ثورة صامتة في علم الإدارة الحديثة: من “أوبونتو” إلى “الوا”

سناء عبد الرحيم
دكتورة في التنمية الذاتية وكوتش تنفيذي
مؤلفة سلسلة “الوعي التنموي”
في ظل تسارع التحول الرقمي وتزايد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبرز اتجاه جديد في علم الإدارة الحديثة يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية داخل المؤسسات، فيما بات يوصف بـ”الثورة الصامتة” التي تستمد جذورها من فلسفات ثقافية عميقة، أبرزها فلسفة “أوبونتو” الإفريقية ومفهوم “الوا” الياباني.
ويشير متخصصون إلى أن الإدارة المعاصرة لم تعد تقتصر على تحقيق الكفاءة المادية، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على بناء بيئات عمل إنسانية قائمة على التعاون والانسجام، بما يعزز الاستدامة المؤسسية ويحد من الإقصاء الوظيفي.
وتعكس فلسفة “أوبونتو”، التي تقوم على مبدأ “أنا موجود لأننا موجودون”، تحولًا جوهريًا في النظرة إلى العنصر البشري داخل المؤسسات، حيث ينظر إلى الموظف كشريك في القيمة والإبداع، وليس مجرد أداة إنتاج، وتؤكد هذه الرؤية أن النجاح المؤسسي لا يتحقق على حساب الأفراد، بل من خلال التكامل والتغذية الراجعة الإيجابية.
يبرز مفهوم “الوا” في الثقافة اليابانية كأحد الركائز الأساسية للحفاظ على الانسجام داخل بيئة العمل، حيث يعطي الأولوية للتوازن الجماعي والاستقرار المؤسسي، ويعزز هذا التوجه ممارسات إدارية قائمة على الاحتفاظ بالكفاءات وتطويرها بدل استبدالها، بما يحفظ الذاكرة المؤسسية ويقوي رأس المال البشري.
كما يرتبط هذا النهج بمفهوم “الاعتماد المتبادل”، الذي يرسخ الثقة بين الموظف والمؤسسة، ويخلق بيئة عمل مستقرة قائمة على الأمان الوظيفي والانتماء، بعيدًا عن ثقافة الخوف والإقصاء.
ويرى خبراء أن دمج فلسفتي “أوبونتو” و”الوا” يتيح بناء نموذج إداري متوازن، قادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي، من خلال تعزيز الذكاء الجمعي في اتخاذ القرار، والاستفادة من تلاقي الخبرات مع الطاقات الشابة، بما يضمن قرارات أكثر نضجًا واستدامة.
وفي هذا السياق، تؤكد الدراسات أن توظيف التكنولوجيا يجب أن يكون في خدمة الإنسان، لا بديلاً عنه، بحيث تسهم في تعزيز الروابط داخل المؤسسة، وتحرير الموارد البشرية للتركيز على المهام الإبداعية والاستراتيجية.
وتحذر الرؤى الحديثة من أن المؤسسات التي تفرط في كوادرها البشرية بحثًا عن مكاسب سريعة، تفتقر إلى رؤية طويلة المدى، حيث يؤدي ذلك إلى تآكل الولاء المؤسسي وفقدان الاستقرار الداخلي.




