الذكاء الاصطناعي ليس طبيباً..خوارزمية الوعي في عصر السيادة الرقمية

بقلم: أ.د. سناء عبدالرحيم
المملكة المغربية الشريفة- خبيرة تطوير الذات والإدارة الاستراتيجية
تتجاوز الثورة الرقمية المعاصرة كونها تطور تقني لتصبح إعادة تعريف شاملة لكيفية إنتاج المعرفة وتداولها، وبينما يميل الخطاب السائد إلى تصوير الذكاء الاصطناعي (AI) ككيان موازٍ للعقل البشري، يكشف التحليل الأكاديمي الرصين أننا أمام مرحلة “التنفيذ الفائق” لمنطق بشري تراكمي، حيث تحولت الأفكار من حيز التجريد الذهني إلى بيئات الحوسبة المتقدمة تحت مسمى “السيادة الرقمية”.
1. البنية التحتية للمنطق الخوارزمي
إن ما نشهده اليوم من قدرات هائلة للذكاء الاصطناعي يعود في أصله إلى “المنطق الصوري” الذي صاغه علماء الرياضيات الأوائل، وعلى رأسهم “أبو جعفر الخوارزمي”. فالخوارزمية في جوهرها ليست “ذكاءً” بالمعنى البيولوجي، بل هي “بروتوكول تفكير” يعتمد على التسلسل المنطقي والنمذجة الرياضية. إننا لا نبتكر وعياً جديداً بقدر ما نقوم بـ “محاكاة بنيوية” لآليات الاستدلال البشري، مما يجعل العلم الحديث امتداداً تقنياً لنظريات معرفية موغلة في القدم.
2. الذكاء الاصطناعي ليس طبيباً: حوار التخصص
من الضروري علمياً ومنطقيّاً فك الاشتباك بين “الكفاءة الإجرائية” و”الأهلية المهنية”. فالذكاء الاصطناعي، بصفته محركاً احتماليّاً، ليس طبيباً، ولا مهندساً، ولا قانونياً؛… بل هو “مستشار معلوماتي” فائق القوة والسرعة . إن القيمة الحقيقية تبرز في “الحوار المعرفي” بين المتخصص والآلة. فالطبيب لا يُستبدل بالخوارزمية، بل يحاورها؛ يستخدمها كأداة تحليلية لاستقراء الأنماط الطبية المعقدة، بينما تظل “سلطة القرار” و”أخلاقيات المهنة” و”الحدس السريري” حكراً على الوعي البشري. الآلة تقدم البيانات، والإنسان يمنحها “القصدية” والمسؤولية.
3. الجدلية بين “الإجراء” و”المعنى”
يتبع الذكاء الاصطناعي ما يسمى بـ “قواعد النحو الصوري” (Syntax)، أي معالجة الرموز بناءً على قواعد رياضية، بينما يظل “المعنى” (Semantics) نتاجاً للوعي الإنساني المرتبط بالتجربة. إن الرقمنة مهما بلغت دقتها، تظل تفتقر إلى القدرة على إدراك “الغاية” من الفعل. المهندس يدرك الغرض الوجودي من البناء، بينما الآلة تعالج “إحداثيات ومقاومة مواد”. هنا تكمن الفجوة التي لا يمكن للسيليكون عبورها: فجوة الوعي الأخلاقي والقصد الإنساني.
4. السيادة الرقمية: نحو وعي قائد
إن التحدي الحقيقي في هذا العصر لا يكمن في مواكبة “سرعة الآلة”، بل في امتلاك “السيادة على المعنى”. إننا بحاجة إلى وعي يدرك أن البرمجيات هي “أدوات إدراكية مساعدة” (Cognitive Tools) تهدف إلى تحرير العقل البشري من المهام النمطية ليتفرغ للإبداع والتحليل الاستراتيجي. إن الفصل بين “التقنية” و”الفكر” هو فصل زائف؛ فالرقمنة بدون خلفية منطقية وفلسفية تظل مجرد تراكم رقمي يفتقد للبوصلة.
إن الذكاء الاصطناعي هو “مرآة تكنولوجية” تعكس مدى تطورنا في فهم عقولنا، نحن لا نحتاج إلى علوم مبتدعة بقدر حاجتنا إلى “تفعيل ذكي” للمبادئ العلمية الراسخة في قوالب رقمية حديثة. الرهان المستقبلي سيبقى معقوداً على “الإنسان المتخصص” الذي يعرف كيف يحاور الخوارزمية، ويحول الرقم الصمّ إلى استراتيجية بناءة تخدم الوجود الإنساني.




