الاخبارالطاقة والحياةباحثي بناة المستقبلبناة المستقبل والتنمية

سيمياء الأفكار: هل العلم جديد أم هو إعادة تدوير للوعي القديم؟

بقلم: د. سناء عبد الرحيم – المملكة المغربية الشريفة
خبيرة التطوير الذاتي والإدارة الاستراتيجية

في عالم التنمية البشرية وعلوم الإدارة، تظهر لنا يومياً مصطلحات براقة مثل MindScape وMindset وNeuro-Linguistic Programming. وللوهلة الأولى، قد يظن المتلقي أنه أمام ثورة علمية غير مسبوقة، لكن النظرة المتأنية تدرك أننا أمام “سيمياء” تعيد صياغة المبادئ الإنسانية القديمة بقوالب عصرية.

العلم واحد، لكن “ثوبه” يتغير بتغير الزمان والمكان والسياقات الثقافية. فما نطلق عليه اليوم “المشهد العقلي” أو MindScape هو في جوهره امتداد لتقنيات مثل “الفيلم الذهني”، “التخيل الموجّه”، و”التنويم الإيحائي” التي عرفتها الحضارات القديمة، من اليونان إلى بلاد الرافدين، وصولاً إلى المتصوفة والفلاسفة.

هذا التطور ليس مجرد ترف لغوي، بل هو استجابة لـ “المقصد”. العقل المعاصر، المنغمس في المادية وسرعة الحياة، يحتاج إلى مرجعيات “علمية” و”بروتوكولات” منظمة ليقبل الفكرة. الغرب أعاد تغليف “التأمل” في قالب “الذكاء العاطفي”، وأعاد صياغة “قوة اليقين” في قالب “قانون الجذب”، ليجعلها أدوات صالحة للاستخدام في المؤسسات وقاعات الشركات الكبرى.

إشكالية الفكرة: هل نمررها أم نصنع منها “حدثاً”؟

هنا نصل إلى صلب البحث والتفكير: الفكرة موجودة في كل مكان، لكن قيمتها تكمن في “الوعي بها”. قد تصادفك فكرة بسيطة، فتتركها تمر لأنك تظن أنها “ليست جديدة”، بينما يأخذها آخر ويحوّلها إلى “اكتشاف” يغيّر العالم. الفرق هنا ليس في “جدة” الفكرة، بل في “قوة الاشتغال عليها”.

عدم تقييمنا للفكرة لأنها تبدو قديمة هو “فخ ذهني”. فالحقيقة أن كل الأفكار العظيمة قيلت من قبل بشكل ما، لكنها تنتظر من يعيد بعثها بروح العصر، وبصيغة تلامس احتياجات اللحظة الراهنة.

السؤال الجوهري: هل أبحث عما قاله الآخرون أم أعلنها كـ “اكتشاف”؟

عندما تتبلور في ذهنك رؤية معينة، يطرح السؤال نفسه: هل أستغرق في البحث التاريخي عمن سبقني، أم أشتغل عليها وأخبر العالم بها كأنها ولادة جديدة؟

الإجابة تكمن في “التجربة الذاتية”. البحث عما قاله الآخرون يمنحك “المرجعية العلمية”، لكن الاشتغال عليها بمنظورك الخاص، وتطبيقها في واقعك، هو ما يمنحها “الحياة”.

العالم لا يحتاج لمن يكرر أقوال السابقين، بل يحتاج لمن “يحيي” تلك الأقوال ويجعلها صالحة للاستخدام اليوم. عندما تعرض فكرة ما على العالم وكأنها “اكتشاف جديد”، فأنت لا تكذب؛ لأنك اكتشفتها “بداخلك” أولاً، وصهرتها في مختبرك الخاص، وقدمتها بلمستك التي لا يشبهها أحد.

البحث والتفكير هما رحلة لا تنتهي. لا ترفض فكرة لأنها تبدو قديمة، ولا تبخس حقك في الإعلان عنها كجديدة. فالشمس تشرق كل يوم، وهي نفس الشمس منذ ملايين السنين، لكننا في كل صباح نستقبل نوراً جديداً لم نره من قبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى