تعليم وتدريب

أنا أفكر .. إذن أنا موجود

النهج لرينيه ديكارت

النهج لقيادة العقل نحو الافضل والبحث عن الحقيقة في العلوم ، وياخذنا ديكارت في رحلة الشك لكل ما نراه ثابتاً مؤطراً قاراً لا مجال للبحث فيه، ويستخدم الكوجيتو كاحدى الادوات الملهمة في الوصول الى طيف من اطياف الحقيقة … ويحاول التحرك بسلاسة بين العلوم ويكثر من عملية كشف الاستبطانات ليعبر عن رأيه ب(انا) فيعتبر المقال سيرة ذاتية مكونة من ٦ اجزاء:

الجزء الاول: اعتبارات واضاءات تخص العلوم. حيث يبدأ بتناول الحس السليم المشترك بيننا وان العقل الجيد يتميز باستخدامنا الصحيح له والا لتحول كل شيء الى اراء عادية. يقول ديكارت هنا انه قرأ الكتب منذ نعومة اظفاره ويرى ان العلوم تتهاوى وهي بحاجة لركازة عقلانية، لانها تتماوج بين الوهم والحقيقة، ثم يعبر عن ان سفره الدائم غير الكثير من تصوراته واثرى ثقافته ومنحه الهبة العقلية ليرى ما لا يراه الجاهل الذي هو مأزوم بوهم المعرفة. يشدد ديكارت على ان البنيان الفكري المرصوص لايستند على قواعد مهزوزة وهشة. لذا كان يعول على السفر والاختلاط مع الثقافات لان الشعوب تبحث عن المنفعة والمسرة والافضل الاستماع لما يعبرون عنه. لكنه لم يترك كتبه الاساسية او موطنه او اساساته الروحية.

الجزء الثاني: القواعد الاساسية التي يبحث فيها المؤلف. يبدأ هذا الجزء بالتحدث عن تسكعاته في ازقة المانيا ويشرح معمارية اوربا التي تتغاير كلما اتجه الى الشرق. يرى ديكارت ان الانسان شبه متحضر عاش في اوربا وارتكب الفضائع ثم خلق القانون ثم السجل المدني ليجعل الحضارة تقود الناس نحو شاطيء الامان والخير ، ثم قال نحن نهد المباني لنبني احدث وافضل ثم نصلح مؤسساتنا باستبدال ما يخرج عن الوظيفية المطلوبة ،وتكون المفاضلة اساس العمل حيث ان العمران يتغير كما الملابس والازياء مع مرور الوقت. هذا هو حال هو التنوير تماما فلا يمكننا البقاء على نفس الافكار والمذاهب لان الدنيا تتغير وعلى العقول ان تساير التغيرات. يبدأ ديكارت بمزج الهندسيات المنطقية بالجبر كنظام مفاهيمي للنظر في الامور من اماكن بعيدة وبتجريد عقلي لا يؤثر على البنى الموجودة. يرى ديكارت ان من قواعد المنطق ان لا نقفز للتغيير المفاجيء وان تكون توصيفاتنا واضحة فيما يتعلق بتفكيك المركبات وتحليل اجزائها ثم النظر في شمولية اشتغالها لنتحقق من مدى صرامة وورصانة طريقة التحليل الهندسي والجبري للمعطيات الفكرية الخاضعة لمباديء الرياضيات والفلسفة.

الجزء الثالث: القواعد الاخلاقية المستقاة من النهج. يبدأ ديكارت بمعالجة الدين ويثبت الافكار التي تثير حملة الشكوك ويقيم الثوابت كي لا تثار التساؤلات التي قد تحرف المقال عن خطه الاساسي ، بل ويعتبر ثوابت الدين ثوابت يعود لها ان شك ونال الزيغ من عقله وحرفه نحو المنزلقات الممكنة. هكذا تكون قاعدته سليمة ولكن الغريب انه لم يذكر قضية هل ان دينه خاضع للشك ايضا وان عاد له! اذا نال الشك من الدين فأي اتجاه سيسلك؟ الشك يقوده للايمان؟ تلك عبارة مفخخة ملغومة لم يتوقف عندها الكثير من الباحثين. ربما يمكنني ان اعتبر تلك “ملامح الحادية” تسيطر على منهج ديكارت.

الجزء الرابع: جدليات وجود الرب والروح التي استندت عليها الميتافيزيقا والماورائيات …اغلب الباحثين يقفزون لهذا الفصل لان فيه كوجيتو cogito ديكارت. ديكارت لا يحتكم للتامل والخيال فقط لانهما مصادر للكثير من الاخفاقات العلمية والخزعبلات المرتدية رداء الفكر. ديكارت يقول:

” انا افكر، اذن انا كائن” اي (موجود) بالعربية ….

Je pense, donc je suis…

وقد رأيت تراجم العرب تقول انا موجود والعبارة تقول بالفرنسية انا كائن من الكينونة … لانها مضمرة بالعربية ربما، فنحن لا نقول (انا اكون احمد) بل نقول: (انا احمد)

نعود لديكارت فهو يعتبر هذا الكوجيتو هو اول مبدا في الفلسفة واسس عليه افكاره اللاحقة ومنها الثيولوجية فيقول رأيت الرب بلا شك و تناقض وحزن وغيرة لانني تخلصت من تلك المشاعر والقيم البشرية، وهنا يفصل بين عالم الافكار وعالم المادة … ثم يحاول المخاطرة في التساؤلات حول امكانية امتلاك الرب للفكر والمادة معاً. فاذا ما تجاهلنا افكار الناس التي لايريدون الا تصديقها ، سنرى لا معنى لاي شي لم يكن بحواسنا ولهذا فان الرب موجود فينا وفي حواسنا ولايمكننا انكار احساسنا بوجوده. لايمكن للخيال والتامل ان يقودنا لذلك دون المعنى والفهم والحس المشترك. هل اجسادنا منفصلة عن ارواحنا التي استقت الافكار من الرب؟ ما الفرق بين خيالنا الواعي وخيالنا في المنام؟ فكيف نعرف ان حالاتنا العقلية في الحلم تختلف عن حالاتنا العقلية في اليقظة؟ هل حقاً افكارنا في الاحلام مزيفة؟ هل تنفصل ارواحنا في المنام برحلة طويلة عن اجسامنا ؟ وهل الرب ذاك الكائن الاعلى الممتاز، يزودنا بما نريد؟ فلماذا بعض ما نتزود به غير حقيقي؟ ولماذا من يصاب بالیرقان يرى العالم اصفر؟ ونرى النجوم البعيدة اصغر من حجمها؟ فهل سنثق بما نراه؟ او ما نسمعه؟ هل حواسنا صادقة؟ وهل استدلالاتنا منطقية ان خالفت المنطق ولكننا نراها عقلانية؟

هل ترون بوادر او محاولات التفكير خارج الصندوق (صندوق الكنيسة) ….

الجزء الخامس: تنظيم الاسئلة في الفيزياء وتحليلها وامور طبية كحركة القلب والفرق بين روح الانسان والحيوانات. يرى ديكارت ان الرب زرع قوانين الطبيعة في عقولنا لندركها ونكتشفها ونجربها ثم يصنع ديكارت”تجربة عقلية” لنتخيل ان الرب خلق المادة وحركها في الفضاء الفارغ فسيصنع الشواش او كاووس Chaos مختلط كذاك الخليق الذي حلم بوجوده الشعراء! ان هذا العالم هو العالم البديل كوسمولوجياً لعوالم اخرى يخلقها الرب ويضع فيها الجاذبية الفيزيائية لتلتصق موادها وتتجاذب ولولا تلك الجاذبية لانهار الوجود، وذلك تجسيد لما فعله الرب حين صنع العالم، فكانت لديه افكار وقد طبقها وفق القوانين والسنن الطبيعية. بل جبل الرب اعضائنا بشكل يقبل امتزاج الروح فيها وتلك الروح عاقلة تدرك صانعها وعلى العلماء كويليام هارفي ان يكتشف المجاري الدموية وعمل القلب لينتزع الغشاوة عن اعيننا لنرى كيف يعمل الجسد بانتظام. ان الروح “كشبح في ماكنة” تحركها نحو ما يريد المخلوق ،ولا يمكننا انكار وجود العقل عند غيرنا بل نقول هو لايمتلك ما نمتلك فاذكى القرود لا يصنع ما يصنعه اغبى البشر. اذن العقل ركيزة عالمية كونية تميزنا عن غيرنا من خلال افكارنا ومانترجمها من افعال واقوال ولهذا فالحيوانات لديها امخاخ وعقول ولكن هل لديها ارواح مثلنا؟ نعم لديها “ارواح حساسة” او متحسسة وليست كارواحنا العقلانية المفكرة. كما لديها السنها ولكن ليست لديها لغاتنا الخلاّقة. هي تتحاور ولكن لا تصنع ما نصنع فارواحنا مندمجة باجسادنا وان كانت مستقلة وقابلة للانفصال حتى لو كان موت الروح والجسد معاً فذاك يجعلنا نفكر في الخلود والفناء. يقول ديكارت ان مثل الروح في الجسد كمثل الربان في السفينة.

الجزء السادس: المتطلبات العقلانية للمضي قدماً في مساءلة الطبيعة وتحليل تجلياتها والاغراض الاساسية خلف كتابة هذه المقال. يعرب ديكارت عن خوفه في ان تتسبب مخطوطته المزمع نشرها قبل المقال بمصير يشبه مصير غاليلو (ضمناً) بيد انه لم يكتب ما يخالف التقاليد الدينية والاعراف المجتمعية وانما اراد الخير. يكشف لنا هذا الكلام عن خوف حقيقي يجعلنا نقرا بين السطور لنرى اين يختبيء هذا الفيلسوف العقلاني او اب الفلسفة الحديثة. يحاول هنا ديكارت تجاوز قضية الرب، لانه اثبت تلك العلائقية بين الرب والروح وبهذا يرى ان عليه يكشف المباديء الاساسية السليقية من خلال مكنونات الروح ومعارفها المتجسدة في نواسيت الطبيعة، فيبحث عن ثنائية ما بين العقلانية وما يضدها بين الكائن والكينونة والامكان والممكن ليكشف زيف القضايا ويرفع تناقضاتها. يذكر العقلانية عند الجموع ان تتحرك بين الوجود والايجاد كما تتحرك النباتات المتسلقة والتي تعود لاسفل الشجرة ولا تتجاوزها اذا وصلت للقمة. العقلانية تتجاوز الشجرة. كذلك لايمكننا الوثوق بالفيلسوف الاعمى الذي ياخذنا الى حجرة مظلمة بناءً على مباديء معينة لم نشك في اسسها ولو شككنا لعرفنا حقيقة الحجرة المظلمة، لان الشك يسلط الضوء لاعماق تلك الحجرة. يحاول ديكار الخوض في مواد البصريات والهندسة والنيازك ولكن مقاله لايسمح بالاستطراد ثم يعبر عن لغته الفرنسية بانها لغة شعبية ولم يكتب باللاتينية ليبين ان الاساس هو الفكرة وليست اللغة المعبرة عنها. فالحس السليم مهما كان سيرى “العموميات” والتجريدات بغض النظر عن اختلاف الالسن والطرق ومواد التقديم الفكرية. يتضح ان ديكارت يقدم نقده المرن للفلسفات القديمة بشكل عقلاني ويحاول وضع ما يمكن ان يوضع محل ما وضعه غيره من الذين سبقوه، ولا ينكر ان طريقته قد غيرت معالم حياته الفكرية وجعلته اكثر ثقة في المنهج العلمي اذا ما سار على الخطى التي لا تتناقض مبادئها ولا تستغل باللاعقلانية. يمكننا ايضا اعتبار ديكارت اول من حاول كسر قواعد المنطق الجامد لينتج منطق جديد ينسجم والروح العلمية لتفسیر العالم الطبيعي.

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية

أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية

برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”

www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى