الاخبارباحثي بناة المستقبلبناة المستقبل والتنمية

بين الوقار والإقصاء: الدكتور المغربي أحمد العلمي يفكك صورة الشيخوخة في الأمثال الشعبية المغربية

بقلم:  أحمد العلمي/ دكتوراه في الآداب وعلم النفس الاجتماعي

تزخر الثقافة المغربية برصيد غني من الأمثال الشعبية التي تشكّل جزءًا أساسيًا من التراث اللامادي، وتعكس ما يُسمّيه عالم النفس الاجتماعي سيرج موسكوفيتشي بـ«التمثلات الاجتماعية»، أي الكيفية التي يفهم بها المجتمع واقعه ويمنحه معنى، ومن خلال هذه الأمثال، تتجلّى نظرة المجتمع المغربي إلى الشيخوخة بوصفها مجالًا للتأرجح بين التقدير والتحقير، خصوصًا عند المقارنة بين الرجل والمرأة.

فالشيخوخة عند الرجل غالبًا ما تُقترن بالحكمة والخبرة ورجاحة العقل، كما في الأمثال التي تمجّد التجربة وتعتبر السن مصدرًا للمعرفة، مثل: «اللّي فاتك بليلة فاتك بحيلة»، غير أن هذه النظرة الإيجابية لا تمنع السخرية من المسن الذي يتصرّف بما لا يليق بسنه، حيث تُستعمل بعض الأمثال للتقليل من شأنه إذا خالف الصورة المتوقعة للوقار.

في المقابل، تبدو التمثلات المرتبطة بالمرأة المسنّة أكثر قسوة، إذ تختزل الأمثال الشعبية قيمتها في جمالها الخارجي، وتحوّل الشيخوخة إلى سبب للتهميش والسخرية، بل وأحيانًا للشيطنة. ورغم حضور صورة الجدة الحنونة رمزًا للبركة والعطاء، فإن الصورة السلبية للعجوز الماكرة أو الشريرة تظل الأكثر حضورًا في المخيال الشعبي.

وتكشف هذه الأمثال عن تمييز جندري واضح في تمثّل الشيخوخة، حيث يُكافأ الرجل على تقدّمه في السن بالحكمة والوقار، بينما تُعاقَب المرأة بفقدان مكانتها الرمزية، غير أن التحولات الاجتماعية المعاصرة، وارتفاع مستوى الوعي والتعليم، باتت تفرض مراجعة نقدية لهذه التمثلات، التي لم تعد تنسجم مع واقع المرأة ودورها الفاعل في المجتمع.

إن قراءة الأمثال الشعبية اليوم لا ينبغي أن تكون ترديدًا لما تحمله من أحكام جاهزة، بل مدخلًا لفهم الذهنيات الجماعية وتفكيك الصور النمطية، تمهيدًا لبناء نظرة أكثر إنصافًا للشيخوخة، باعتبارها مرحلة إنسانية تحمل من القيمة ما يتجاوز العمر والجنس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى