من مدير مشغول ومشحون أن يعدك بتنفيذ عمل ما الأسبوع القادم.
❂التواصل غير الرسمي: على عكس الموظفين،  يعتبر الهاتف والبريد الإلكتروني والاجتماعات من الأدوات الأساسية التي لا يفارقها المدير أبدًا. فهذه الأدوات هي أساس عمله. أما أنشطة العمل العادية – مثل الإنتاج والبيع والدراسات والتقارير – فليست من اختصاص المدير ولا ينفذها بنفسه، لأن إنتاجيته تتمثل في المعلومات التي ينقلها عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني أو وجهًا لوجه.
شبكة العلاقات: يقضي المديرون كثيرًا من  وقتهم في التواصل مع أعداد هائلة من الأفراد خارج أقسامهم: من عملاء وموردين وشركاء ومساهمين ومسؤولين حكوميين، إلى جانب الزملاء والعاملين في الشركة. فموظفو الأقسام قليلون وثابتون، على عكس شبكة العلاقات الواسعة وغير المحدودة خارج الإدارة أو الشركة. وعلى الرغم من أن شبكة الإنترنت قد أسهمت بشكلٍ إيجابي في توسيع شبكة العلاقات الخارجية، فقد جاء ذلك على حساب شبكة العلاقات الداخلية.
❂انحسار السيطرة: هل تقوي الإنترنت سيطرة  المديرين على عملهم أم تضعفها؟ هذا يعتمد على المدير نفسه. فمثل أية وسيلة أخرى، يمكن أن تكون الإنترنت سلاحًا ذا حدين: فإما أن تنجرف وراءها وتدعها تديرك، وإما أن تفهم مميزاتها وعيوبها فتديرها أنت. فكر مثلاً في البريد الإلكتروني كوسيلة للتواصل وتبادل المعلومات. فكر أيضًا في ضغوط الأعمال الإدارية وإيقاعها السريع وضرورة الرد على الرسائل الإلكترونية، الأمر الذي يفقدك توازنك وإحساسك بالوقت. في الحالة الثانية، ستوهمك الإنترنت بأنها تمنحك السيطرة والقدرة على إدارة أنشطة العمل، ولكنها في الحقيقة تسلبك هذه السيطرة.
نموذج إداري ناجح
إذا أردت أن تصبح إداريًا متميزًا، فركز على جانب إداري واحد وتجنب ما عداه. فقد رأى ”هنري فايول“ أن أهم جوانب الإدارة هو عنصر الرقابة، في حين رأى ”توم بيترز“ أنه التنفيذ لا التفكير، على عكس ”مايكل بورتر“ الذي يرى أن الأهم هو التفكير، وبالتحديد التفكير التحليلي والاستراتيجي.
إلا أن الإدارة الحقيقية ليست جانبًا واحدًا منفصلاً عن غيره، وإنما هي كل هذه الجوانب مجتمعة. فهي الرقابة والتنفيذ والتفكير والقيادة واتخاذ القرارات وغير ذلك من الأنشطة والممارسات المتداخلة والمتكاملة. افصل عنها دورًا واحدًا فقط، ولن تكون عملية إدارية كاملة. وهذا يعني أن الالتزام بدور واحد والاكتفاء به وإقصاء كل ما عداه يجعل فهمنا لعملية الإدارة قاصرًا.
أصل المشكلة
نعيش اليوم في مجتمعات مهووسة بالإدارة والقيادة. فنحن نمجد القادة ورجال الأعمال والمديرين، ونكدس أرفف المكتبات بسير حياتهم وقصص نجاحهم، وندرب الطلاب كي يصبحوا مثلهم، ووصل الأمر إلى تخصيص درجة لهم في الطائرات. ومع هذا، لا نستطيع أن نضع أيدينا على ما يفعلونه بالتحديد. والأسباب هي:
-1 مثلما هو الحال في المجتمعات البدائية، نحن نعاني من خرافات ابتدعناها بأنفسنا، وخرافة الإدارة/القيادة هي إحداها. ربما يكون سبب ذلك هو خوفنا من تبعات الكشف عن حقيقتها أو حقيقتنا.
-2 يتسم السلوك التنفيذي بالتنوع وصعوبة الفهم لأنه فن عملي أكثر منه علم تطبيقي. فكيف يمكن التنظير لسلوك كهذا؟
ترتبط الأعمال الإدارية بالسياق الذي تُنفذ فيه، مما يجعلها تعتمد على معرفة خاصة بظروف مؤسسة بعينها ومشكلاتها التي تتغير باستمرار. كيف يمكننا إذن وضع نظرية عامة حول دور المدير، أي مدير، بدلاً من تحديد سمات معينة لأدوار مديرين محددين؟
من منظور تجريدي، يمكننا اللجوء إلى التعميم.
فإذا أصبحت من كبار المديرين أو الشركاء في شركة استشارية فهذا يعني أن تتحمل مسؤولية البيع والتي تعتبر في الأساس مهمة فريق آخر يختص بهذا الدور في معظم الشركات الأخرى. فهل يمكننا وصف العمل الإداري باعتباره بيعًا؟ اسأل نفسك: لماذا يضطلع كبار التنفيذيين في الشركات الاستشارية بدور البيع؟ الإجابة ببساطة: لأن الخدمات الاستشارية تباع مباشرة لكبار الإداريين في الشركة المشترية، وهذا يتطلب تدخل كبار الإداريين في الشركة البائعة. فمن ناحية، يعتبر هذا الدور متخصصًا، ومن ناحية أخرى، يجب أن يتم على يد المديرين أنفسهم، ولهذا فهو يعد عملاً إداريًا. يتوافق معظم ما نراه عملاً إداريًا مع الأدوار
المتخصصة داخل الشركات. فالمدير يُطلع الموظفين على آخر المستجدات على الرغم من وجود منظومة معلومات رسمية داخل المؤسسة؛ ويلعب دور المضيف في الاحتفالات والمناسبات على الرغم من وجود موظفي علاقات عامة؛ ويقوم بالتخطيط حتى وإن وُجِد قسم للتخطيط في نفس الشركة. لذا، ينطوي جانب كبير من الدور الإداري على الاضطلاع بمهمات متخصصة، ولكن بالشكل الذي يستفيد من علاقات المدير ومنصبه ومعلوماته.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى