عصير الكتب

الجزء الثالث من تلخيص كتاب “انتعش” تأليف :مارتن سليجمان


المتفائلون لا يمرضون
لماذا يسهم التفاؤل في تقليل نسبة تعرضنا لأمراض القلب والأوعية الدموية؟ وكيف يزيد التشاؤم معدلات الإصابة بهذه الأمراض؟ هناك ثلاثة احتمالات:
❂المتفائلون إيجابيون ويتمتعون بأنماط حياة صحية.  يؤمن المتفائلون بأن أفعالهم مهمة وذات تأثير، بينما يعتقد المتشائمون أنهم عاجزون وأن أفعالهم لا تسمن ولا تغني من جوع. المتفائلون يحاولون، بينما ينصرف المتشائمون في شعور من العجز وعدم الحيلة – شرنقة يصنعونها بأنفسهم ويتقوقعون داخلها بمحض اختيارهم.
❂الدعم الاجتماعي. كلما زاد عدد الأصدقاء وزادت مساحة الحب في حياتك، قلَّ احتمال تعرضك للمرض. الذين لديهم شخص واحد يشعرون نحوه بالارتياح، يتمتعون بصحة أفضل. كما أن مؤشرات الصحة لدى الأشخاص المنعزلين تتراجع على نحو ملحوظ عنها لدى الأشخاص الاجتماعيين. في إحدى التجارب، قرأ المشاركون نصًا عبر الهاتف على أشخاص غرباء عنهم – فكانت القراءة بصوت محبّط مرة وبصوت مبهج مرة أخرى. أنهى الغرباء المكالمة مع الصوت المتشائم بسرعة أكبر من مكالمة الصوت المتفائل، أي أنهم أبدوا استعدادًا أكبر للتواصل مع الصوت المبتهج.
❂الآليات البيولوجية. هناك عدة مسارات بيولوجية  جديرة بالاهتمام. يستسلم المتشائمون للضغط العصبي ويعانون منه أكثر، ويتكيَّف المتفائلون مع الضغط العصبي على نحو أفضل. وتؤدي النوبات المتكررة من الضغط العصبي – لا سيَّما في الأوقات التي يشعر فيها المرء بالعجز – إلى تحفيز هرمون الكورتيزول (المعروف باسم هرمون الضغط العصبي) مع استثارة بعض الاستجابات في الدورة الدموية التي تُحدِث ضررًا في جدران الأوعية الدموية وتزيد من قابلية الإصابة بأمراض تصلب الشرايين. وقد تبين أن أجسام الأشخاص الذين يعيشون حالة من الحزن تمتص كمية أكبر من مادة الإنترلوكين– 6 المسببة للالتهابات، وأن هذا يؤدي إلى التعرض لمزيد من نزلات البرد. وتؤدي النوبات المتكررة من الضغط العصبي والشعور بالعجز إلى سلسلة من العمليات التي تتضمن ارتفاعًا في هرمون الكورتيزول وانخفاضًا في مستويات الناقلات العصبية المعروفة بالكاتيكولاَمين، مما يؤدي إلى التهاب طويل الأمد. ويتطور الالتهاب الأكبر إلى مرض تصلب الشرايين، إذ تبيّن أن السيدات اللاتي يسجلن مستويات أقل من مشاعر السيطرة
ومستويات عالية من الاكتئاب يعانين من تصلب الشريان الأورطى الشبيه بالجذع. وتبيَّن أن معدل تطور مرض تصلب الشرايين في الفئران الضعيفة يكون أسرع من تطوره في الفئران القوية والمسيطرة.
غاية المال ما الهدف من الثروة ؟
الثروة يجب أن تسخر لتحقيق الانتعاش. هدف الثروة – من وجهة نظر علماء الاقتصاد – هو إنتاج المزيد من الثروة، والنجاح يُقاس هنا بحجم الثروة الإضافية التي حققتها. في الاقتصاد يعتبر إجمالي الناتج المحلي هو مقياس أداء الدولة أو الأمة، لأنه يشير إلى إنتاجيتها وأدائها. ولذا، يحظى علم الاقتصاد الآن بمكانة لا ترتقي إليها السياسة. كل وسائل الإعلام تخصص يوميًا قسمًا للحديث عن المال. ويتبوأ علماء الاقتصاد مناصب مرموقة في كل مكان. وعندما يترشح رجال السياسة لشغل منصب ما، فإنهم ينظمون
حملات للحديث عن إنجازاتهم الاقتصادية التي ينتوونها أو التي حققوها. ونسمع ونقرأ كل يوم تقارير متواترة حول البطالة ومتوسط ”داو جونز“ والدَيْن القومي. وتنبع هذه الهيمنة السياسية والتغطية الإعلامية من حقيقة أن المؤشرات الاقتصادية مهمة ومتاحة ويتم تحديثها لحظيًا.
في حقبة الثورة الصناعية، كانت المؤشرات الاقتصادية تعطي قيمًا تقريبية جيدة حول أداء الدول. كانت تلبية الاحتياجات الإنسانية البسيطة من طعام ومسكن وملبس أمرًا محفوفًا بالمخاطر وغير مضمون النتائج، وتتم تلبية هذه الاحتياجات بالتوازي مع تحقيق المزيد من الثروة.
ومع ذلك، فكلما ازداد المجتمع رخاء، تشوهت القيم النسبية التي تعكسها الثروة ومدى تعبيرها عن تطور المجتمع وسيره في الاتجاه الصحيح. فالسلع والخدمات الأساسية تتوفر على نطاق واسع حتى أن الدول المتقدمة اقتصاديًا في القرن الحادي والعشرين، مثل ”أمريكا“ و”اليابان“ و”السويد“ لديها وفرة مفرطة من السلع والخدمات. وعندما تتم تلبية الاحتياجات الأساسية في المجتمعات الحديثة، فإن عوامل أخرى غير الثروة تلعب دورًا مهمًا في الحكم على أداء هذه المجتمعات ومدى سيرها نحو الأفضل.
الفرق بين إجمالي الناتج المحلي والانتعاش 
يقيس إجمالي الناتج المحلي حجم السلع والخدمات المنتَجة والمستهلكة، وأي فعاليات تزيد هذا الناتج تؤدي بدورها إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي، بصرف النظر عما إذا أدت هذه الأحداث إلى تدهور جودة الحياة ونوعيتها. ففي كل مرة يحدث فيها طلاق، يرتفع إجمالي الناتج المحلي.
وفي كل مرة يقع فيها حادث تصادم بين سيارتين، يرتفع إجمالي الناتج المحلي. وفي كل مرة يرتفع فيها عدد الأشخاص الذين يتناولون أدوية مضادة للاكتئاب، يرتفع إجمالي الناتج المحلي. وكلما ازدادت الحماية الأمنية، يرتفع إجمالي الناتج المحلي، على الرغم من أن هذه الأحداث تؤدي إلى تقليل مستوى الرفاهية وتلغي الانتعاش.
ويطلق علماء الاقتصاد على هذه الأحداث مصطلح ”أمور مؤسفة“. فمبيعات السجائر وأرباح الملاهي الليلية تدخل ضمن إجمالي الناتج المحلي. وقد تنتعش قطاعات بأكملها، مثل المحاماة والطب النفسي وصناعة الأدوية، مع زيادة معدلات الاكتئاب وغياب السعادة. ولا يعني هذا أن المحامين والأطباء النفسانيين وشركات الأدوية قطاعات فاسدة، وإنما يعني أن إجمالي الناتج المحلي لا يفيد في شيء عندما يتعلق الأمر بتحديد ما إذا كانت زيادة تدفقات السلع والخدمات ترجع إلى معاناة الإنسان أو إلى انتعاشه. ويمكن توضيح هذا التناقض بين الرفاهية وإجمالي الناتج المحلي بسهولة. فقد ظلت نسبة الرضا عن الحياة في ”أمريكا“ ثابتة على مدار 50 عامًا على الرغم من ارتفاع  إجمالي الناتج المحلي بنسبة 300 .٪ الأسوأ من ذلك أن مؤشرات الشقاء والتعاسة لم تتراجع مع ارتفاع إجمالي الناتج المحلي؛ بل تفاقمت وازداد الأمر سوءًا. فقد ازدادت معدلات الاكتئاب عشر مرات في ”أمريكا“ على مدار الخمسين عامًا الأخيرة. وهذا ما يحدث في كل دولة غنية، على عكس الدول الفقيرة. كما ارتفعت معدلات القلق في الدول المتقدمة أيضًا. في حين تراجع الترابط الاجتماعي بفعل المستويات المتدهورة من الثقة في الآخرين وفي المؤسسات الحكومية، والثقة عامل رئيس في تحقيق الانتعاش.
الانتعاش والازدهار
نتوقع أن يدور جدل طويل حول الآلية المثلى لقياس عناصر الرفاهية والانتعاش، وحول المعايير الموضوعية وكيف تختلف عن المعايير الذاتية. فهناك مسائل شائكة وأسئلة تحتاج إلى إجابات منها:
❂قياس تأثير تفاوت الدخول داخل الدولة الواحد!
❂قياس أثر التفاني والولاء والاستحواذ مقارنة بالبهجة والمرح على الشعور الإيجابي!
❂قياس تأثير التنشئة الجيدة للأطفال على مستقبلهم!
❂قياس دور الأعمال التطوعية والمسؤولية الاجتماعية والاهتمام بالبيئة.
في أثناء الانتخابات وفي المعارك السياسية والمنافسة بين الأحزاب، وعند وضع الخطط الاقتصادية يتم صياغة ما يُعرف ب ”مؤشر الرفاه،“ لتحديد مستوى المعيشة، مع أن الرفاهية الاقتصادية ليست المطلب الوحيد لبني البشر.
فنحن نقدر العدالة والديمقراطية والسلام وقبول الآخر والتسامح، وغيرها من التطلعات والأمنيات الحضارية. لكن المستقبل
يدعونا إلى القياس ثم صياغة سياسات عامة تهتم بالانتعاش والسعادة، وليس بالدخل المادي فقط. وهذه أفضل هبة يمكن أن نقدمها للأجيال القادمة. فعندما ينتعش الأفراد ويزدهرون، ينعكس ذلك على الصحة العامة والقدرات الإنتاجية والسلام النفسي
والتكافل الاجتماعي. ومع وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، ندرك قيمة علم النفس الإيجابي للإنسانية على المدى البعيد. ومن المتوقع أن يكون الانتعاش قد طال 51 بالمائة من . سكان العالم بحلول عام 2051 ومثلما ندرك الفوائد التي ستعود على الإنسانية من هذا الانتعاش، علينا أيضًا أن نتخيل حجم التحديات التي تواجهنا. وهذا أمر يجب أن يتولاه خبراء علم النفس الإيجابي من خلال التدريب والإرشاد والتوجيه الفردي المباشر للموظفين والمديرين. هذا بالإضافة إلى التعليم الإيجابي، الذي ينشر عبره المعلمون مبادئ الرفاهية الإيجابية على نحو يقلل من معدلات الإحباط والقلق لدى الطلاب، ويرفع معدلات السعادة والاستيعاب الأكاديمي.
ويمكن أيضًا تدريب الجنود وأفراد الشرطة على الانتعاش لتخفيف آثار الاضطرابات والقلق والخوف الناجم عن الإصابة والصدمات في الحروب والمواجهات. ينطبق هذا أيضًا على رجال الأعمال الإيجابيين لكي تتجاوز أهدافهم الربح المادي إلى القيمة والمعنى والمغزى والرسالة والرؤية والقيادة وصناعة المستقبل. ثم يأتي دور الحكومة التي ستقيس نجاحها ليس بزيادة الناتج المحلي الإجمالي فقط، بل وبزيادة الناتج النفسي والازدهار السلوكي والسعادة الكلية للمجتمع القوي والمتفاعل والمتعاضد. وستحتاج الحكومات إلى منظومات قياس ونظم إحصاء وحوسبة إيجابية أيضًا، حتى يتحقق الانتعاش الشامل وتصل الرفاهية إلى 51 في المائة من البشر. فأكثر من نصف سكان العالم يعيشون اليوم في ”الصين“ و”الهند“.
وتنشغل هاتان الدولتان الآن بزيادة إجمالي الناتج المحلي لديهما، وسينعكس نجاحهما أو فشلهما على العالم كله. لقد عقد أول مؤتمرات علم النفسالإيجابي في ”الصين“ و”الهند“ في أغسطس 2010 . وكان السؤال المطروح: كيف نحقق الازدهار والسعادة الإنسانية إلى جانب الثروة المادية في ”آسيا“؟ الحقيقة أنه من الصعب التنبؤ بذلك، ولكن العدوى مهمة جدًا؛ فالسعادة والرفاهية تصيب المجتمعات بالعدوى مثل القلقوالاكتئاب، فتحدث نقلات وزيادات تصاعدية نحو الأهداف الإيجابية.
قسم ”فريدريك نيتشه“ التطور البشري والتاريخ الإنساني إلى ثلاث مراحل. أطلق على المرحلة الأولى اسم ”الجمل“. فالجمل يكتفي بمجرد الركون والاستكانة ويتعود على الصبر دون مبادرات، فهو رمز الخضوع. تمثلت مرحلة الجمل في الألفية الأولى من تاريخ البشرية. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة ”الأسد“. فالأسد رمز التمرد؛ ولسان حاله دائمًا كلمة ”لا“: ”لا“ للفقر، ”لا“ للظلم، ”لا“ للوباء، ”لا“ للجهل.
ويمكن أن ننظر إلى السياسة الغربية منذ عام 1776 (نشوء ”أمريكا“) وحتى منذ وضع مسوّدة الماجنا كارتا (أو الميثاق الأعظم للحريات) في عام 1215 ، على أنها صراع مرير وترديد مستمر لكلمة ”لا“ بكل ما تعنيه من معاني الرفض والتمرد والنزوع للحرية. فما فائدة منطق الأسد في حياتنا اليوم؟ وهل استطاعت الإنسانية بالفعل أن تقول ”لا“ وترفض كل حالات ومحاولات الإحباط والإعاقة والتدمير؟ وماذا بعد؟
يرى ”نيتشه“ أن هناك مرحلة ثالثة من التطور، وهي مرحلة ”إعادة ولادة الطفل السعيد من جديد“. هذا الطفل الذي سيأتي
إلى العالم ليسأل: ”ما الذي يمكن أن نقول له: ‹نعم›؟“ ما الذي يمكن للبشر الإجماع عليه والإقرار به دون أن يتفرقوا ويتصارعوا أو يستسلموا؟
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى