إبداع وتنميةإدارة ورجال أعمالالاخبارباحثي بناة المستقبلبناة المستقبل والتنمية

د. محمد جاد العياضي يكتب: طريق التحدي لمصر في كأس العالم

بقلم: د. محمد جاد العياضي
خبير التدريب الرياضي الحديث والإدارة الرياضية بدولة الكويت

من واقع دراستي العلمية وخبرتي العملية في مجال التدريب الرياضي الحديث والإدارة الرياضية في مصر، ورغم اعتراضي الصريح على بعض معايير اختيار اللاعبين للمنتخبات المصرية بشكل عام والمنتخب الأول بشكل خاص، فإن المنتخب الوطني يظل قضية وطنية تتجاوز كل الخلافات الفنية، فدعم منتخب مصر واجب ينبع من الروح قبل العقل، ولذلك ننتقد ونعترض ونختلف، لكننا في النهاية نفعل ذلك حبًا وعشقًا لمصر العظيمة.

ومع اقتراب انطلاق منافسات كأس العالم، أرى أن المنتخب المصري يقف أمام فرصة تاريخية قد تفتح له أبواب إنجاز غير مسبوق في تاريخ مشاركاته المونديالية، لذلك أطلقت على هذه الرؤية عنوان “قد التحدي للتاريخ“.

تضم مجموعة مصر منتخبات بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، وهي من وجهة نظري مجموعة متوازنة نسبيًا، بل ربما تكون من أسهل المجموعات التي واجهها المنتخب المصري في مشاركاته السابقة، ورغم ذلك، فإن كرة القدم لا تعترف بالحسابات النظرية فقط، فجميع المنتخبات تدخل البطولة بطموح التأهل إلى الدور التالي.

ويبقى منتخب بلجيكا المنافس الأقوى على الورق، بما يمتلكه من خبرات دولية كبيرة ولاعبين اعتادوا المنافسة في البطولات الكبرى، ولذلك ستكون مواجهة الجولة الأولى اختبارًا حقيقيًا لقدرات الفراعنة.

أما منتخب إيران، فهو أحد أبرز منتخبات آسيا خلال السنوات الأخيرة، ويتميز بالانضباط التكتيكي والقوة البدنية والالتزام الجماعي، ما يجعل مواجهته من أصعب مباريات المجموعة رغم ما قد يمتلكه المنتخب المصري من تفوق في بعض المهارات الفردية.

وتبدو مواجهة نيوزيلندا فرصة مهمة لحصد نقاط قد تكون حاسمة في حسابات التأهل، لكن تاريخ كأس العالم يؤكد دائمًا أن المباريات التي تبدو سهلة على الورق قد تحمل مفاجآت كبيرة داخل الملعب.

ومن خلال قراءتي للمجموعة، أرى أن منتخب مصر يمتلك فرصة حقيقية للتأهل إلى الدور الثاني لأول مرة في تاريخه. وقد يتحقق ذلك من خلال حصد أربع نقاط عبر فوز وتعادل وخسارة، وهو سيناريو أراه واقعيًا وممكنًا، وفي هذه الحالة يمكن أن يحجز المنتخب بطاقة العبور إلى دور الـ16 ويحقق إنجازًا تاريخيًا طال انتظاره.

فنيًا، ألاحظ تطورًا واضحًا في التنظيم الدفاعي للمنتخب، حيث أصبح الفريق أكثر قدرة على إغلاق المساحات وتقليل الأخطاء التي كانت تكلفه استقبال أهداف سهلة. كما أن المنتخب بات يمتلك أكثر من أسلوب لعب، سواء من خلال الضغط العالي أو الدفاع المتدرج أو الهجوم الموجي، وهو ما يمنح الجهاز الفني مرونة مهمة في التعامل مع المنافسين.

ويعتمد حسام حسن على فلسفة قائمة على التوازن بين الدفاع والهجوم، مع التركيز على التحولات السريعة واستغلال سرعة اللاعبين في المساحات، وهي فلسفة أراها مناسبة لطبيعة العناصر المتاحة حاليًا.

ولا شك أن محمد صلاح سيظل العنصر الأهم في المنظومة الهجومية للمنتخب، لكن النجاح لن يتوقف عليه وحده. فهناك عناصر مميزة بدأت تفرض نفسها بقوة مثل عمر مرموش وتريزيجيه، إضافة إلى مجموعة من اللاعبين الشباب القادرين على تقديم الإضافة المطلوبة إذا تم توظيفهم بالشكل الصحيح.

ومن وجهة نظري، فإن مشوار المنتخب المصري في البطولة يمكن أن يسير وفق ثلاثة سيناريوهات. الأول يتمثل في التأهل إلى الدور الثاني، وهو السيناريو الذي أراه الأقرب للتحقق. أما السيناريو الثاني فهو الوصول إلى الدور ربع النهائي إذا حافظ الفريق على هدوئه وانضباطه التكتيكي ونجح في استثمار فرصه بالشكل الأمثل، بينما يبقى السيناريو الثالث هو تحقيق مفاجأة كبرى إذا نجح الجهاز الفني في الدمج بين الأنظمة التكتيكية المختلفة ووضع كل لاعب في مركزه المفضل بما يحقق أقصى استفادة من إمكاناته.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجه المنتخب، فبعض العناصر لا تزال بحاجة إلى مزيد من الخبرة الدولية، كما أن الجاهزية البدنية تمثل عاملًا حاسمًا أمام المنتخبات الكبرى، كذلك يحتاج الفريق إلى تحسين فاعليته الهجومية وزيادة قدرته على إنهاء الهجمات في الثلث الأخير، خاصة في ظل غياب رأس الحربة الصريح القادر على استغلال أنصاف الفرص.

كما أن مواجهة المنتخبات السريعة تتطلب مستويات أعلى من الإعداد البدني، وهي نقطة يجب العمل عليها بشكل مكثف قبل انطلاق البطولة.

ويبقى هناك عامل معنوي مهم يتمثل في أن هذه البطولة قد تكون الأخيرة للنجم محمد صلاح على المسرح العالمي، ما يمنحه دافعًا إضافيًا لقيادة الفراعنة نحو إنجاز تاريخي يخلد اسمه واسم هذا الجيل.

وأختلف مع بعض التصريحات التي تكتفي بالحديث عن الظهور المشرف فقط، فمنتخب مصر صاحب أعظم تاريخ أفريقي، ومن حق جماهيره أن تحلم بما هو أبعد من مجرد المشاركة، علينا أن ندخل البطولة بعقلية المنافس لا بعقلية الضيف.

وفي النهاية، أؤمن أن منتخب مصر يمتلك توليفة مميزة تجمع بين الخبرة والطموح والشباب. وإذا أحسن الجهاز الفني استثمار هذه العناصر، فقد يكون هذا الجيل على موعد مع كتابة فصل جديد في تاريخ الكرة المصرية، وتحقيق ما انتظرته الجماهير طويلًا: صناعة التاريخ في كأس العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى