د.عثماني سعيد ” المحاولة و الجرائم الرقمية “

بقلم : د. عثماني سعيد
شكل استخدام تكنولوجيا الانترنت حدثا فارقا في تاريخ البشرية ، حيث أصبح من المستحيل الاستغناء عنها في مختلف المجالات المتعلقة بالنشاط الإنساني، إلا أن ظهور هذه التكنولوجيا اقترن بظهور أشكال مستحدثة للنشاط الإجرامي قلبت المفاهيم القانونية السائدة سواء من حيث المضمون أو الشكل، حيث برزت للوجود جرائم ذات طبيعة مزدوجة، بين جريمة معلوماتية محضة تستهدف الأنظمة و البيانات المعلوماتية و جريمة أخرى عادية مرتكبة بواسطة الشبكة المعلوماتية كآلية من اجل التواصل و التخطيط لتنفيذ المشاريع الإجرامية، بروز هذا النوع المستحدث من الجرائم وضع على المحك المبادئ العامة المسطرة للجرائم (ركن قانوني، معنوي و مادي…) مفرزا بذلك العديد من الإشكاليات من حيث التعاطي معها و بالتالي الحد و التقليل من خطورتها.
عموما، فالنشاط الإجرامي لا يتم تنفيذه دفعة واحدة، و إنما يمر عر مراحل متواترة. فيبدأ أولا كفكرة في ذهن و مخيلة الجاني، فإما أن تتبلور هذه الفكرة في ذهنه و يعمد لترجمتها على ارض الواقع، و إما يعرض عن تنفيذها، و تمتاز هذه المرحلة بكونها ذات طبيعة ذهنية يكون الفعل الجرمي فيها لم يأخذ مظهرا ماديا و خارجيا ملموسا و بالتالي فلا عقاب عليه. و كما هو معلوم فان القانون الجنائي لا يعاقب على النوايا مهما كانت دنيئة ما دامت كامنة في مخيلة أصحابها.
بعد ذلك ينتقل الجاني الى المرحلة الثانية و هي مرحلة الإصرار و العزم و التصميم الإجرامي حيث تخطو فكرة المشروع الإجرامي نحو المرحلة المادية الملموسة . ذلك أن الجاني يعمل على إعداد الوسائل التي قد تساعده على تنفيذ ما اقر عليه عزمه ( شراء السلاح الناري، تهيئ المواد السامة ، شراء البرمجيات الخاصة بالقرصنة …) فمرحلة التحضير للجريمة لا يعاقب عليها المشرع إلا إذا شكلت بحد ذاتها جريمة مستقلة قائمة بذاتها.
أما المرحلة الثالثة و هي التي يبدأ فيها الجاني في تنفيذ مشروعه وهو ما يعتبر شروعا إجراميا أو بدء في الركن المادي للجريمة، و هنا يقع تدخل المشرع الجنائي بالعقاب، فإذا نجح الجاني في تنفيذ الجريمة كنا أمام الجريمة التامة و يكون بذلك حقق النتيجة الإجرامية أو الغاية التي كان ينشدها. أما إذا تخلفت هذه النتيجة، فإننا نكون أمام الجريمة الناقصة أو ما يطلق عليها المشرع المغربي ” المحاولة”.
القانون الجنائي المغربي، في شقه العام تعرض للمحاولة من خلال المادة 114 و ما يليها، من حيث المبدأ و عمليا فإن أي تطبيق لهذه المقتضيات على الجرائم العادية سيفرز لا محالة بعض الإشكاليات المرتبطة أساسا بعناصر المحاولة و صورها علاوة على العقاب عليها. فهل محاولة إسقاط نفس المقتضيات على الجرائم المرتبطة بالانترنت ستثير نفس الإشكاليات ؟ أم ستفضي إلى إشكاليات إضافية أخرى ؟
عناصر المحاولة :
يمكن أن نستخلص من الفصل 114 من مجموعة القانون الجنائي المغربي و الذي جاء فيه: ” كل محاولة ارتكاب جناية بدت بالشروع في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها، تهدف مباشرة إلى ارتكابها، إذا لم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخى منها إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبها، تعتبر كالجناية التامة ويعاقب عليها بهذه الصفة”. أن للمحاولة ثلاثة عناصر أساسية و هي:
- البدء في التنفيذ.
- انعدام العدول الارادي.
- القصد الجنائي.
- البدء في التنفيذ :
و هو عنصر يستفاد بصريح العبارة من خلال الفصل 114 ق.ج ، فلا محاولة إذا لم يبدأ الجاني في تنفيذ الوقائع المكونة للجريمة و إذا لم يأتي عملا لا لبس فيه يهدف من ورائه الى تنفيذها. و كل تصرف يقوم به الجاني خلال ذلك لا يعدو أن يكون مجرد عمل يدخل في نطاق التحضير للجريمة يبقي غير معاقب عليه بصفة مبدئية ما لم يقرر المشرع خلاف ذلك.
إن التمييز بين الأعمال التحضيرية للجريمة و مرحلة البدء في تنفيذها يعتريه في كثير من الأحيان بعض اللبس مادام أن التحضير للجريمة له خصوصية مادية قريبة للبدء في تنفيذ الجريمة ، فمثلا من يشتري برنامجا معلوماتيا معدا للقرصنة أو التجسس فهل يمكن اعتبار ذلك تمهيدا للدخول عن طريق الاحتيال للنظم المعلوماتية أم أن المعني فقط يرغب في الاطلاع على ما استجد في عالم المعلوميات.
- انعدام العدول الإرادي:
و يقصد بالعدول الإرادي هو ذلك العدول عن إكمال تنفيذ الجريمة بمحض الإرادة نتيجة لتأثير الضمير أو الخوف من القانون حيث يتراجع الجاني عن تنفيذ عناصر الجريمة بإرادة واعية و خالصة دون تدخل الضحية أو السلطات المختصة أو الغير من عموم الجمهور. و في حالة ثبوت هذا العدول فإن المحاولة لن يكون لها أي اثر قانوني. و نورد هنا مثالا متعلقا بالجرائم المعلوماتية كمن يلج نظاما معلوماتيا قصد الاستيلاء على بعض المعلومات المخزنة به إلا انه يغادره بعدما انتابه ندم أو تأنيب ضمير و يرجع عن فعله الجرمي .
- القصد الجنائي :
إن المحاولة كجريمة لا يمكن تصورها و تحققها من الناحية القانونية على الإطلاق إلا في الجرائم العمدية، و لا يمكنها أن تتحقق في الجرائم الغير العمدية و التي ترتكب في الغالب نتيجة خطأ. كما أن القصد الجنائي في الجرائم الغير العمدية لا يرمي في حد ذاته إلى تحقيق النتيجة الإجرامية و إنما تحصل كما أسلفنا بسبب خطأ أو عدم انتباه أو إهمال. و على العموم فأن المحاولة تتطلب القصد الجنائي الذي يقوم على الباعث و النية المبيتة في تحقيق الجرم و الغاية المنشودة.
و الحال أن عنصر العمد لا يطرح العديد من الإشكاليات في الجرائم المعلوماتية، لأنه يمكن بأي حال من الأحوال معاقبة من ولج عن طريق الخطأ لأحد النظم المعلوماتية، إلا أن البقاء بالنظام بعد ولوجه خطأ و العلم بذلك يشكل جريمة بحد ذاته.
صور المحاولة :
- الجريمة الموقوفة:
الجريمة الموقوفة هي كل جريمة يبدأ الفاعل في تنفيذها فعلا، إلا أنه يتوقف عن إتمام هذا التنفيذ لسبب خارج عن إرادته. أي أن إرادة الفاعل لم تكن حرة في عدولها، بل ثمة إكراه مادي أو معنوي يرسم لها اتجاهها و مثل ذلك أن يتدخل شخص يوقف نشاط الجاني كشرطي، أو أن يتعرض لمقاومة المجني عليه فيعجز عن التغلب عليها… الخ.
و يمكن نتصور شكلا من أشكال الجريمة الموقوفة في البيئة الرقمية، حيث يلج أحد الأشخاص عن طريق الاحتيال لنظام معالجة خاص بمؤسسة ما و يشرع في تحميل بعض من المعلومات المتضمنة به ، إلا أن المسؤول عن الأمن المعلوماتي للنظام تفطن لهذه العملية من خلال برنامج الإنذار و قام بوقف عملية التحميل.
- الجريمة الخائبة:
و يقصد بها كل جريمة أتى فيها الفاعل ركنها المادي و استهلك كل الأنشطة التي اعتقد أنها ستوصله إلى النتيجة التي رغب فيها، إلا أن مسعاه يخيب لأسباب لا دخل لإرادته فيها- الفاعل- كما لو أطلق شخص الرصاص على غريم فلم يصبه، أو أصابه في مقتل ثم شفي بعد ذلك من إصابته، فالنتيجة المرجوة هنا هي إزهاق روح المجني عليه، و لكنها لم تتحقق.
ففي العالم الافتراضي و علاقة بالجريمة المعلوماتية يمكن تصور شكل من أشكال الجريمة الخائبة، حيث يعمد الجاني إلى الولوج للموقع الالكتروني لإحدى الشركات بغرض عرقلة السير به و يقوم بإغراقه بالبريد الغير المرغوب به ( SPAM ) ، إلا انه لا يتمكن للوصول لغايته المنشودة.
و علاقة بعدم تحقق النتيجة الإجرامية ، نورد إحدى الصور المرتبطة باستعمال الانترنت بغرض النصب، و هي الحالة التي لم يحصل تسليم المال فيها بالرغم من ارتكاب الجاني لجريمة النصب كأن ينتبه المجني عليه إلى أن الرسالة الالكترونية التي تلقاها هي ليست حقيقية ، ففي مثل هذه الواقعة نكون أمام حالة محاولة النصب عبر الانترنت ، و المحاولة في مثل هذا النوع من الجرائم المرتبطة تكون محكومة بالقواعد العامة و من ثم فان الجاني يسأل عن المحاولة لا عن جريمة النصب التامة ، لان ما صدر منه يوصف بأنه بدء في تنفيذ هذه الجريمة. والأعمال التي يمكن بان تحمل هذا الوصف تتمثل بكل فعل يباشر به الجاني في استعمال الغش و الخداع بواسطة الرسائل الالكترونية عبر شبكة الانترنت، و هذا ما أكد عليه القضاء الجنائي المصري. فإذا وقع فعل من هذه الأفعال لكن أثره خاب لسبب خارج عن إرادة الجاني أي لم يترتب عليه خداع المجني عليه و حمله على تسليم المال، فجريمة النصب تقع ناقصة لتخلف النتيجة، كما لا يؤثر في قيام الجريمة ندم المحتال و إعادته للمبلغ النقدي الذي تسلمه، و هو نفس توجه المشرع المغربي، الذي عاقب على محاولة النصب بمقتضى خاص.
- الجريمة المستحيلة:
الجريمة المستحيلة هي الجريمة التي لا يمكن أن يحقق فيها الجاني أو حتى غيره النتيجة الإجرامية. و تكون هذه الاستحالة إما قانونية : و مثال ذلك من استولى على منقولات في ملك أخيه قاصدا سرقتها، فيتضح فيما بعد أنه المالك لها بسبب أن أخاه قد توفي قبل قيامه بالاختلاس، حيث يكون هو الوريث الوحيد لأخيه المتوفى.
و قد تكون هذه الاستحالة مادية، و مثاله من يطلق النار بقصد قتل شخص يعتقد الجاني بأنه حي بينما هو فارق الحياة قبل إطلاق النار عليه، و مثاله كذلك إن يستعمل الجاني في التسميم مادة غير سامة على الإطلاق.
و نورد مثالا آخرا متعلقا بالعالم الافتراضي ، حيث يقوم أحد الجناة بكل بالدخول لموقع الكتروني إعلامي لا يروقه خطه التحريري و يعمد إلى حجب و تعطيل خدمة يقدمها هذا الموقع دون علمه بأن هذه الخدمة سبق و تم حجبها من طرف شخص أخر، و مثاله أيضا أن يقتني شخص برنامجا معلوماتيا عبارة عن دودة معلوماتية أو برنامجا للتجسس و يقوم بحقنها بأحد النظم المعلوماتية معتقدا أنها سوف تتلف محتويات هذا النظام ، إلا أن هذا البرنامج اتضح انه نسخة متجاوزة و لم تقم بعملها كما تصوره الجاني.
هذا وقد ثار جدل فقهي حول العقاب في الجريمة المستحيلة أفرز وجود ثلاث نظريات، نظرية تقضي بعدم العقاب المطلق لأن هذه الجريمة لا تنتج أي اضطراب اجتماعي كما أفرزت نظرية تقضي بالعقاب المطلق لأن الجاني أظهر نيته الإجرامية، كما أن العنصر المادي قد ارتكب، وهناك نظرية ثالثة توفيقية والتي قضت بالعقاب في حالة الاستحالة الواقعية فقط وهذا ما نهجه المشرع المغربي في الفصل 117 من القانون الجنائي.
فالجريمة هنا يستحيل تحقق نتيجتها ماديا، إما بسبب عدم صلاحية محل الجريمة لترتيب النتيجة ( شخص ميت قبل القتل)، و إما لكون الوسائل المستعملة في تنفيذ الجريمة و تحيق النتيجة ليست قادرة على تحقيق ذلك مطلقا.
العقاب على المحاولة :
إن المبدأ الأساسي الذي اعتمده المشرع المغربي بصفة عامة أن عقاب المحاولة يتساوى مع عقاب الجريمة التامة نظرا للخطورة الكامنة في المحاولة على سلامة الأشخاص البدنية أو ممتلكاتهم إلا أن الملاحظ هو أن المشرع المغربي ميز من حيث مبدأ العقاب على المحاولة في كل من الجنايات و الجنح و المخالفات.
فنجده قد اعتمد الاتجاه الشخصي في العقاب على المحاولة لكون تخلف النتيجة الإجرامية لا يرجع بالأساس إلى إرادة الجاني بقدر ما أن فشل مشروعه الإجرامي له صلة وثيقة بظروف خارجة عن إرادته الحقيقية ، لذلك فإن استحقاقه العقاب يبقى أمرا منطقيا لكون تساهل المشرع مع العقاب على المحاولة قد يهدد الأمن و الاستقرار الاجتماعيين، وقد يدفع ببعض المجرمين إلى التمادي في تكرار محاولات إجرامية إلى حين بلوغ النتيجة الإجرامية. و مع ذلك فانه في ظل غياب النتيجة الإجرامية في المحاولة باعتبارها جريمة ناقصة يفتح الباب أمام الجهات القضائية التي تنظر في النازلة أن تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى ، و بالتالي يمكنها تمتيع الجاني بالظروف القضائية المخففة.
و عليه فقد اتجه المشرع المغربي للعقاب على المحاولة من خلال تمييزه بين كل من الجناية و الجنحة و المخالفة.
- المحاولة في الجناية دائما يعاقب عليها بعقوبة الجريمة التامة ( الفصل 114 من ق.ج).
- لا يعاقب على المحاولة في الجنحة إلا بمقتضى نص خاص ( الفصل 115 من ق.ج).
- المحاولة في المخالفات لا عقاب عليها على الاطلاق( الفصل 116 من ق.ج).
و نعرج هنا على المادة 8-607 من مجموعة القانون الجنائي المغربي و المتعلقة بالمس بنظم المعالجة الالكترونية حيث عاقب المشرع على محاولة ارتكاب الجنح المنصوص عليها في هذا الباب بالعقوبة المطبقة على الجريمة التامة. حيث نلاحظ هنا استشعارا للمشرع لخطورة جرائم المس نظم المعالجة المعلوماتية من خلال اتجاهه للعقاب على المحاولة في هذا النوع من الجرائم بالرغم من اعتبارها جنحا فقط.
خاتمة :
يتضح من خلال تطرقنا لمحاولة الجريمة الالكترونية و من خلال تحليلنا لعناصرها ، صورها و العقاب المقرر لها ، أن الجرائم المرتبطة بالانترنت تتماهى مع الجرائم الكلاسيكية عند محاولة إخضاعها لمقتضيات الفصل 114 و ما يليه ، حيث أنه يمكن دائما تصور أشكالها و صبها في صور المحاولة الثلاث، الجريمة الموقفة، الجريمة الخائبة و الجريمة المستحيلة، نفس الشيء ينطبق على العقاب على الجريمة حيث أن المشرع يعاقب على محاولة الجنحة بمقتضى نص خاص و هو ما يتوافر لدينا من خلال منطوق المادة 8-607 ، صعوبات إسقاط مقتضيات المحاولة على الجريمة الالكترونية تنجلي بحكم أننا أمام مبادئ و أحكام جنائية سطرت في الأصل لتحتوي جميع الأشكال الجرمية ، و الحال أن الإشكال الحقيقي يتجلى في كيفية ضبط و حصر عملية بدء التنفيذ داخل البيئة المعلوماتية حيث يستعصي ضبط الجرائم المعلوماتية التامة داخل هذه البيئة المحصنة بالنسبة للمجرمين، فما بالك بجريمة ناقصة لم تحقق نتيجتها الإجرامية .
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
www.us-osr.org



