عصير الكتب

الجزء الأول من تلخيص كتاب “ العالم في إصدارة الثالث” تأليف:بانكاج غماوات

منظور جديد لعالم أكثر رخاءً في إطار العولمة

تكامل الأنظمة الاقتصادية
منذ الأزمة المالية العالمية التي بدأت عام 2008 ، أعاد كثير منا النظر في أفكاره حول قوة الأسواق العالمية ومدى فاعلية العولمة. وما لبث أن طرأ في أذهاننا سؤالان اثنان: كيف تتكامل الأسواق؟ وما هي الضوابط التي تحتاجها لخلق هذا التكامل؟
يدمج كثير من الناس الخيارين السابقين ليصبحا خيارًا واحدًا: فهم إما يفضلون العولمة وانعدام الضوابط أو يعارضون كلاً منهما. غير أن الأمور يجب ألا تسير على هذا المنوال. فالإصدار الثالث للعالم يتسع لوجود الضوابط والتكامل الدولي معًا، كما أنه يتيح لكل منهما أن يكمل الآخر. ولكن كيف يحدث ذلك؟
لقد شكلت الأزمة المالية العالمية وحيًا ساعد المؤلفين على كتابة ما يربو عن ألف كتاب، ناهيك عن آلاف المقالات والمدونات
والتعليقات والتعقيبات. كان بعض منها مجرد تنفيس عن الغضب – مجرد صرخات أولية على الورق. وكانت هناك كتابات أخرى تحدثت عن الفخ الذي وجدنا أنفسنا عالقين فيه أو حللت كيف (كدنا) ندفن أنفسنا أحياءً. قليل من تلك الكتابات ركز على تقديم الحلول، فالعديد منها إما استمر في مناقشة اتجاهات محددة سبقت وقوع الأزمة أو اعتمد على التخطيط لتحقيق أغراض محددة أو اتسم بقصر النظر. وبالتالي، المناقشات التي ركزت على موضوعات أشمل، حول إعادة اكتشاف أسباب فشل الأسواق وآثار
هذا الفشل على تكاملها دوليًا، نادرة ومعظمها يمكن الربط بينه وبين ثلاث نظرات كونية للعالم في إصداره التجريبي وإصداريه الأول والثاني.
التصادم بين وجهات النظر الكونية
يجب ألا نكتفي بالقول بأن: ”هناك أوقات صعبة“، فهذه العبارة تصلح أكثر الروايات. أما التحديات التي نواجهها، فحقيقة، إذ إن الأوضاع المالية مضطربة. ورغم انحسار المخاوف إزاء نشوب أزمة مصرفية، فإن هناك مخاوف متزايدة إزاء نشوب أزمة أموال عامة. وحتى إن لم نواجه المزيد من الانتكاسات المالية، فإن الآفاق الاقتصادية بشكل عام تبدو أكثر سوءًا مما كانت منذ بضعة أعوام،
كما أن النظام العالمي يبدو غامضًا: فالرخاء والقوة يذهبان إلى أماكن جديدة وأناس آخرين، والمذاهب والانقسامات السياسية
القديمة قد اختفت من على الخريطة، كما أننا نشهد تغيرات على الصعيدين التكنولوجي والإعلامي، بل ويبدو أن هناك تغيرات على صعيد البيئة نفسها.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، لأن المشكلة ليست في وضعنا الحالي فحسب، إنما في رد فعلنا تجاهه. فهناك من تمسك بفكرة إعادة تلاوة تعويذة الأسواق الحرة رغم أنها تبدو غير مناسبة بإصرارها على أن الأسواق ساحرة وأن تدخل الحكومة فيما يخصها خطأ لا محالة. أما البعض الآخر فقد مال إلى الفكرة المناقضة، مؤكدين أن الأسواق طالحة والحكومات صالحة. وهناك من يصبون
اللعنات على الطرفين ويؤمنون بفكرة المنفعة المتبادلة،بل والفوضى! والمشكلة في جميع تلك ”العلاجات“ أنها تعيش في الماضي وتنظر إلى العالم بمنظور قديم. وهنا يحضرني ”يوجي بيرا“ حين قال: ”ها نحن نربط بين أحداث الماضي والحاضر من جديد“. لا أستشهد بهذه المقولة بهدف المزاح: فنحن نخاطر بالارتداد إلى وجهات نظر غير مجدية، بل وخطيرة. وفي أسوأ الأحوال، قد تؤدي تلك الآراء إلى كارثة إغلاق الحدود الفاصلة بين الدول وإفقار العالم بدلاً من رخائه!
تدعونا التحديات التي نواجهها اليوم إلى تبني نظرة جديدة نحو العالم، من خلال استكشافه في إصداره الثالث، بما يمثله من تداعيات واضحة على صعيد الحكومات والشركات والأفراد. وفي الواقع، تتطلب وجهة النظر الجديدة تعامل الحكومات مع تكامل الأسواق والضوابط السوقية على أنهما بعدان لخيار واحد يجب التنسيق بينهما لا شيئين منفصلين أو خيارين.
ولكن قبل أن نتحدث عن العالم في إصداره الثالث بالتفصيل، يجب أن نبحث أولاً عن الأسباب التي جعلتنا نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم ونعيد النظر إلى العالم بإصداراته الثلاثة السابقة.
الإصدار التجريبي (الوضع البدائي )
نعرف كلنا أن الإنسان الحديث ظهر منذ ألفي عام تقريبًا وعاش في جماعات بدائية رحالة أو في قبائل إلى أن قامت ثورة العصر الحجري الحديث منذ فترة تتراوح بين خمسة آلاف وأحد عشر ألف عامًا مضت. وخلال تلك الفترة، اتخذ الإنسان بالتدريج أماكن إقامة ثابتة وعمل في الزراعة وتبنى المزيد من الترتيبات الاجتماعية المعقدة.
من الصعب تخيل أفكار البشر في تلك الفترات السحيقة، وبالتالي من الصعب نسب نظرة كونية إليهم لأنهم لم يدركوا الكثير بخلاف البيئة المحيطة بهم. ولكن، في حدود إدراكنا، من الممكن القول بأن أسلافنا ورَّثونا بالفعل عقلية محددة.. عقلية ترجع جذورها إلى الخبرة الإنسانية الطويلة التي ترتبط بالتجمع في جماعات صغيرة تحسبًا لأوضاع عدوانية.
في تلك الفترة، عاش الناس على الكفاف واستمروا على هذا النحو لآلاف الأعوام. ونتيجةً لذلك، كان التفاوت في المستوى الاقتصادي محدودًا للغاية وكذلك كان النمو، حيث إن التركيز في تلك الفترة انصب على الغذاء، وانقسمت فئات الوظائف الرئيسة إلى البحث عن الطعام والصيد والزراعة البدائية.
كان الأمان بدوره عنصرًا محوريًا. فقد تراوحت احتمالات أن يقتل أحد الصيادين الآخر في تلك الحقبة بين ٪15 و 60 ٪. وحين كان يقع حادث قتل أو سرقة، لم يلجأ أسلافنا إلى الاتصال بالشرطة وانتظار محاكمة الجاني في المحكمة، فحينها لم تكن هناك محاكم. لذا، كانوا يعتمدون على أنفسهم في التعامل مع الأمر ويلتمسون مساعدة أي شخص يثقون به.
العالم في إصدارة الأول
حين نثب متخطين آلاف السنين، سنجد أن البشر، أو معظمهم على الأقل، خرجوا من دائرة العنف والركود الاقتصادي التي اتسم بها العالم البدائي. وقد تزايد تعدادهم مائة مرة وتزايد المعدل الحقيقي لإجمالي الناتج العالمي أكثر من ألف مرة. ولكن حتى ذلك الوقت، كان التغيير الأكبر من نصيب المؤسسة الاجتماعية: فقد اندمج العالم في أقل من مائتي كيان سياسي مستقل، الأمر الذي تضمن زيادة في متوسط حجم تلك الكيانات بلغت مئات الآلاف من المرات. كانت تلك الزيادة في حجم البشر. ففي تلك المرحلة، خلفت جماعات العالم في إصداره التجريبي، التي بلغ عددها المئات بقبائلها الكبرى ورؤساء قبائلها، دولًا قومية يسكنها ملايين البشر تتمتع بسيادة على حدودها وعدة شاملة لحمايتها تشمل الجيوش وقوات الشرطة والحكومات البيروقراطية.
في إطار هذا الإصدار، ظهرت بشكل أكبر مسألة التبادل مع الغير وغيرها من أشكال الاعتماد على الآخرين. ومن منظور إنساني، محا هذا الإصدار بعض الانتماءات القبلية التي ظهرت في الإصدار التجريبي واستبدل بها الولاء الأكبر للدول القومية في الماضي والحاضر والمستقبل.
أصبحت المواطنة في بلاد بعينها وما زالت إلى حد كبير شرطًا أساسيًا لاكتساب معظم الناس هوية. ألا تمتلئ قلوبنا بالفخر حين نستمع إلى نشيدنا القومي في أثناء احتفالات الفوز بالميداليات الأوليمبية؟ وحتى لو اختلفنا مع سياسات حكوماتنا الخارجية، فإننا جميعًا ندعم قوات بلادنا في الحروب. علينا أيضًا أن نعترف بأننا من الأسهل علينا أن نتخذ موقفًا سلبيًا إزاء البؤس الذي ترزح تحت أثره بلدان أخرى عن تقبل أن تعاني بلادنا من نفس الوضع. وقد أصبحت كلمة ”نحن“ الآن، لأسباب متعددة، تشير إلى أبناء الدولة الواحدة على عكس كلمة ”هم“ التي تشير إلى أي شخص آخر. لذلك فالقومية هي نتاج للإصدار الأول.
الإصدار الثاني
بحلول منتصف القرن التاسع عشر، استطاع كل من ”كارل ماركس“ و”فريدرك إنجلز“ إثبات أن ”الحاجة إلى سوق يتوسع بشكل مطرد ليستوعب المنتجات التجارية تطارد البرجوازيين في شتى بقاع الأرض. ولا بد لها من الانتشار وتأسيس روابط في كل مكان.“ وعليه، فقد تزايدت النسبة التي تمثلها الصادرات من إجمالي الناتج القومي في إطار الاقتصاد العالمي من 1٪ عام 1820
إلى أكثر من 20 ٪ اليوم. هذا الاندماج الإمبريالي استمر في تحقيق تكامل أكبر بين الدول خلال القرن التاسع عشر. غير أن إجمالي الناتج القومي في الفترة التي تخللت الحربين العالميتين لم يشهد زيادة، بل تعرض لانتكاسة. ولم تدر أية مناقشات واسعة النطاق حول العولمة وطبيعة التحديات التي تشكلها على الدول القومية إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
يثير الإصدار الثاني قلق مناهضي العولمة بشكل كبير، ولكنه يثلج صدور مؤيديها بغض النظر عن ميولهم السياسية الأخرى. فبشكل عام، يعمل ”توماس فريدمانز“ صحافيًا وميوله السياسية شمالية وسطية، أما الاقتصادي الراحل ”ميلتون فريدمان“ الحاصل على جائزة نوبل من ”جامعة شيكاغو“ فيميني وسطي. وقد كتب الرجلان عن العولمة لسببين مختلفين: فالأول كان مؤمنًا بقوى العولمة التي لا يمكن مقاومتها، أما الأخير فلم يتخيل أن الحكومة باستطاعتها القيام بأي شيء مفيد فيما عدا وضع ضوابط على الإمدادات المالية وحماية الممتلكات الخاصة. ولكن كليهما اتفق على أن الأسواق المتكاملة التي لا تخضع لضوابط ستكون عنوانًا للإصدار الذي يتلو الإصدار الأول.
والأغرب من ذلك أن هناك اتفاقًا حول قدرة الإصدار الثاني على رأب الصدع بين مؤيدي العولمة من جهة (ومن بينهم ”فريدمانز“ و”فريدمان“) ومناهضيها من جهة أخرى (ومن بينهم الناشطة الاجتماعية ”ناومي كلين“).
فقد مال كلا الطرفين على حد سواء إلى الاتفاق على أن البشرية قد أسست بالفعل عالمًا متكاملاً بدرجة كبيرة، إن لم يكن متكاملاً تمامًا.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى