هندسة النفس بالعمل: من الانكسار إلى السيادة الذهنية مع مدرسة “شوما موريتا”

هندسة النفس بالعمل: من الانكسار إلى السيادة الذهنية مع مدرسة “شوما موريتا”
في عالم يقدس الاسترخاء السلبي كحل وحيد للإجهاد، برزت مدرسة يابانية قديمة تعيد تعريف العلاقة بين العقل والعمل والراحة النفسية. الطبيب النفسي الياباني شوما موريتا (1874-1938) الذي نجا من الوسواس القهري ونوبات الهلع أثناء دراسته في جامعة طوكيو، أسس ما يعرف اليوم بـ”علاج موريتا”، نهج نفسي يركز على الفعل والعمل بدلاً من الغوص المطول في التحليل النفسي أو الحديث عن المشاعر.
يشير موريتا إلى مفهوم ثوري يسمّيه “الراحة الإيجابية”، حيث يرى أن العقل يشبه المحرك؛ إيقافه المفاجئ قد يسبب تعطلاً، أما تحويل مساره إلى نشاط آخر فيعيد التوازن النفسي وفي تجربته الشخصية، اكتشف أن القلق لا يمكن التخلص منه بالقمع أو التهرب، بل يجب أخذه معنا أثناء العمل، وتحويل هذه الطاقة المشتتة نحو فعل مادي مفيد، وهنا يكمن جوهر المدرسة الموريتية: العلاج لا يكمن في الشعور، بل في الفعل المستمر.
من الناحية العلمية، يعالج هذا النهج ما يعرف بالاجترار الذهني، أي الانغماس في دورة متكررة من الأفكار السلبية، ويشير موريتا إلى أن التحليل النفسي الغربي، الذي يركز على دراسة صدمات الطفولة والحديث الطويل عن المشاعر، قد يزيد المشكلة لدى الأشخاص الذين يقدسون الإنجاز والعمل، لأنه يترك الفراغ يغذي الشعور بالذنب والعدمية. على العكس، فإن الانخراط في العمل المادي، أو ممارسة نشاط إبداعي، أو حتى المشي في الطبيعة، يعيد التوازن للعقل ويخفف الضغوط النفسية بشكل طبيعي.
ما يميز مدرسة موريتا أيضاً هو توطين علم النفس وفق الثقافة اليابانية. فقد أدرك أن الكرامة في المجتمع الياباني مرتبطة بالعمل والاجتهاد، لذا أعاد صياغة النظريات الغربية بما يتناسب مع الروح المحلية، مستفيداً من الصمت والعمل اليدوي والارتباط بالطبيعة، هذا التوجه جعل العلاج أكثر فعالية وواقعية، وأثبت أن الفعل يمكن أن يكون الوسيلة الأمثل لتجاوز الانكسار النفسي واستعادة السيادة الذهنية.
أما الدروس المستخلصة من هذا النهج فتتجاوز العيادة النفسية لتصل إلى التنمية البشرية والإدارية، فالمبدأ الأول الذي تعلمه موريتا هو أن المشاعر متقلبة كالطقس، لكن العمل المستمر هو الثابت الذي يبني الهوية. كما يظهر أن التعب النفسي أو الذهني لا يعني دائماً الحاجة للنوم، بل قد يكون دعوة لتغيير نوع النشاط أو توجيه الطاقة نحو فعل مختلف، وفي النهاية، يؤكد النموذج على ضرورة التكيف مع السياق المحلي وعدم الاقتصار على نسخ نظريات أجنبية، بل استخلاص جوهر الفعالية ومواءمته مع البيئة المحيطة.
تقدم مدرسة موريتا رؤية جديدة لعلاقة الإنسان بنفسه وعمله ومحيطه، وتعلمنا أن العقل الذي يغرق في تحليل المخاوف يضاعفها، بينما العقل الذي ينخرط في فعل منتج يجد توازنه تلقائياً، فالراحة الحقيقية، وفق هذا المنظور، ليست في اللاشيء، بل في الانخراط في شيء مختلف، شيء يحقق الفعل ويعيد السيادة للعقل والنفس على حد سواء.



