الجزء الأول من تلخيص كتاب “فن استثمار القيم” تأليف :هاري كريمر

“فن استثمار القيم”
القيادة القائمة على القيم أو “القيادة القيادة القيمية”
إن القيادة بمعناها التقليدي ما هي إلا القدرة على التأثير في نفوس الآخرين. أما القيادة القائمة على القيم والتي يمكن أن نطلق عليها القيادة القِيمية فهي التي تنتقل بنا إلى ما هو أبعد من ذلك، فالقادة الذين يتخذون من القيم منهجًا لهم يُلهمون ويُحفزون متخذين من قدرتهم التأثيرية دافعًا لإنجاز المهام وتحقيق الإنجازات وذلك من خلال أقوالهم، وأفعالهم، وتمثيل القدوات. إن الهدف الحقيقي من القيادة القيمية هو التقدم بخطى ثابتة نحو الأهداف الصائبة من خلال اتخاذ القرارات وانتقاء الخيارات التي تتوافق مع قيمك الداخلية. لذلك نجد هؤلاء القادة في وقت الأزمات لا يتخبطون بين هذا وذاك لأن قدرتهم على التركيز على
الخطوات والأهداف الصائبة يجعل الخيارات أكثر وضوحًا وأسهل تنفيذًا. بالطبع يتطلب ذلك ما هو أكثر من مجرد استيعاب سطحي للموقف أو لأعضاء الفريق، وإنما إدراك تام لشخصك وللقيم التي تعبر عنها.
المبادئ الأربعة القيمية للقيادة القيمية
إن الطريق إلى القيادة القيمية ينحصر ما بين نقطتين كلتاهما قائمة على المبادئ الأربعة الرئيسية للقيادة القيمية. تلك المبادئ هي التأمل الذاتي، والتوازن، والثقة بالنفس، وأخيرًا التواضع. تتداخل وتتشابك هذه المبادئ بحيث يُفيد ويُضيف كل منها إلى الآخر وتشكل معًا أساسًا قويًا وأرضًا صلبة للقيادة القيمية.
المبدأ الأول : التأمل الذاتي
يتمتع التأمل الذاتي بأهمية خاصة لأنه بمثابة المرآة التي تعكس قيمك الجوهرية وأحلامك بالغة الأهمية، فمن خلاله تستطيع أن ترى الأمور بشكل أوضح ومن ثم تتخلص من المشتتات والمعوقات. وكلما اتضحت رؤيتك تتعلم الشكل والوقت الأمثل لاستثمار وقتك، ومجهوداتك، ومواطن قوتك. كما أنه يزيل الغبار عن الكثير من الأشياء سواء الشخصية أو العملية، ذلك أنه يمنحك الوقت الكافي لدراستها وتأمل كل جوانبها. فكلما ازداد تأملك لذاتك، تيسر انتقاءك للخيارات التي تسير جنبًا إلى جنب مع قيمك الجوهرية موقنًا تمام اليقين من التأثير الذي ستتركه قراراتك على حياتك.
يوفر لك التأمل الذاتي الوقت الكافي لمراجعة قراراتك ودراسة خياراتك، ومن ثم تقل نسب تعرضك للصدمات المفاجئة. حتى وإن اعترضت طريقك بعض العقبات، تُحيلها عصا التأمل السحرية إلى خبرات ومكاسب مستقبلية.
ترتيب الأولويات
إن إحدى أهم مزايا التأمل الذاتي هي القدرة على ترتيب الأمور كلٌّ وفقًا لأولويته. وعادة ما يُفاجأ الأفراد والجماعات حين يهمون بترتيب الأولويات بعشرات الأشياء التي تصلح أن تحتل عرش القائمة. ولكن لسوء الحظ لا يمكن أن تسير الأمور على هذا المنوال، فرأس قائمة الأولويات لا يحتمل أكثر من أولوية واحدة، ثم يأتي بعد ذلك المركز الثاني ثم الثالث وهكذا. أي أنه إن كان هناك أولوية أولى فيجب أن تهبط الأولويات الأخرى لتشغل باقي المناصب الفارغة واحدة تلو الأخرى إلى أن تنتهي جميعها. بالطبع هذا ليس بالأمر اليسير، ولكن في نفس الوقت لا مفر منه وإلا تكون قد خدعت نفسك وأرهقتها في محاولات بائسة لتحقيق الخمسين أولوية ”الأولى“ والثلاثين أولوية ”الثانية“ والأولويات العشر ”الثالثة“ بدلاً من توجيه وقتك ومجهوداتك ومواردك صوب الأهم فالمهم.
لا محال من السؤال !
لا بد أن نعلم أنه ليس ثمة طريقة مثلى أو أسوأ للتأمل الذاتي. فالأمر برمته يكمن في اختيار الوقت الذي تختلي فيه إلى ذاتك لتتأمل ما حولك وتركز على الأشياء الأكثر أهمية. هذا الوقت في حالة ”آدم“ – على سبيل المثال – هو نهاية كل يوم بعد أن ينتهي من كل الأمور المهنية والعائلية، فقد أجرى المكالمات الهاتفية الهامة، وانتهى من رسائل البريد الإلكتروني، وأنهى تمريناته الرياضية، وها قد خلد أطفاله إلى مضاجعهم. تلك هي لحظات الصمت والهدوء التي يتأمل فيها مفردات ومحتويات يومه الذي شارف على الانتهاء، والبصمات المؤثرة التي تركها في حياة الآخرين، وتلك التي تركوها هم بحياته. كما يوجه إلى نفسه هذه الأسئلة الشخصية: ما الذي كان من المفترض عليّ إنجازه اليوم وما الذي أنجزته فعليًا؟ ما السبب وراء التباين بين ما فعلته وما كان يفترض فعله؟ ما الأمور التي أديتها على أكمل وجه وتلك التي أخفقت فيها؟ كيف تعاملت مع المحيطين بي؟ هل أنا راضٍ عما آلت إليه الأمور اليوم؟ إذا أُتيحت لي الفرصة لإعادة اليوم من جديد، كيف سيكون مساره؟ وأخيرًا، ما الذي تعلمته من خلال تجاربي لهذا اليوم والذي سيكون له أكبر الأثر على اليوم التالي، والأسبوع المقبل، وهلم جرا؟! واجه نفسك بالأسئلة الأكثر تعبيرًا عنك، فاستغراق الوقت الكافي لتأمل معطياتك وأولوياتك اليومية سواء المهنية أو الأُسرية أو الشخصية وغيرها، يعزز من التزامك وتمسكك بالخيارات والقرارات الملائمة لقيمك الجوهرية، وبمرور الوقت تتحول هذه العادة لتصبح حجر الأساس لقيادتك القِيمية.
المبدأ الثاني : التوازن ووجهات النظر المختلفة
يُقصد بالتوازن القدرة على رؤية الأمور، والمشكلات، والنزاعات من مختلف الزوايا ودراسة شتى وجهات النظر حتى وإن تعارضت مع آرائنا الشخصية. فالتوازن يخول لنا اتخاذ القرارات الحاسمة وإدراك عواقبها عوضًا عن التفكير ضيق الأفق.
إن الالتزام بالتوازن في كل مساعي الحياة يكسبك القوة والصلابة وأيضًا اتساع الأفق في خضم محاولاتك المستميتة للحصول على المدخلات وجمع الآراء وردود الأفعال وجني المعلومات بمساعدة فريق العمل قبل الشروع في اتخاذ أي القرارات، فلا بد أن تجعل التوازن جزءًا لا يتجزَّأ من عملية اتخاذ القرار وتدرك تمام الإدراك أنه مهما علا شأنك ومركزك داخل المؤسسة ومهما ازدادت سنوات خبرتك فمن المحال أن تُلم بكل الأمور، كما أن التوازن يؤهلك لتبادل الآراء والتفاعل مع فريق العمل بشكل أكثر حيوية وفعالية. لذا بدلاً من الخضوع للمواجهات الثنائية عديمة الفائدة يمكنك عقد المناظرات الجماعية بحيث تتلاقى وجهات النظر وتتلاشى الخلافات.
سواء كنت مديرًا يخضع لسلطته اثنان أو ثلاثة من المرؤوسين المباشرين أو كنت أحد المديرين التنفيذيين لكبرى شركات التداول العلني، ففي كلتا الحالتين يجعل منك التوازن شخصًا متزن العقل متسع الأفق ذا قدرة فائقة على التفاعل المثمر مع الآخرين. ومن ثم يتيقن الجميع أنه – وأخيرًا – قد صار هناك من ينصت لهم بآذان صاغية
كي لا تضيع جهودهم هباءً. كما أن قدرتك على التأثير في الآخرين تتضاعف حين تبادر بتفهم الآخرين قبل حتى أن يتفهموك.
خلق التوازن بين الخطط قريبة الدى والأهداف بعيدة المدى
يضع الكثير من المؤسسات بعض الأهداف قصيرة المدى لسنة ما كتحقيق نسبة عالية من المبيعات والأرباح أو تصنيع كم معين من المنتجات وهكذا. يتطلب تحقيق هذه الأهداف إدارة واعية للمدى القريب. إلا أن هذه السنة المعطاة لا تمثل فقط ”المدى القريب“، وإنما تمثل أيضًا السنة الخامسة لخطة بعيدة المدى قد وضعت منذ خمسة أعوام مضت ومنتصف الطريق لأخرى وضعت منذ عشرة أعوام! بمعنى آخر، ستضطر بشكل أو بآخر إلى تحقيق الأهداف المرتبطة بهذه السنة، وفي نفس الوقت التخطيط للسنوات الأربع، أو الخمس، أو العشر، أو حتى العشرين المقبلة. تلك هي النظرة المؤسسية الشمولية والتي تنصب حول الأهداف قريبة المدى دون أن تغفل عن مثيلاتها بعيدة المدى.
نحو حياة متوازنة
يتطلب دورك كقائد همام أن توازن ما بين حياتك المهنية والشخصية، وبالمثل تتيح للآخرين الفرصة لذلك. فوحده القائد القيمي يستطيع أن يقدم نمودجًا يُحتذى به في التمتع بحياة متزنة ومرضية في كل جوانبها، وإلا ناقضت نفسك وقللت من شأنك بأن تتغنى ببعض الشعارات مثل: ”نحن شركة تقدر التوازن كأحد المبادئ المتأصلة في جوهرها“
في حين يكون الواقع: ”إن العمل هو أهم أولوياتنا ولا داعي لمضيعة الوقت في الهراءات والتفاهات الشخصية!“ وبذلك تكون قد ابتعدت تمام البعد عن القيادة القيمية.
المبدأ الثالث : الثقة بالنفس
الثقة بالنفس سمة جوهرية عليها تقوم القيادة الحقيقية وتمد صاحبها بالقوة التي ينقلها بدوره إلى الآخرين، كما أن الثقة المتأصلة في نفس الإنسان هي التي تساعده على فهم وتقبل ذاته بعيدًا عن أية مهارات أو كفاءات أو براعة في إتمام المهام، ومن ثم يرضى الإنسان عن ذاته ويتعرف إلى مواطن قوته ونقاط ضعفه وحدود معرفته على حد سواء. من هنا يمكننا القول إن كل من يتمتع بالثقة بالنفس يلتزم بتطوير ذاته ليحقق التميز فيما يتقنه ويتعلم ما لا يتقن. عادة ما يتجنب القادة الذين يتمتعون بقدر هائل من الثقة بالنفس عوامل الغموض والالتباس، بل على النقيض يحفزون فريقهم على التفاعل وإبداء الآراء وتحدي الآخرين بما في ذلك القائد. هؤلاء القادة لا يخجلون من الرجوع إلى أحد أعضاء الفريق الأكثر خبرة في مجال ما، فهدفهم هو الصالح العام.
عبر عن رأيك
إن شجاعة التعبير عن الرأي – أو بالأحرى تطوير الثقة بالذات – مهارة لا يتقنها سوى من أتقن مبادئ التوازن والتأمل الذاتي، فكل واحدة تدعم وتصب في مصلحة الأخرى. لنفترض معًا أنك قدمت بعض المقترحات حول قرار ما اتخذه رئيسك في العمل، والذي يؤثر بشكل مباشر على أحد المشروعات التي تخضع لإدارتك ولكن كان لرئيسك رأي آخر! في تلك الحالات من الصعب أن يتجاوز الإنسان عن كبريائه، فأنت قبل كل شيء قد تحملت مسؤولية المهمة المسندة إليك واستنفدت ساعات طوالًا في التفكير المضني لتنفذ مهمتك على أكمل وجه. حتى وإن لم تمتلك إجابات وافية عن كل الأسئلة ولكنك على الأقل تمكنت من التعبير عن رأيك – وهو ليس مجرد رد فعل سريع أو رأي مبني على دراسة سطحية.
في مثل هذه الحالات يكون الاعتماد على التأمل الذاتي هو الحل الأمثل للتأكد من إلمامك بكل الأمور المتعلقة بالمهمة. فمهما كان تحليلك شاملاً ورأيك صائبًا، فمن المحتمل أن يتمتع الآخرون بخبرة في هذا المجال أكثر مما تتخيل، بل إنه في حين ينصب تركيزك حول المشروع المسند إليك فقط، يهتم رئيسك بالإطار العام والصورة الكاملة بحيث تتلاءم كل المبادرات والمشروعات مع السياسة والاستراتيجية العامة للشركة.
فإن استطعت أن تضع عنصر الكبرياء جانبًا، يمكنك في هذه الحالة أن تعمد إلى التوازن بحيث ترى الأمور من كل الزوايا ومن ثم تمضي قدمًا. ابحث كل الآراء من خلال التحاور مع الزملاء والرفقاء داخل المؤسسة أو حتى قادة الفرق والأقسام الأخرى. وتذكر أنك لا تهدف في المقام الأول إلى تفنيد قرار رئيسك لإثبات فشله وإنما لتختبر مدى صحة وجهة نظرك والنتائج التي توصلت إليها من خلال هذا التحليل. في نهاية الأمر وبعد أن استخدمت اثنين من مبادئ القيادة القيمية وهما التأمل الذاتي والتوازن بهدف دراسة الموقف وتكوين فكرة عامة، أصبحت الآن على أتم الاستعداد للرجوع إلى مقترحاتك مرة أخرى، فإن زاد إصرارك وتمسكك بالمقترحات الأولية أكثر من ذي قبل، فكر في الحل الأمثل لتنفيذها، فربما تحتاج إلى تداول الأمر مع رئيسك مرة أخرى وإقناعه بما توصلت إليه، وربما تنتقل بالأمر إلى المرحلة التالية مباشرة.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي



