الجزء الثاني من تلخيص كتاب “ العالم في إصدارة الثالث” تأليف:بانكاج غماوات


إلى الأمام : الإصدار الثالث
دفعتنا الأزمة المالية العالمية إلى النظر عن قرب إلى تفاصيل السياسات التي اخترناها والتي تسببت في نشأة صراع رهيب بين الإصدارين الأول والثاني. فأزمة الغذاء التي سبقت الأزمة المالية، والتي تبدو أنها تعيد نفسها وفقًا لآراء العديد من المحللين، قد أضاءت لنا الطريق. فمنذ مطلع عام 2007 إلى منتصف عام 2008 ، تضاعفت أسعار الأرز الدولية بمقدار ثلاثة أضعاف نظرًا إلى تكالب الناس على شرائه، مما أسفر عن أعمال شغب في أكثر من اثنتي عشرة دولة تستورده، بل وتسبب أيضًا في الإطاحة بحكومات بعض منها. غير أن نصح الحكومة للأطراف المسؤولة بتبني فكرة الأسواق والأسعار الحرة لا يشكل رد فعل مقبولًا في مثل تلك المواقف لأنه لن يساعد هؤلاء الذين يعانون من نقص الغذاء. لذلك، فالحل البديل هو تدخل الحكومة لإدارة الأسعار المحلية. وفي الوقت نفسه، نظرًا إلى أن نسبة الأرز المتداول دوليًا لا تتجاوز 5٪ من إنتاجه، فإن التوسع في أسواق الأرز الدولية سيحد من تذبذبات الأسعار التي يجب على الحكومات أن تتعامل معها، وكذلك إلغاء إعانات الصادرات والتعريفة الجمركية.
يقدم لنا الأرز مثالاً واضحًا حول الأسواق المعرضة للفشل التي تتطلب قدرًا من الضوابط نتيجةً لذلك والتي تستطيع رغم ذلك الاستفادة من المزيد من التكامل الدولي. وقد ساعدنا المثال السابق على ملاحظة أن التوتر الذي نشب بين الإصدارين الأول والثاني لا يجسد مفاضلة بين خيارين وإنما يجسد خلافًا حول نوعين من الخيارات: الأول يتعلق بوضع ضوابط على الأسواق بينما يتعلق الثاني بالتكامل بين الدول. يتطلب التمييز بين بُعدَي الخيارين السابقين شرحًا مكونًا من أربعة أقسام لاحتمالات نشأة إصدار ثالث يتبنى نظرة كونية مستقلة شأنه في ذلك شأن الإصدار الأول (انظر الشكل التوضيحي). يحيك الإصدار الثالث العولمة والانضباط في نسيج واحد، على عكس الاحتمالات الثلاثة الأخرى التي يعرضها لنا الشكل التوضيحي والتي تفضل العولمة أو الانضباط أو ترفض كلاً منها.
الوحيد الذي لم يُطرح للمناقشة ويُكتشف أنه ليس مكتمل على أنه الخيار الأمثل، بعيدًا عن حقيقية أنه يعتبر الخيار ولكن لماذا يبدو الإصدار الثالث في الشكل التوضيحي يعترف بالمستويات الفعلية للتكامل بين الدول فحسب، بلا ما يميز الإصدار الثالث هو أنه أكثر واقعية. فهو لا ويفسر أيضًا كيف تؤثر الاختلافات الجغرافية وغيرها من أشكال الاختلافات/ المسافات على التدفقات بين الدول.
فالبناء الخاص بالإصدار الثالث، يستند إلى أسس تجريبية ويركز على عنصر المكان بشكل واضح، حيث تبدو الحدود والمسافات مهمة، مما يعتبر سمة أساسية تميزه عن الإصدار الأول الذي يركز على الحدود فحسب والإصدار الثاني الذي لا يركز على الحدود ولا المسافات.
يعتبر الإصدار الثالث أيضًا أكثر واقعية فيما يتعلق بالطبيعة الإنسانية، فتغيير وجه العالم قد يكون سهلاً إذا استطعنا تحفيز البشر كي يقمعوا رغباتهم إلى حد كبير، ولكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ يسعى الإصدار الثالث إلى تبني نظرة أكثر واقعية حول الحوافز التي تؤثر فينا ولكن دون التضحية بالأخلاقيات. فهو يدرك أهمية المصلحة الخاصة ولكنه يرسي أيضًا ركائز تستند إلى المسافات وتنمي الوعي بالآخرين والتعاطف معهم وتشجع على الإيثار، كي ينظر الناس للصورة كاملة ويدركوا كيف يستطيعون تحقيق قدر من التقدم من خلال تلك الأبعاد.
وعلى النقيض، نجد أن الإصدارين التجريبي والأول يجسدان فكرة ”إما أنا أو أنت“ التي تتجاهل المصالح الخارجية تمامًا. أما الإصدار الثاني، الذي لا يعتمد على فكرة أنا وأنت، فيمنح المصالح الخارجية نفس قدر الأهمية الذي يوليه للمصالح الداخلية، مما يعتبر نزوعًا مبالغًا فيه إلى المثالية.
ومن المميزات الأكثر أهمية للإصدار الثالث أنه يركز على الأرباح التي سيجلبها المزيد من الانفتاح. فالإصدار الثاني يفترض أن الانفتاح قد تحقق بالكامل أو سيتحقق في المستقبل القريب. لذلك، فمن وجهة نظره، رغم أن الحيلولة دون وقوع خسائر نتيجة للارتداد مهمة، فإن تحقيق أرباح عن طريق المزيد من الانفتاح ليس بالأمر المهم.
أما الإصدار الأول، وإلى حد كبير الإصدار التجريبي، فيدير ظهره للأرباح الناتجة عن الانفتاح. وهناك ميزة أخرى للإصدار الثالث، وهي أنه يقدم إطارًا محددًا نسبيًا للعمل يرتكز على أساس، كما أنه يواصل الحركة مرورًا بمختلف المقدمات المنطقية وصولاً إلى فرضيات تختلف جوهريًا عن النظرات الكونية التي سبقتها.
نحو تحقيق الرخاء من خلال الإنفتاح الحقيقي
لم تغزُ العولمة العالم بالقدر الذي يعتقده كثير من الناس، فمستويات التكامل بين الدول تتأثر بثقافاتها والاختلافات الإدارية والجغرافية والاقتصادية بينها. لذلك، حريٌّ بنا استكشاف التكامل بشكل أكبر بالبحث على سبيل المثال عن إمكاناته المستقبلية.
فيجب أن ننظر إلى المكاسب التي سنحققها في حالة تقليص الحواجز بين الدول والسماح بمزيد من الانفتاح. لكن لن يبدو التفكير في المكاسب التي سيجلبها المزيد من الانفتاح منطقيًا إلا في إطار الإصدار الثالث. فهؤلاء الذين يؤمنون بالإصدار الأول يميلون إما إلى تجاهل التعاملات التجارية الدولية أو إلى التركيز على وضع قيود عليها أو الحد منها. أما الذين ما زالوا مخلصين للإصدار الثاني، فمن المحتمل أنهم ينظرون إلى التكامل على أنه قد تحقق بالفعل لدرجة أنه لم يعد هناك الكثير من المكاسب التي يمكن تحقيقها من خلال المزيد من الانفتاح.
ما وراء تجارة البضائع
إن القيمة الإضافية التي تتحقق من الممكن أن تسري ليس على تجارة البضائع فحسب وإنما على أنواع أخرى من التدفقات الدولية. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك الخدمات، فهي تمثل قرابة ثلثي حجم إجمالي الناتج القومي العالمي، ورغم ذلك فإنها لا تشغل سوى خمس حجم التجارة الدولية، مما يجعل حجم تجارة الخدمات لا يبلغ سوى ثمن حجم تجارة البضائع. ورغم أن بعض الخدمات بطبيعتها يتعذر تداولها تجاريًا، كخدمات تصفيف الشعر على سبيل المثال، فالمستوى الكلي لحجم تجارة الخدمات يبدو أقل كثيرًا مما ينبغي.
ويرجع ذلك إلى القيود السياسية التي تظهر على وجه الخصوص في مجالات النقل والخدمات المهنية. يتطلب الالتزام بتحرير الخدمات نظامًا معقدًا من اللوائح التي لا تُحصى آثارها. ومع ذلك، فالدراسات الأكاديمية القليلة التي حاولت تحديد تلك الآثار باستخدام نماذج (التوازن العام المحسوب) تميل إلى استنتاج أن تقليص الحواجز في مجال الخدمات بنسبة مئوية محددة سوف
يجلب مكاسب عظيمة تفوق تلك التي يجلبها تقليص الحواجز في تجارة البضائع بنفس النسبة.
علاوة على ذلك، نظرًا إلى التحسينات التي تُضفى على تقديم الخدمات الدولية بفضل تكنولوجيا المعلومات، من الممكن أن نجادل بأن المكاسب التي يمكن الحصول عليها من خلال تحرير تجارة الخدمات تزداد بمرور الوقت، على خلاف التقديرات المنخفضة للمكاسب المتوقعة من خلال تحرير تجارة البضائع.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثالث إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي



