غير مصنف

التفكير والتعليم

إلى أي حد يقوض تطور المجتمعات الحالية فرص تنفيذ المشروع التربوي؟

– نحن نعاني من خطأ في التشخيص: نطلب من المدرسة أن تحل بالوسائل التربوية مشكلات حضارية ناتجة عن حركية مجتمعاتنا ذاتها، ونتفاجأ بأنها لم تنجح… ما هي هذه التحولات الجماعية التي تطرح اليوم تحديات جديدة تماما على العمل التربوي؟ إنها تتعلق بأربع جبهات على الأقل: العلاقة بين الأسرة والمدرسة، ومعنى المعرفة المدرسية، ووضع السلطة، ومكانة المدرسة في المجتمع.

بداهة، الأسرة والمدرسة لهما نفس الهدف من تربية الأطفال: فالأسرة تربي، والمدرسة تعلم، كما قيل في الماضي. لكن من الناحية العملية، أصبحت الأمور أكثر تعقيدًا.

اليوم، تميل الأسرة إلى التنصل من واجبها حيال المدرسة التي من المفترض أن تقوم بالتربية والتعليم في آن معا. كانت الأسرة في الماضي ركيزة المجتمع، لكن اليوم تمت خصخصتها، وهي الآن تقوم على العلاقة الشخصية والوجدانية بين الأشخاص لمصلحتهم الحميمة الحصرية. ويصعب دمج المهمة التربوية في هذا الإطار الذي يهدف إلى الإشباع العاطفي للأفراد.

– فيليب ميريو: لأول مرة في التاريخ، نعيش في مجتمع حيث الغالبية العظمى من الأطفال الذين يولدون هم أطفال مرغوب فيهم. يؤدي هذا إلى انقلاب جذري: في الماضي، كانت الأسرة “تصنع الأطفال”، أما اليوم فالطفل هو الذي يصنع الأسرة. فبقدومه إلى الحياة من أجل إشباع رغبتنا كآباء، يكون الطفل قد غيّر مكانته وأصبح سيدا لنا: لا يمكن أن نرفض له طلبا، مخافة أن نصبح “آباء سيئين” …

هذه الظاهرة أقحمتها ليبرالية السوق في مجتمعاتنا: فالمجتمع الاستهلاكي، في الواقع، يضع تحت تصرفنا ما لا نهاية من الأدوات التي ما علينا إلا شراءها لإرضاء أهواء أبنائنا.

هذا الاقتران بين الظاهرة الديموغرافية وظهور النزوة المعولمة، في اقتصاد يجعل الدافع للشراء قالبَ السلوك البشري، يقوض التشكيلات التقليدية للنظام المدرسي.

إلى أي مدى قلب هذا المعطى الجديد المواجهة التربوية بين المعلم والتلميذ؟

بعد أن دَرَّسْتٌ مؤخرا المستوى الخامس ابتدائي (CM2) بعد انقطاع دام عدة سنوات، لم أفاجأ كثيرًا من الانخفاض في المستوى مثلما فوجئت بالصعوبة الفائقة لاحتواء فصل دراسي يشبه طنجرة ضغط.

بشكل عام، التلاميذ ليسوا عنيفين أو عدوانيين، لكنهم دائبو الحركة ولا يلزمون أماكنهم. يجب على المعلم أن يقضي وقته في محاولة بناء أو استعادة إطار للبناء. وغالبًا ما يحصر في ممارسة “بيداغوجيا النادل”، حيث يركض من مقعد إلى آخر ليكرر بشكل فردي تعليمة قدمت مع ذلك بشكل جماعي، ولتهدئة البعض، وإعادة الآخرين إلى العمل، فتمتصه طلبات دائمة لمحاورة فردية، ويستنفد نفسه لخفض التوتر سعيا للحصول على الانتباه. ففي عالم الزابينغ والتواصل” المتزامن”، مع الإفراط المستمر في الآثار التي تتوسل رد الفعل الفوري، يصبح من الصعب على نحو متزايد ” فعل التدريس”. العديد من الزملاء “يصطدمون” بشكل يومي باستحالة تنفيذ ما حدده غابرييل مدينييه (Gabriel Madinier ) على أنه التعبير ذاته عن الذكاء: ” عكس التشتت”.

بما أن بعض الآباء لم يعودوا يربون أطفالهم من أجل المجتمع، ولكن من أجل نمائهم الشخصي، ألا يجب أن نأسف لأن الثقافة لم تعد قيمة مشتركة ؟ وكيف يمكننا ضمان عودتها إلى مركزيتها؟

– كانت المعرفة والثقافة مطروحتين باعتبارهما أدوات للوصول إلى الإنسانية الكاملة، في سلسلة متصلة تمتد من الكياسة البسيطة إلى فهم العالم الذي نعيش فيه. هذا ما غذى المثل الأعلى للمواطن الديمقراطي. لقد فقدتا هذا الوضع، وتم اختزالهما في دور نفعي (أوترفيهي).

لقد انفصلت فكرة الإنسانية عن فكرة الثقافة، ولم نعد بحاجة إليها للوجود. لقد غمرتنا موجة الخصخصة التي تلزمنا أن نعيش لأنفسنا، وقبل كل شيء، ألا نهدر وقتنا في محاولة فهم ما يحيط بنا.

إن وراء الشعار التحرري على ما يبدو ” افعل ما تريد!”، هناك فرضية عدمية: لا فائدة من المعرفة، لا يمكن السيطرة على العالم، كن راضيا بما هو ضروري لتشغيل المتجر. وبالنسبة للباقي، اعتن بنفسك.

المدرسة عالقة في هذه الحركة الزاخرة من التجهيل ومحاربة العقل في مجتمعاتنا، والتي تجعل مهمتها شاقة. والتلاميذ لا يعملون إلا على ترجيع ذلك باعتراضهم المزعج: ما فائدة المدرسة؟ لأن هذه هي المفارقة الكبرى التي تعيشها مجتمعاتنا التي تريد أن تكون “مجتمعات المعرفة”: لقد فقدت رؤية الوظيفة الحقيقية للمعرفة.

هذا هو السبب في أن يخامرنا إحساس بوجود مجتمع بلا ربان. لم يعد هناك أي عقل لمحاولة فهم ما يحدث: نحن نتفاعل، وندبر، ونتكيف. وما نحتاجه هو إعادة اكتشاف معنى المعرفة والثقافة.

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية

أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية

برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”

www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى