عصير الكتب

الجزء الثاني من تلخيص كتاب “هل المخاطر مخيفة ؟ ” تأليف :ديفيد روبيك

هل المخاطر مخيفة ؟
أدوات صنع القرار
في البداية، قد يبدو مصطلح ”العقلانية المقيدة“ مهينًا. فهو يوحي كما لو أن قدرتك على أن تكون عقلانيًا وذكيًا وتتخذ قرارات صائبة مقيدة، أو محدودة أو معيبة. لكن ”هربيرت سيمون،“ صاحب هذا المفهوم، لم يقصد بالطبع ذلك المعنى. فهو كتب التالي: ”نظريات العقلانية المقيدة إنما هي نظريات عن اتخاذ القرارات والخيارات التي تفترض أن صانع القرار يتمنى أن يحقق أهدافًا، ويستغل عقله على أفضل نحو ممكن ليصل إلى هذه الغاية… هي أيضًا نظريات تأخذ في اعتبارها عند وصف عملية اتخاذ القرار القدرات الفعلية للعقل البشري.“ نحن نستخدم عقولنا ”على أفضل نحو ممكن“ لنحكم على أي شيء بما في ذلك المخاطر، لكن إذا لم تكن لدينا كل الحقائق، فما الذي تستعين به عقولنا لتتخذ القرارات؟ في الواقع، نحن نستخدم أدوات ذهنية لنعالج ونستوعب معلومات محدودة في الوقت المحدود المتاح لنا لنتخذ القرار. أيضًا نحن نستخدم هذه الأدوات لنرتب ونحلل ونقارن ونصنف ما نعرفه، وما اختبرناه في الماضي، ووضعنا في الحياة بوجه عام مثل حالتنا الصحية، وثروتنا، وظروفنا العائلية، وتفضيلاتنا
لنمط حياتنا. تمتزج أيضًا هذه الأدوات الذهنية بمعاييرنا الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية. بالاستعانة بكل هذه المدخلات، نخرج بحكم في لحظة! من المذهل جدًا درجة السرعة التي تساعدنا بها هذه العمليات الذهنية الخفية لنتمكن من فرز كم هائل من المعلومات، ولنصل إلى الأحكام التي نضطر باستمرار إلى إطلاقها، بما في ذلك الأحكام المتعلقة بالظروف التي قد تنطوي على مخاطرة.
أداة رقم 1 : تأثير التأطير
كيفية رؤيتك للأمور وكيفية تفكيرك فيها يعتمد إلى درجة كبيرة على كيفية عرضها عليك. حيث يمكن لنفس الحقائق إذا تم عرضها في إطار مختلف أن تُنتِج استجابة مختلفة تمامًا للمخاطر. وينبع التأطير في بعض الأحيان من المعلومات المقدمة أو المحذوفة، كإضافة نسب مئوية مثلًا أو إهمالها. أحيانًا تكون المسألة هي أي المعلومات يتمتع بالأولوية، أو أيها يأتي أولًا، مثل ما إذا كان أول
جانب مُستعرَض لخيار ما إيجابيًا أو سلبيًا. في بعض الأحيان ينبع التأطير من دلالات لفظية بسيطة، فمن يذكر لك شيئًا عن ضريبة الإرث ليس كمن يسميها ضريبة الموت! حتى على أبسط المستويات، يؤثر التأطير بقوة على كيفية استخدامنا للمعلومات لنصدر أحكامًا. طُلِب من بعض الأشخاص تذوق عينات من اللحم البقري تحمل بطاقة مكتوبًا عليها ” 75 ٪ لحم صاف“، وعينات أخرى تحمل بطاقة مكتوبًا عليها ” 25 ٪ دهون.“ وبعد تذوق النوعين حكم غالبية المتذوقين بأن العينة التي تحمل بطاقة اللحم الصافي مذاقها أفضل مقارنة بالعينة الأخرى، هذا على الرغم من أن نسبة الدهون في العينتين كانت متماثلة تمامًا! وهكذا يلعب التأطير دورًا كبيرًا حقًا في الطريقة التي نصدر بها أحكامًا حول المخاطر.
أداة رقم 2 : الترسيخ والتكييف 
الكثير من المعلومات التي نحصل عليها حول المخاطر تنطوي على أرقام. ونحن على الأرجح غير بارعين في التعامل مع الأرقام. إن أغلبنا – كما يسمي البعض الأمر – غير عددي. وحتى عندما نفهم الأرقام، يمكن لاختصار ذهني بداخلنا يسمى الترسيخ والتكييف أن يشتتنا عند استخدام تلك الأرقام لنقيِّم المخاطر. ببساطة، نحن نميل إلى القيام بتقديرات معتمدة على قيمة أولية تكون بمثابة مرساة الترسيخ، ثم نتكيف ونتعامل مع الأمر بعد ذلك انطلاقًا من هذه النقطة. في إحدى التجارب، طُلب أولًا من مجموعة من الأشخاص أن يديروا عجلة الحظ فقط ليعرفوا ما الرقم الذي سيظهر لهم. توقفت العجلة عند الرقم 65 ، وهو الرقم الذي أعد القائمون على التجربة العجلة سرًا لتقف عنده. كانت هذه هي مرساة الترسيخ. بعد ذلك طُلب من أعضاء المجموعة
أن يخمنوا النسبة التي تمثلها الدول الإفريقية في منظمة الأمم المتحدة، فقدروا النسبة ب 45 ٪. جربت مجموعة أخرى حظها مع العجلة، وكما كانت معدة مسبقًا توقفت (ترسخت) عند الرقم 10 . خمنت تلك المجموعة أن ٪25 فقط من دول الأمم المتحدة هي دول إفريقية. لقد زُرع رقم واحد في رأس أعضاء كل مجموعة في مستهل التجربة وتم تكييفهم انطلاقًا من هذه النقطة، وتأثر حكمهم بالنقطة التي وضعت عندها قيمة الترسيخ، فالمجموعة التي حصلت على رقم كبير في البداية قدمت تقديرًا كبيرًا، أما المجموعة التي حصلت على رقم صغير كان تخمينها بالتبعية صغيرًا.
تم ربط مسألة الترسيخ والتكييف بالاستجابة للمخاطر في تجربة أخرى، حيث طُلب من أعضاء إحدى المجموعات أن يرتبوا معدلات الوفاة الناتجة عن 40 سببًا مختلفًا، وأن يخمنوا العدد الفعلي لضحايا كل سبب، لكن تم إخبار أعضاء المجموعة أولًا أن 50 ألف شخص يموتون سنويًا في حوادث السيارات، ثم طُلِب من مجموعة ثانية تنفيذ نفس التمرين لكن تم إخبارها أولًا أن ألف شخص يموتون كل عام في ”الولايات المتحدة“ بالإعدام بالكهرباء (مرساة ترسيخ ضعيفة). رتبت المجموعتان المخاطر بشكل متقارب للغاية. احتل سرطان الرئة وحوادث المرور مراتب متقدمة، ثم تلتهما لسعات النحل وصواعق البرق، لكن المجموعة الأولى – والتي قُدم لها في البداية مرساة ترسيخ أقوى ليبدأ أفرادها من عندها – خمنت أعدادًا أكبر للأشخاص الذين توفوا جراء كل سبب من هذه الأسباب مقارنة بتخمينات المجموعة الثانية. ومع تكرار التجربة على عدة مجموعات أخرى، خمنت المجموعة الأولى ما
يصل إلى خمسة أضعاف ما خمنته المجموعة الثانية لعدد المتوفين جراء كل سبب من أسباب الوفاة، فالمجموعة الثانية هي من قُدم لها ”مرساة ترسيخ“ ضعيفة متمثلة في رقم صغير .
أداة رقم 3 : تأثير الاستدعاء الادراكي الجاهز 
يظهر تأثير هذه الأداة عند إصدار الأحكام السريعة على مدى تكرار وقوع أمر ما أو احتمالية حدوثه، لأنه من الأسهل تذكر الأحداث المتكررة مقارنة بالأحداث النادرة. لذلك إذا تبادر إلى ذهنك أمر ما بسرعة، فهذا يعد دليلًا للوزتك العصبية على أن ما حفز تلك الذكرى هو شيء راجح الحدوث أو الوقوع أكثر. لنشرح هذا التأثير، سنطرح عليك السؤال التالي: هل يظهر حرف ”ر“ أكثر في بداية الكلمات أم في منتصفها؟ أغلب الأشخاص سيجيبون بأنه يتكرر بشكل أكبر في بداية الكلمات، لأنه من الأسهل استدعاء كلمات تبدأ بهذا الحرف مثل كلمة ”راجح،“ مقارنة بكلمات يأتي في منتصفها مثل كلمة ”حرف.“ لكن الواقع هو أن حرف ”ر“ يظهر أكثر في منتصف الكلمات!
يمدنا الاستدعاء الإدراكي الجاهز بطريق ذهني مختصر يؤثر على كيفية تقديرنا للاحتمالات. في بعض الأحيان أيضًا نستدعي بعض الأمور بسرعة ليس لأنها تحدث بشكل متكرر، ولكن لأنها كانت أكثر بروزًا أو تأثيرًا أو إرعابًا، مما يجعل ذكرياتنا تجاهها أكثر قوة.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثالث إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى