الجزء الأول من تلخيص كتاب “انتعش” تأليف :مارتن سليجمان


نظرة جديدة وعميقة للسعادة والحياة المفيدة
غاية كل فعل إنساني
كان ”طاليس“ يرى أن الماء هو أصل كل الأشياء، بينما اعتقد ”أرسطو“ أن السعادة هي غاية كل فعل إنساني. وذهب ”نيتشه“ إلى أن هدف الفعل الإنساني هو بسط النفوذ والسيطرة، واعتقد ”فرويد“ أن الإنسان يجاهد ويعمل كي يتجنب القلق. ولكن وقع هؤلاء المفكرون العظماء جميعًا في خطأ الأحادية، حين ظنوا أن الدوافع البشرية تنبع دائمًا من مصدر واحد، وتنحو إلى تحقيق غاية واحدة.
يعيب هذه الأحادية أنها تفسر كل شيء بأقل عدد من المتغيرات، فهي تمارس مبدأ الاقتصاد في التفكير وتميل إلى التبسيط
على اعتبار أن الجواب البسيط والمباشر هو دائمًا الجواب الصحيح. ولكن للاقتصاد في التفكير حدوده ومشكلاته، فحينما لا يتوفر لعقلنا البشري سوى عدد محدود من المتغيرات لتفسير نظرية أو سلوك إنساني معقد، فإننا في الواقع لا نفسر أي شيء. ولذا
فإن محاولة تفسير السعادة الإنسانية من منظور أحادي وإرجاعها إلى دافع واحد هو ما أوقع هؤلاء العمالقة في الخطأ.
ورغم أحاديته إلا أن تفسير ”أرسطو“ بأن الإنسان يعمل ليكون سعيدًا كان هو التفسير الأقرب إلى الصواب. ونظرًا لكثرة تداولها وترديدها ولأن الألسن لا تنفك تتشدق بها فقد صارت ”السعادة“ مصطلحًا ممجوجًا وكلمة بلا معنى. وهناك من يعتبرها مصطلحًا مثاليًا غير قابل للتطبيق في الواقع، أو هي كلمة تشير إلى هدف عملي مثل التعليم أو العلاج، أو محاولة يقوم بها الإنسان ليغير
حياته الشخصية.
ومن هنا بدأت محاولات مدرسة علم النفس الإيجابي لتحليل مفهوم ”السعادة“ وتفكيكها إلى عدد من المفاهيم الواقعية المعاشة والقابلة للتطبيق. فلم يتوقف رواد علم النفس الإيجابي عند المعنى الاصطلاحي والدلالة اللغوية لمفهوم ”السعادة“، بعدما أثبتوا أن فهمها يحتاج لنظرية مركبة لا أحادية، وها نحن نشرح هذه النظرية.
النظرية القديمة : السعادة الحقيقية
تقول النظرية الأولى حول
السعادة، بأن السعادة الحقيقية
تنشأ من ثلاثة عناصر مختلفة
يعتبر كل عنصر منها غاية في
ذاته، وهي:
❂الشعور الإيجابي؛
❂والاستحواذ؛
❂والمغزى.
وكل عنصر من هذه العناصر قابل للتعريف والقياس أكثر من السعادة نفسها.
-1 العنصر الأول هو الشعور الإيجابي؛ أي ما نشعر به: كالسرور، والبهجة، والنشوة، والدفء، والتواصل، والراحة وهكذا. أي أن اللحظات والحياة بهذا الشعور تكون ”حياة مبهجة“.
-2 العنصر الثاني هو الاستحواذ؛ وهو نابع من الإحساس بالتدفق والانسجام والانسيابية مثل: التوحد مع الموسيقى، وتوقف الزمن، وفقدان الوعي بالذات للحظات أو لساعات حين الاستغراق في نشاط ممتع يستحوذ على الانتباه. فالحياة التي تنطوي على هذا الشعور تعتبر حياة سلسة ومتدفقة ومستحوذة.
والاستحواذ بهذا المعنى هو عكس الشعور الإيجابي؛ لأن الذين تستحوذ عليهم تدفقات الحياة لا يدركون اللحظة، بل يهيمون معها ويتيهون في حالة من اللاشعور المتناهي، ولا يفكرون بما يشعرون. فقدان الشعور هنا والتدفق مع الحياة أهم من الشعور بأي شيء. ففي لحظات الفيض والانسياب، نندمج بالشيء ونذوب فيه. فالتركيز المطلق والاستحواذ الكامل يتطلب توظيف الموارد المعرفية والشعورية المنصهرة في النفس والفكر.
-3 العنصر الثالث هو المغزى؛ السعي نحو الاستحواذ والإحساس بالبهجة هو سلوك ذاتي وليس استحواذًا جماعيًا. لكن البشر يريدون مغزى للحياة ويضعون أهدافًا ليسعوا إليها. الحياة ذات المعنى هي الانتماء واستهداف شيء ثم العمل عليه ومن أجله؛ شيء تعتقد أنه أكبر من ذاتك وأهم من صفاتك وصفقاتك. فعندما تؤسس البشرية مؤسسات إيجابية فإنها تمهد الطريق لولادة المعنى، مثل: الإيمان بالأديان، وتكوين الأحزاب السياسية، وابتكار النظريات الإدارية، وتأسيس ودعم المنظمات البيئية والجمعيات الخيرية.
وعليه، فإن نظرية السعادة الحقيقية التي وضعناها أولاً تعني أن علم النفس الإيجابي يبحث عن السعادة في عناصرها الثلاثة المذكورة آنفًا. ولكننا عدنا وطورناها حتى صارت تعني: الرفاهية والانتعاش.
| النظرية الأولى: السعادة الحقة |
النظرية الجديدة: الرفاهية والانتعاش |
|
| الموضوع | السعادة | الرفاه وحسن الحال والإحساس بالانتعاش |
| المعيار | الرضا والقناعة بالحياة |
مشاعر إيجابية واستحواذ أخاذ ومغزى ومعنى وعلاقات وإنجازات |
| الهدف | زيادة الرضا عن الحياة |
زيادة الانتعاش والازدهار بزيادة المشاعر الإيجابية والاستحواذ الأخاذ والمغزى والعلاقات الإيجابية والإنجاز |
من السعادة الحقيقة الى الانتعاش والرفاهية
تنطوي نظرية السعادة الحقيقية القديمة أو الأصلية على مواضع قصور ثلاثة هي:
❂القصور الأول هو أن الدلالة الشائعة لكلمة ”السعادة“ ترتبط بفكرة أن نكون في حالة مزاجية مبهجة أو سارة. ولذا فإن الشعور الإيجابي وحده يضاهي أو يماثل ما نستشعره في المستوى الأول من السعادة. ويؤكد خبراء النفس أن نظرية السعادة الحقيقية تعتبر إعادة تعريف للسعادة بإقحام أمنيات وتهيؤات الاستحواذ والمغزى لتضاف اعتباطًا إلى الشعور الإيجابي. فهنا لا يشير الاستحواذ والمغزى إلى حقيقة ما نشعر به، بل إلى ما نتمناه ونتخيله.
❂القصور الثاني هو أن الرضا عن الحياة يلعب دورًا أساسيًا في قياس السعادة. السعادة في نظرية السعادة الحقيقية تقاس بالمعيار الذهبي للرضا عن الحياة.
معيار القاعدة الذهبية هذا ذاتي وغير موضوعي ويخضع للتحيزات لأنه يجرى على مقياس ثابت من: 1 إلى 10 . وهنا تتدخل الحالة المزاجية لتحدد مدى رضاك وسعادتك بنسبة 70 ٪، بينما تساهم أحكامك الصائبة فعلاً بما لا يزيد عن 30 ٪ من اختياراتك.
❂القصور الثالث هو أن الشعور الإيجابي والاستحواذ والمغزى لا تعبر عما يختاره الناس كغايات في حد ذاتها. لأن عبارة ”غاية في حد ذاتها“ تقال على سبيل التحفظ والتحوط؛ فلكي يكون عنصر ما مكونًا رئيسًا في نظرية ما، يجب ألا يخدم أي غرض آخر، أي يقتصر فقط على ما نريده منه. فهناك أشخاص كثيرون يرفعون شعار ”الإنجاز لمجرد الإنجاز“. ولذا فنحن بحاجة إلى نظرية تحدد عناصر ودوافع الاختيار البشري.
ونحن في مدرسة علم النفس الإيجابي نرى أن فكرة الرفاهية المستدامة والانتعاش تتغلب على مواطن القصور الثلاثة السابقة.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي



