عصير الكتب

الجزء الثاني من تلخيص كتاب “لماذا نسئ إختيار القادة ” تأليف :جيفري كون وجاي موران

“لماذا نسئ إختيار القادة ”
5- الحكمة في الحكم
الحكم الرشيد عنصر أساسي في القيادة الفاعلة، سواء في الإدارة التنفيذية، أو في أرض المعركة، أو في موقع تصوير فيلم سينمائي، تمثل القدرة على اتخاذ قرارات حكيمة أمرًا ينبغي على كل قائد التمتع به. الرؤية تمنح التابعين هدفًا عامًا مهمًا؛ فتلهمهم من خلال صورة متوقعة للمستقبل، وهذه هي الغاية.
ويمثل الحكم الرشيد القاعدة التي يعتمد عليها الجميع للوصول إلى هذه الغاية، لأن إصدار الأحكام يمكِّن القائد من توجيه أتباعه من النقطة أ إلى النقطة ب.
لا تشكل القدرة على إصدار الأحكام سمة واضحة مثل الاستقامة، فلحظات الحكم الخاطئ لا تعني بالضرورة أن القائد شرير أو أن ما حدث مصيبة، في حين لا يرتبط الحكم الصائب بالسمات التي نربط بينها وبين الشخص الشغوف والطموح، فهناك فارق بسيط بين الحكم الخاطئ والحكم الصحيح، ويرتبط بشكل كبير بعملية الحكم ذاتها، وهو أمر متواصل، ويمكن أن تمر أعوام عديدة قبل أن تتضح آثار حكم أصدره أحد القادة.
لا يعني هذا أن إصدار الأحكام أقل أهمية من السمات الأخرى، بل يعني أن نتائجه تكون أحيانًا غير مباشرة، لأن تأثير الحكم الذي يصدره القائد يكون عادةً عميقًا للغاية، ويمكنه أن يمثل الفرق بين الحرب والسلام، وبين الازدهار والانهيار، وبين نجاح المؤسسة
وفشلها، وبخاصة عندما تكون المخاطر كبيرة. في هذه الحالات يكون القرار الصائب أو الخاطئ أكثر وضوحًا. وفي الأزمات، تطغى القدرة على إصدار الأحكام الصائبة على جميع سمات القيادة الأخرى. الحكم الرشيد يعني بالضرورة اتخاذ قرارات صائبة.
يبدو ذلك أمرًا بسيطًا، لكن كيفية اتخاذ الناس للقرارات وسبب اتخاذهم لها أمر معقد في الواقع، فقد يؤمن البعض بأن ما نتخذه من خيارات هو نتيجة تفكير عقلاني، لكن في الحقيقة تتدخل العواطف والتحيزات والتفضيلات الاجتماعية والثقة والضغط والغرائز في الأمر. على سبيل المثال: يصوت الكثيرون لصالح أحد المرشحين السياسيين بناءً على ”شعور داخلي“ لديهم أو لأنهم يعتقدون أنه ”شخص محبوب“. وبالمثل نندفع جميعًا في شراء منتج ما بين الحين والآخر. أتتذكر تلك الساعة أو الحذاء الجديد الذي اندفعت إلى شرائه؟ وتلك النظارات الشمسية الأنيقة؟ فكر أيضًا فيما تأكله واضعًا بعين الاعتبار زيادة متوسط قياس الخصر في الكثير من الدول المتقدمة بصورة كبيرة خلال الثلاثين عامًا الماضية، فعلى الرغم من تصدر كتب تنظيم العادات الغذائية لقوائم المبيعات على مدار العام، فإن خياراتنا الغذائية ليست عقلانية.
تعد الخبرة من العوامل المهمة لإصدار الأحكام. فما أهمية الخبرة في اتخاذ قرارات صائبة؟ يرى بعض الخبراء أنها كل شيء. ومن الأقوال الشهيرة ل ”جورج كليمنصو“: ”كل ما أعرفه تعلمته بعد الثلاثين.“ ويؤمن آخرون بأن سمة إصدار الأحكام الصائبة يمكن أن تظهر في سن مبكرة. ويعتمد تمييز الأمور هنا على نوع النشاط الذي تفكر فيه. على سبيل المثال: يتمكن معظم الأشخاص من قيادة السيارة بصورة سليمة بعد فترة قصيرة من الممارسة، ويمكنهم الحكم بسهولة على السرعة التي يسيرون بها على الطرق السريعة بسرعة أيضًا، لكن المعرفة الحقيقية، أي القدرة على اتخاذ قرارات دون التأثر بالعواطف أو الأنا، تحتاج العمر كله، وقد لا تكتمل أبدًا.
6- الشجاعة
طالما أشاد العالم بأهمية الشجاعة، ويظن كثيرون أن الشجاعة هي عدم الخوف، لكن ذلك ليس صحيحًا، فالشجاعة هي القدرة على التصرف رغم الخوف الشديد، أو كما يقول ”هيمنجواي“: ”الشجاعة هي القدرة على التصرف بسمو عند التعرض للضغوط.“
إلى جانب الخوف نضيف المجازفة والخطر والترهيب والغموض. الأشخاص الذين يتسمون بالشجاعة، يكونون مدركين – وفي بعض الأحيان خائفين – من الأخطار التي يواجهونها، لكنهم مع ذلك يمضون في سبيلهم دون وجل ولا يتراجعون. الشجاعة المادية هي الشجاعة في مواجهة الألم البدني أو الصعاب الجسدية أو الموت أو الخوف من الموت. أما الشجاعة المعنوية فتتمثل في القدرة على التصرف على نحو صحيح في وجه المعارضة العامة أو التضحية الشخصية أو الفضائح العامة والخاصة. تعد الشجاعة، إلى جانب الحب، أشهر الأفكار التي يستقى منها الأدب العالمي. فقد صعد ”برومثيوس“، في الأسطورة اليونانية، إلى السماء وسرق النار المقدسة من الآلهة؛ وأبحر ”جاسون“ عبر الصخور المتصادمة، وذبح ”ثيسيوس“ العديد من قطَّاع الطرق و“الميناتور الجبار“ الذي كانت هيئته نصفها على شكل إنسان والنصف الآخر على شكل ثور، وذلك من أجل تحرير شعبه. تشكل هذه الأساطير قصصًا يتناقلها العالم عبر الأزمنة، والدرس المستفاد منها هو أنه ما من نجاح عظيم يتم إلا وانطوى على قدر كبير من الشجاعة والمخاطرة.
بعبارات أبسط: يمكن تعريف الشجاعة بأنها مستوى عميق من توازن الإنسان ومركزيته، وهي التزام عاطفي بما يفعله المرء، أو ما يعتنقه من قيم أساسية، أو بقيمة رسالة المؤسسة التي يتبعها، والشجاعة التزام عاطفي لأنها تتطلب دائما تصرفًا لا يبدو
منطقيًا من حيث نتائجه قصيرة المدى. فقد يملي التفكير الموضوعي على المرء التزام الصمت، أو المحافظة على النفس، لكن الشجاعة تهدف إلى ما هو أكبر من ذلك.
من هذا المنظور تنسجم الشجاعة مع ”حسن الخلق“، فلا يبتعد الشجعان بسهولة عن مبادئهم الأخلاقية، حتى في وجه الضغوط الشديدة، أو الشك، أو المعارضة، بل يتصرفون، وعينهم على المستقبل المشرق والرؤية بعيدة المدى، مهما كانت النتائج
وبغض النظر عن الصعوبات.
7- الشغف
يخلط الناس بين الشغف وسحر الشخصية، والفرق بينهما كبير. الشغف يصف شيئًا أساسيًا في الفرد، شيئًا يتعلق باحتياجاته الأساسية. أما سحر الشخصية فهو ميزة خارجية، قد لا تعكس بالضرورة ما في داخل المرء. يمكن أن يكون الأشخاص الساحرون
مقنعين للغاية، وجريئين، وفاتنين، ويمثل الكثير منهم قادة رائعين، لكن سحرهم وتألقهم يكون خادعًا أحيانا. وهنا نتذكر العديد من القادة الفعالين مثل ”ميشيل بلومبرج“ و”هنري كيسنجر“ والمخرج ”رون هوارد“، والذين يتسمون بالدافعية والشغف في عملهم، لكنهم بعيدون كل البعد عن سحر الشخصية، والحقيقة هي أن بعض الناجحين نجاحًا كبيرًا تكون هناك نار تتقد بداخلهم لكننا لا نراها أبدًا.
الشغف يصف الدافع لدى المرء. فنحن نسمع في كثير من الأحيان عبارة: ”إنه شغوف بعمله“، و”إنها تتمتع بشغف هائل“. هذا يعني أن هذا الشخص يُظهر الكثير من العاطفة والتصميم، والشغف سمة يتمتع بها كل القادة الفعالين، رغم أنهم يعبرون عنها بطرق مختلفة، وفي بعض الأحيان يكون هذا الشغف واضحًا، يظهر في صورة انفعالات حماسية وعاطفية، لكنه يمكن أن يكون أقل وضوحًا فلا نراه من بعيد، وكأنه محرك داخلي قوي يدفع القائد إلى الأمام، فمن الممكن أن يمتلك الشخص شغفًا كبيرًا تجاه شيء ما دون أن يُظهر أي دلائل صريحة على ذلك.
هل بالإمكان أبدع مما كان ؟
لماذا إذن ما زلنا نفشل في اختيار القادة الحقيقيين؟ المشكلة أن السمات السابقة لا تعرب عن نفسها بسهولة! فهناك من يدعيها، وهناك من يصطنعها، وهناك من يمتلكها ولا يعرب عنها! وهناك من يمتلك أربعًا أو خمسًا منها، دون أن يكتمل نسيجها ومزيجها في شخصيته، فيغلب عليه الإحجام دون الإقدام. فعلى الرغم من أن السمات السبعة مهمة، تبقى الاستقامة والشجاعة هما السمتان الأقوى والأهم: الأولى لتحقيق التكامل في الشخصية القيادية، والثانية لتضع السمات الأخرى موضع التطبيق.
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى