عصير الكتب

الجزء الثاني من تلخيص كتاب"التفكير بسرعة والتفكير ببطء"تأليف: دانيل كانمان


حين تستمع إلى كلمتي ”موز“ و”غثيان“، يفترض عقلكبصورة آلية وجود علاقة تتابع زمني وعلاقة سببية بينهاتين الكلمتين، مما يجعلك تصوغ سيناريو مبدئيًا فكرتهأن الموز يسبب الغثيان. ونتيجة لذلك، ستشعر بنفورمؤقت من الموز (ولكنه شعور عابر لا يستدعي القلق).تغيرت حالة ذاكرتك بطرق أخرى؛ فلديك الاستعداد الآنللتعرف على أشياء ومفاهيم مرتبطة ب”الغثيان“، كالرائحةالكريهة والاشمئزاز، والاستجابة إليها، كما أن لديكالاستعداد لربط بعض الكلمات والعبارات ب”الموز“ كاللون
الأصفر والفاكهة أو ربما التفاح والكريز. فضلاً عن ذلك،سيلاحظ نمطك الأول أن وضع الكلمتين متجاورتين غيرمألوف، فمن المحتمل أنك لم تصادفهما بهذا الشكل منقبل، وبالتالي فقد تلقيت مفاجأةً بسيطةً.
حدثت هذه المجموعة المعقدة من ردود الأفعال بسرعةوتلقائية ودون مجهود. لم تخطط لها ولم تستطع إيقافها،فقد كانت إحدى عمليات النمط الأول. ووقعت تلك الأحداثلأنك رأيت أن الكلمتين تصادفتا من خلال عملية يطلقعليها اسم تنشيط تداعي المعاني، بمعنى أن الأفكار التيتطرأ على ذهنك تستحث ظهور أفكار أخرى عديدة عبرشلال منتشر ومتدفق من الأنشطة العقلية. والسمة الرئيسةلتلك المجموعة المعقدة من أحداث العقل هي الترابطالمنطقي بينها. فكل عنصر فيها متصل بغيره من العناصروكل منهم يعزز ويدعم الآخر. تستثير الكلمة الذكرياتالتي تحفز الانفعالات والتي تحفز بدورها تعبيرات الوجه وغيرها من ردود الأفعال كالتوتر العام والميل إلى تجنبالأمر. وتعزز ردود الأفعال السابقة المشاعر المرتبطةبها، كما أن المشاعر تعزز الأفكار المتوافقة معها. يحدثكل ذلك بسرعة وفي الوقت نفسه، فينتج عنه نمط من ردودالأفعال المعرفية والعاطفية والجسدية، ويعزز نفسه بنفسهويتسم بالتكامل والتنوع. يطلق على هذا النمط اسم نمط الترابط والتماسك.
لقد استطعت في ثانية واحدة تقريبًا إنجاز عمل تلقائيولاواع مميز، فبدءًا من حدث لم يكن متوقعًا على الإطلاق،
استطاع نمطك الأول فهم الموقف قدر الإمكان، فقد كانتلديه كلمتان بسيطتان متجاورتان بشكل غير مألوف منخلال قصة ربطت بينهما سببيًا، فقيم من خلالها الخطرالمحتمل (سواء أكان بسيطًا أم محدود المدى)، وأنشأ إطارًا للتطورات المستقبلية من خلال استعدادك لأحداث أصبحتللتو أكثر احتمالاً، وقد أنشأ هذا النمط أيضًا إطارًا للحدثالجاري من خلال تقييم عنصر المفاجأة فيه. وقد انتهىبك المطاف بمعلومات حول الماضي واستعداد للمستقبل
بقدر الإمكان. ومن السمات غير المألوفة لما حدث أن نمطك الأول تعامل مع مجرد الربط بين الكلمتين على أنهأمر واقع. وقد استجاب جسمك من خلال نسخة مخففة مننفس رد فعلك في حالة تعرضك لهذا الموقف بالفعل، كما
أن استجابتك الانفعالية ونفورك الجسدي كانا جزءًا منتفسير الحدث، وقد أكد أحد الباحثين المعرفيين في السنواتالأخيرة أن المعرفة مجسدة، لأن الإنسان لا يفكر بعقلهفحسب، وإنما بجسده أيضًا.
قواعد ومفاجأت
الوظيفة الأساسية للنمط الأول هي الحفاظ على نموذجالعالم الخاص بك بمكوناته العادية وتحديثه. ينشأ هذاالنموذج من خلال وصلات تربط بين الأفكار الخاصةبالظروف والأحداث والأفعال والنتائج التي تحدث معًا بقدر من الانتظام سواء في الوقت نفسه أو خلال فترةزمنية قصيرة. وعندما تتشكل تلك الروابط وتقوى، يظهرنمط الأفكار المترابطة ليمثل هيكل الأحداث في حياتك،
ويحدد نظرتك إلى الحاضر، وتوقعاتك حول المستقبل.
يعتبر الاستعداد للمفاجآت عنصرًا رئيسًا من عناصرالحياة العقلية، والمفاجأة في حد ذاتها أكثر المؤشراتالحساسة التي تشير إلى مدى فهمنا لعالمنا وما نتوقعه منه.
وهناك نوعان رئيسيان مختلفان من المفاجآت، فبعضالتوقعات قائمة بالفعل وتدخل في نطاق الوعي، كانتظاركلحدث معين لأنك تعرف أنه سيحدث، وحين يقترب ميعادالحدث، قد تتوقع سماع طرق على الباب حين يعود ابنكمن المدرسة، وحين يُفتح الباب فإنك تتوقع سماع صوتمألوف بالنسبة إليك، مما يجعلك تُفاجأ إذا كان هناك حدثمتوقع بشدة ولكنه لم يحدث. في حين أن هناك مجموعةكبيرة من الأحداث التي لا تتوقعها؛ أي أنك لا تنتظرها،ولكنك لا تُفاجأ حين تحدث. تلك هي الأحداث التي تعتبر
طبيعية في المواقف التي تظهر فيها، رغم أنها ليستمرجحة بصورة كافية كي تتوقعها في نطاق الوعي.
كيف نصدر الأحكام؟
لا حدود لعدد الأسئلة التي يمكنك الإجابة عنها، سواءأكانت تلك الأسئلة موجهة إليك من طرف آخر أم توجهها
أنت إلى نفسك. ولا يوجد حد أيضًا لعدد الصفات التييمكنك تقييمها، فباستطاعتك عد الحروف المدونة على هذه
الورقة، والمقارنة بين ارتفاع نافذة منزلك والنافذة التيتواجهها، وتقييم الآفاق السياسية لأحد الزعماء السياسيين
وتصنيفها تدريجيًا بدءًا بالواعدة ووصولاً إلى الكارثية.توجه تلك الأسئلة إلى النمط الثاني الذي يركز على
البحث عن الإجابات في الذاكرة. أما النمط الأول، فيعملبصورة مختلفة، فهو يراقب باستمرار ما يحدث داخلوخارج العقل، ويقيّم باستمرار مختلف جوانب الموقفدون تركيز على جانب محدد وبمجهود بسيط أو دونجهد يُذكر. وتلعب تلك التقييمات الأساسية دورًا مهمًا فيإصدار الأحكام البديهية لأنه من السهل استبدالها بأسئلةأكثر صعوبة. تلك هي الفكرة الأساسية لمنهج الاستدلال
والتحيز. وهناك سمتان أخريان للنمط الأول أيضًا تدعماناستبدال حكم بآخر. واحدة من هاتين السمتين هي القدرة
على ترجمة القيم من خلال أبعاد، وهذا هو ما تفعله حينتجيب عن السؤال التالي الذي يعتقد معظم الناس أنه سهل:
”هل يوازي طول سامي ذكاءه، وكم سوف يصبح طوله؟“
وأخيرًا، هناك أسلوب عقلي استهدافي. وهو يشير إلى أنرغبة النمط الثاني في الإجابة عن سؤال محدد أو تقييمسمة محددة من سمات الموقف تؤدي تلقائيًا إلى عمليات حسابية أخرى من ضمنها التقييمات الأساسية.
الأحكام السببية والإحصائية
أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت على مقاطعات”الولايات المتحدة“ البالغ عددها 3141 للتحقق من حجمانتشار مرض سرطان الكلى نمطًا لافتًا للنظر، فأكثرالمقاطعات انخفاضًا في حالات الإصابة ريفية، وتعدادهاالسكاني منخفض، وتقع في الولايات التي يحكمها الحزبالجمهوري في الغرب الأوسط والجنوب والشرق. فماالذي نفهمه من كل ذلك؟
كان عقلك نشيطًا للغاية خلال الثواني القليلة الماضية.وتلك العملية تابعة في الأساس للنمط الثاني، فقد عمدت
إلى البحث في ذاكراتك وكونت إحدى الفرضيات، وقدتضمن الأمر قدرًا من المجهود والتركيز قابلاً للقياس،ولكن النمط الأول لم يكن عاطلاً في تلك الأثناء، إذتعتمد عملية النمط الثاني على الحقائق والاقتراحات التياسترجعت من الذاكرة الارتباطية. ومن المرجح أنكرفضت فكرة أن سياسات الحزب الجمهوري توفر الحمايةمن مرض سرطان الكلى. ومن المحتمل أنه انتهى بكالمطاف مركزًا على حقيقة أن المقاطعات التي تنخفضفيها نسبة الإصابة بهذا المرض معظمها ريفية. ومنالسهل والمغري استنتاج أن انخفاض معدلات إصابة سكانالمقاطعات الريفية بالسرطان سببها المباشر الحياة النظيفةالتي يتميز بها الريف، حيث إنه لا يعاني من تلوث الهواءأو الماء ويتناول أهله الطعام دون إضافة مواد حافظة له،ولعل هذا الاستنتاج منطقي للغاية.والآن، فلننتقل إلى المقاطعات التي ترتفع فيها نسبالإصابة، فمعظمها ريفي، وعدد سكانها منخفض، كماأنها تقع في الولايات التي يحكمها الحزب الجمهوري فيالغرب الأوسط والجنوب والغرب. تلك هي المفارقة!
فمن السهل استنتاج أن ارتفاع معدلات إصابة سكانتلك المقاطعات بالسرطان قد يكون سببه المباشر حياةالأرياف الفقيرة، حيث تغيب الرعاية الصحية السليمةمع اعتماد السكان على الأغذية الدسمة وازدياد معدلاتالمدخنين بينهم. هناك سبب ما لارتفاع أو انخفاضنسب الإصابة بالمرض طبعًا، ولكن نمط الحياة الريفيةليس مسؤولاً عن ارتفاع أو انخفاض تلك النسب.العامل الرئيس هنا ليس أن تلك المقاطعات ريفية أوجمهورية، بل إن المقاطعات الريفية تعدادها السكانيمنخفض. والدرس المفيد هنا لا علاقة له بعلم الأمراض،بل إنه يرتبط بالعلاقة الصعبة بين عقولنا والإحصاءات.يتسم نمط التفكير الأول بأنه شديد المهارة في شكل واحد
من أشكال التفكير، فهو يربط سببيًا بين الأحداث بتلقائيةودون أدنى مجهود، حتى إذا كانت لا توجد صلة حقيقية
بينها في بعض الأحيان، فعندما استمعت إلى خبر تلكالمقاطعات التي ترتفع فيها نسب الإصابة، افترضت على
الفور أنها تختلف عن غيرها لسبب ما، وأنه لا بد منوجود سبب يبرر هذا الاختلاف. لذلك، فنمط التفكير
الأول لا يجيد التعامل مع الحقائق ”الإحصائية البحتة“ التيتغير احتمالات النتائج ولكنها لا تتسبب في حدوثها.
تختلف مشكلة الإصابة بسرطان الكلى من مقاطعة إلىأخرى اختلافًا منهجيًا، فالتفسيرات الإحصائية المطروحةعبارة عن نتائج مبالغ فيها (فيما يتعلق بارتفاع وانخفاضنسب الإصابة) وتزداد نسبة ظهورها في العينات الصغيرة
عن العينات الكبيرة، وهذا التفسير ليس سببيًا، فانخفاضعدد سكان مقاطعة ما لا يتسبب في الإصابة بمرضالسرطان ولا يحول دونها، بل أنه يتسبَّب فقط في إظهارنسب الإصابة على أنها مرتفعة للغاية أو منخفضة للغايةعن النسب الموجودة في المقاطعات ذات التعداداتالسكانية الأكبر. والحقيقة الخفية هي أنه لا يوجد تفسيرلتفاوت تلك النسب، فمعدلات الإصابة لا ترتفع أو تنخفض
عن الحد الطبيعي في المقاطعات ذات التعداد السكانيالمنخفض، ولكنها تبدو كذلك فحسب في عام محدد بسببالخطأ في مسح العينات. لذلك، فإذا أُعيد التحليل في العامالذي يليه، فسنلاحظ نفس النمط العام من النتائج المبالغفيها في العينات الصغيرة، إلا أن المقاطعات التي ارتفعتفيها نسب الإصابة في العام الماضي لن يظهر فيها ارتفاعفي نسب الإصابة بالضرورة هذا العام. وفي تلك الحالة،لن يُنظر إلى الاختلافات في نسب الإصابة التي ظهرتبين المقاطعات ذات التعداد السكاني المرتفع والمقاطعاتذات التعداد المنخفض على أنها حقيقية، لأنها تعتبر وفقًا493 – ( السنة العشرون – العدد التاسع عشر – (أكتوبر 2012
من الوظائف الأساسية للنمط الثاني مراقبة الأفكار والأفعال التي ”يقترحها“ النمط الأول والتحكم فيها، مما يسمح لبعضها
بالظهور بصورة مباشرة من خلال السلوك ويقمع بعضها أو يعمل على تعديلها. على سبيل المثال: استمع إلى اللغز التالي
دون أن تحاول حله، بل استمع إلى بديهتك:
تبلغ تكلفة المضرب الرياضي والكرة 1,10 دولار.
ويزيد سعر المضرب عن الكرة بمقدار دولار.
فكم يبلغ سعر الكرة؟
بعد أن استمعت إلى اللغز، ستجد أن الرقم 10 قد طرأ على ذهنك، أي أن تكلفة الكرة 10 سنتات، فالسمة المميزة لهذااللغز السهل هي أن إجابته بديهية وجذابة ولكنها خاطئة. ولاكتشاف الخطأ، عليك بإجراء عملية حسابية لاحتساب الفرق.
فإذا كانت تكلفة الكرة 10 سنتات، فستبلغ التكلفة الكلية 1,20 دولار ( 10 سنتات للكرة و 1,10 للمضرب)؛ أي أن التكلفةالكلية لن تصبح 1,10 دولار. لذلك، فالإجابة الصحيحة هي أن تكلفة الكرة 5 سنتات. من المفترض أن الإجابة البديهية قدطرأت أيضًا على ذهن هؤلاء الذين نجحوا في التوصل إلى الإجابة الصحيحة في النهاية، وقد توصلوا إليها حين استطاعوابطريقة ما مقاومة بديهتهم.
والآن، حان وقت الإجابة عن هذا السؤال: إلى أي مدى يراقب النمط الثاني اقتراحات النمط الأول؟ من المعلوم أن هؤلاءالذين أجابوا بأن تكلفة الكرة 10 سنتات لم يتحققوا من صحة إجاباتهم، وبالتالي اعتمد النمط الثاني الإجابة البديهية التي كانليرفضها إذا بذل صاحب الحل مجهودًا بسيطًا. ومن المعلوم أيضًا أن هؤلاء الذين أجابوا اعتمادًا على بديهتهم لم يدركواإشارة اجتماعية واضحة؛ فقد كان يجب عليهم أن يتساءلوا لِمَ قد يرغب أي شخص في وضع سؤال بمثل تلك السذاجة داخلاستقصاء. تقصيرهم في التحقق من الإجابة ملحوظ لأن تكلفة التحقق بسيطة للغاية، فثوانٍ معدودة من التفكير كان منشأنها أن تجنبهم مثل هذا الخطأ المحرج، لكن قد تبدو مسألة التفكير صعبة نسبيًا مع توتر العضلات والتركيز الشديد في،« ابذل مجهودًا أقل » أثناء الإجابة. ويبدو أن هؤلاء الذين قالوا إن تكلفة الكرة 10 سنتات من الأتباع المتعصبين لقانونأما هؤلاء الذين تجنبوا تلك الإجابة، فلديهم عقول أكثر نشاطًا.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثالث  إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى