نساء رائدات

نقلاً عن موقع كيش بريس .. د. غيثة عاتيق تكتب : حول بدائل الإدمان على الألعاب الإلكترونية وعلاج تأثيراته السلبية على الناشئة

د. غيثة عاتيق تكتب : حول بدائل الإدمان على الألعاب الإلكترونية وعلاج تأثيراته السلبية على الناشئة

لا أحد ينكر، ونحن في القرن الواحد والعشرين، أن التكنولوجيا غزت العالم، واستحوذت على عقول فئات مختلفة من المجتمع. ولا أحد ينكر أن التكنولوجيا من خلال الوسائط الإلكترونية المتعددة، باتت تفرض نفسها على جميع الأعمار إلى درجة نعت من لا يستعمل  هذه الوسائط بالمغترب عن محيطه ونعت من لا يعرف استعمالها بالأميّ. وإذا كانت هذه حقيقة لا مفر لنا من التسليم بها، فإن الواقع يثبت أن للتكنولوجيا أضرارا جسيمة كما لها فوائد جمّة خاصة على الفئة العمرية الصغيرة، التي لا زالت في طور التنشئة والتي لم تكتسب بعد الخبرات الكافية التي تؤهلها لاستعمال الأجهزة الإلكترونية بالشكل السليم في غياب أي توجيه من أولياء الأمور.

  إن الظروف الصحية التي يعيشها العالم اليوم بسبب انتشار وباء كورونا، والتي عجلت بفرض الحجر الصحي واتخاذ الاحتياطات الوقائية اللازمة لضمان سلامة المواطنين، ساعدت على انتشار اللوحات الإلكترونية والهواتف النقالة والحواسيب في جل البيوت لحاجة الأسر إليها باعتبارها وسيلة بديلة لمواكبة التعليم عن بعد وتحقيق التواصل بين الأبناء المتعلمين ومدرسيهم. وهنا تكمن الخطورة لأن تلك الأجهزة لها وظائف متعددة ولا تقتصر وظيفتها على مجال التعليم فحسب ولكنها قد تنفتح على مجالات أخرى يحددها مستعملها بحسب وعيه وبحسب حاجته إليها.

وإذا ركزنا على فئة الأطفال، فيتضح لنا أن هذه الفئة تنخرط بدرجة كبيرة في عالم الألعاب الإلكترونية، وتندمج فيه إلى درجة الإدمان لأسباب مختلفة، قد يعود بعضها إلى نمط شخصية الطفل منذ الصغر وقد يعود بعضها الآخر إلى طبيعة تنشئته الاجتماعية حيث تلعب الأسرة دورا رئيسا في كل ذلك. هنا يتبين لنا على سبيل المثال لا الحصر أن الطفل ذا النمط الانطوائي، تستهويه الألعاب الإلكترونية بعلاقاتها الافتراضية لأنه لا يستطيع تكوين علاقات مباشرة مع أقرانه؛ والأمر نفسه ينطبق على الطفل ذي الشخصية الهستيرية الذي يعجز عن أن يكون في قلب اهتمام أسرته فيعوض ذلك من خلال شخصية القائد التي توفرها له هذه الألعاب، ولا يختلف عنه الطفل ذو الشخصية السيكوباتية في شيء فهو أيضا يجد في هذه الألعاب وسيلة لتفريغ عدوانه على الشخصيات الافتراضية، كما يجد فيها الطفل القلق أيضا وسيلة لتفريغ توتره..

إن التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الطفل بداية في محيط الأسرة في سنوات طفولته المبكرة تلعب دورا كبيرا في تحديد شخصيته التي تتجه نحو السواء أو اللاسواء تبعا لطبيعة هذه التنشئة. ففي المرحلة الفمية التي تستغرق السنتين الأوليين من العمر يحتاج الطفل إلى الرعاية الكاملة من طرف الأم إذ تضمن إحساسه بالثقة والأمان، وإلا فإنه في حالة وجود ملهيات عن هذه الرعاية لأي سبب كان، فإنه لا ينمو نفسيا بشكل طبيعي؛ بل وقد تظهر عليه لاحقا أعراض طيف التوحد وبعض السلوكيات المضطربة كالعصبية والعدوان والتنمر، كما تظهر عليه بعض المشاكل الصحية كضعف البصر وألام الظهر المبكرة وشد العضلات وغيرها نتيجة قلة الحركة التي تعتبر من الأساسيات التي يدرب الطفل على ممارستها؛ ولعله لهذا السبب تدعو منظمة الصحة العالمية إلى منع استعمال الطفل لأي جهاز إلكتروني يتوفر على الشاشة منعا كليا قبل السنتين، وقد يستعمل في غيرهما بحذر وتقنين لضمان سلامة نمو الطفل جسميا وعقليا وانفعاليا واجتماعيا، ومن تم ضمان توافقه النفسي في مراحل متقدمة من عمره، واندماجه بشكل إيجابي في المجتمع الصغير الذي توفره له المدرسة في سن الطفولة المتأخرة، ثم اندماجه في المجتمع الكبير بعد ذلك بنفس الإيجابية.

ويجدر بنا أن نتطرق إلى سبل الوقاية من التأثيرات السلبية للألعاب الإلكترونية على الأطفال قبل أن نتحدث عن البدائل أو سبل العلاج، فكما يقال الوقاية خير من العلاج. ولنا أن نتساءل كيف يمكن لأب مدمن على الألعاب الإلكترونية أو لأم منشغلة دوما بالهاتف النقال من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أن يقودا طفليهما إلى مسار صحيح في الحياة؟ ففاقد الشيء لا يعطيه، لذلك يستحسن أن يقدم المحيط الأسري للطفل نموذجا حسنا للاقتداء، من خلال التربية على القيم ووضع نظام حازم للبيت يستجيب له جميع أفراد الأسرة دون استثناءات غير مقنعة.

وبالنظر إلى بدائل الإدمان على الألعاب الإلكترونية وعلاج تأثيراته السلبية، فإننا نرى بأن الآباء يصيرون ملزمين بالبحث في حاجات الطفل النفسية للتأكد من مدى إشباعها بما فيه الكفاية. فالطفل كما هو شأن أي إنسان حي، يحتاج من منطلق نظرية الاختيار والعلاج الواقعي لصاحبها ويليام جلاسر، إلى الحب والانتماء والتعلم والمرح والقوة والحرية والبقاء، ومتى استطاعت الأسرة أن توفر له هذه الاحتياجات بشكل فعال، فإنها تمنحه في هذه الحالة حياة آمنة خالية من أي اضطراب سلوكي. ويصح للآباء بعد ذلك أن يفتحوا حوارا تواصليا مع أطفالهم لمساعدتهم على الاستبصار بإدراك إيجابيات تلك الألعاب وسلبياتها بأنفسهم دون فرض تحكمهم الخارجي بمنعها كليا لأن ذلك لن يجدي نفعا. وقد يساعد الأسرة على تحقيق هذا المطلب برمجة أنشطة داعمة لملء أي فراغ في حياة الطفل، بدمجه في أنشطة رياضية أو اجتماعية أو ما شابه..

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية

أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية

برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”

www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى