الجزء الأول من تلخيص كتاب “ العظمة اختيار” تأليف:جيم كولينز ومورتن هانسن


الازدهار رغم الحظ والفوضى وطول الانتظار
من جيد … إلى رائع … إلى أروع
في شهر يناير (كانون الثاني) 2002 نشرنا خلاصة لواحد من أعظم مفكري الإدارة في العصر الحديث بعد ”بيتر دراكر“ ألا وهي خلاصة ”من جيد إلى رائع“. ومن المهم الإحاطة بأن الكتاب سالف الذكر ما زال على قائمة أكثر مائة كتاب مبيعًا في العالم، وقد صمد في قائمة الكتب الأعلى مبيعًا ليحتل المرتبة الثانية في الصمود بعد كتاب ”العادات السبع“ للشهير والكبير الدكتور ”ستيفن كوفي.“
يمتاز ”كولينز“ عن كل مؤلفي كتب الإدارة والأعمال في العالم بأنه يصدر كتابًا واحدًا فقط كل عشر سنوات. فقد صدر كتابه الأول ”شركات وجدت لتبقى“ في منتصف التسعينيات، والكتاب الثاني بعد سبع سنوات. فهو على مدى عقد من الزمن يغير قليلاً أو يضيف جديدًا إلى نظريات التميز والإبداع الإدارية التي يكتشفها في معمل أبحاثه الكبير في ”كولورادو“. في كتاب ”من جيد إلى رائع“ كسر ”كولينز“ كثيرًا من البديهيات التي تحيط بالشركات الناجحة، تلك النظريات التي كنا نظنها راسخة، ومنها:
❂الشركات العظيمة لم تتبن يومًا برامج محددة للتغيير.
❂ولم تفتعل أزمات مصطنعة لتغير سياساتها وتطور قدرات موظفيها.
❂ولم تصمم نظم مكافآت ورواتب لتحفيز موظفيها.
❂ولم تأت بالتغيير من الخارج لأنها لم تعول كثيرًا على الخبراء والاستشاريين.
❂ولم تضع إجراءات لتصنع نظامًا وتفتعل رؤية، لأن النظام والعمليات تنبع من الرؤية والأهداف.
ويرى الدكتور ”كولينز“ أنه ليس هناك ما أهو أخطر على الشركات من النجاح المتواضع، لأنه يجعلها تشعر بالأمان وتسقط دون أن تعي وتدرك ما يحيط بها. فالنشاط الذي لا يشعل فيك رغبة عارمة وقوة دافعة نحو القمة، لا يلائمك حتى لو كان جديدًا ومفيدًا.
وفي كتابه الجديد الذي نلخصه اليوم: ”العظمة اختيار“ يؤكد ”كولينز“ وزميله المؤلف ”مورتن هانسن“ أن الشركات التي اختارت أن تكون عظيمة مع سبق الإصرار والترصد ليست: الأكثر إبداعًا، ولا تمتلك رؤية أفضل، ولا هي أكثر حظًا أو جرأة أو مغامرة. وفي تبنيها للتكنولوجيا والتحديث لم تكن الأشجع والأسرع، ومع ذلك صارت وبقيت الأبدع والأروع. فما الذي يميزها عن غيرها يا ترى؟
لقد تبين من دراسة الشركات التي اختارت العظمة طريقًا، أنها نجحت بفعل انضباطها الشديد وقلقها الإيجابي والمنتج، وإبداعها التجريبي الذي حماها من تقلبات الأسواق وتواتر الأزمات وتقلب الاقتصادات. ولم يكن للحظ أو للصدفة دور البتة في عظمتها واستدامة أعمالها.
اصنع مستقبلك بنفسك
قد لا يمكننا التنبؤ بالمستقبل، لكن يمكننا أن نصنعه. عد بذاكرتك 15 عامًا إلى الوراء؛ وتذكر كيف فاجأتنا الأحداث العالمية والمحلية المضطربة وكيف تغيرت الأسواق وأساليب العمل وأنماط الحياة بما يفوق كل التوقعات. فنحن نندهش ونصدم ونبتهج ثم نفزع، لكننا نعجز عن التوقع واستبطان الغيب بكل ما يصادفنا في الحياة العملية من منعطفات. المستقبل مجهول ولا يمكن الجزم والتأكد من أي شيء، وليس هذا أمرًا سلبيًا أو إيجابيًا بحد ذاته، فهو مثل قانون الجاذبية لا يمكننا التحكم به. ومن هنا فإن مهمتنا تتلخص في صنع المستقبل، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تنجح بعض الشركات رغم الاضطراب والقلق والفوضى، بينما تفشل شركات أخرى؟
فعندما تتعرض السوق لتغيرات قصوى مفاجئة وقوى لا يمكن التنبؤ أو التحكم بها، ما الذي يميز الشركات التي تُظهر أداءً استثنائيًا عن تلك التي تفشل وتظل تعاني أو تندثر تمامًا؟
ازدهار رغم الغموض والفوضى
تتمكن بعض المؤسسات من قيادة هذا العالم الغامض والمتقلب بقدرة تحسد عليها، فلا تتفاعل فقط مع أحداثه وتغيراته، وإنما تصنع تلك الأحداث، ولا تكتفي بالنجاة من الصعاب بل وتحرص على الانتصار، وتنشئ شركات كبيرة تحافظ على نجاحها. لا نزعم أن الفوضى أمر إيجابي وضروري، فالشركات لا تزدهر ولا ينجح القادة الكبار نتيجة للأوضاع المضطربة فقط. وإنما هناك معادلات نجاح أخرى تتحقق في ظل الفوضى. لقد بحثنا عن الشركات التي بدأت متواضعة ثم حققت نجاحًا ملحوظًا بأدائها المذهل رغم الأوضاع غير المستقرة والقوى السلبية المحيطة بها، ثم قارنَا بين هذه الشركات ومجموعة أخرى فشلت في التكيف مع نفس الأوضاع لنصل إلى العوامل التي تسمح للبعض بالازدهار رغم المستقبل المجهول.
أطلقنا على الشركات فائقة الأداء ”العشرة المضاعفة“ لأنها لم تتجاوز الأزمات وتنجح فحسب، وإنما حققت الازدهار؛ فكل شركة منها تفوقت على مؤشر صناعتها بحوالي 10 مرات على الأقل. أي حققت عشرة أضعاف معدلات النمو في مجالها. فلو أنك قد استثمرت 10000 دولار في إحدى هذه الشركات في نهاية عام 1972 (مع المحافظة على معدل العائد العام في سوق البورصة حتى تنتقل إلى بورصة ”نيويورك“ أو ”أمريكا“ أو ”ناسداك“ مثلاً)، فستكون استثماراتك قد وصلت إلى 6 ملايين دولار مع نهاية عام 2002 ؛ أي بعد ثلاثين عامًا. وهذا يعني تحقيق أرباح تفوق أرباح البورصة ب 32 مرة.
شركات “العشرة المضاعفة”
شهر أكتوبر عام 1911 استعد فريقان للتنافس على الوصول إلى القطب الجنوبي. كان قائد الفريق الفائز ”رولد أماندسون“ وقائد الفريق الخاسر ”روبرت فالكون سكوت“ متقاربين في السن (بين 39 و 43 ) وفي الخبرة أيضًا. قاد ”أماندسون“ أول رحلة ناجحة عبر الممر الشمالي الغربي والتحق بالبعثة الأولى لقضاء الشتاء في القارة القطبية الجنوبية، بينما كان ”سكوت“ قد قاد بعثة في عام 1902 وصلت إلى 82 درجة جنوبًا. هذه المرة انطلق ”أماندسون“ و”سكوت“ في رحلة مليئة بالصعاب تمتد لأكثر من 1400 ميل، في جو مضطرب تقل درجة الحرارة فيه عن 20 درجة تحت الصفر في فصل الصيف، ويزيد الأمر سوءًا هبوب الرياح العاصفة.
ففي عام 1911 لم يكن العالم يعرف أدوات الاتصال الحديثة من هواتف محمولة وأقمار صناعية. وقاد أحدهما فريقه إلى النصر، وقاد الآخر فريقه إلى الهلاك.
حقق ”أماندسون“ و”سكوت“ نتائج مختلفة تمامًا رغم تطابق الظروف. في أول 34 يومًا من البعثة، مرا بنفس ظروف الطقس المستقر والمضطرب بنسبة 56 ٪. فإذا واجها نفس الأحوال الجوية في نفس العام وكان هدفهما واحدًا، لا يمكن أن نعتبر البيئة المحيطة سببًا في الفشل أو النجاح، لكن السبب يرجع إلى اختلاف سلوك كل منهما. وهذا ما حدث مع القادة في الدراسة التي أجريناها. فرغم الظروف المتطابقة، نجح أصحاب ”العشرة المضاعفة“، وفشل الآخرون. أصحاب العشرة المضاعفة هم القادة الذين
أسسوا شركات حققت ازدهارًا فائقًا. وهنا لاحظنا بعض السمات المشتركة التي تجمع بينهم وتميزهم عن غيرهم.
لا يعني ذلك أن أصحاب ”العشرة المضاعفة“ يفتقرون إلى الإبداع أو الطموح أو الجرأة والمغامرة، فهم يتمتعون بكل تلك الصفات، لكن القادة الذين لم يحققوا نجاحًا مماثلاً تمتعوا بنفس هذه الصفات أيضًا. فما الذي يميز القادة أصحاب ”العشرة المضاعفة“ إذن؟ أولاً، يجمع صاحب العشرة المضاعفة بين نقيضين: السيطرة وعدم السيطرة. فهو يدرك أنه يعمل في ظروف غير مستقرة لا يمكنه التحكم بها أو التنبؤ بنتائجها. لكنه يرفض أن تحد القوى والعوامل الخارجة من سيطرته وأن تحدد الأحداث الطارئة مصيره، فهو يتحمل المسؤولية الكاملة عن نتائجه لأنه يؤمن ويعمل على أساس أن مصيره بين يديه. فالنجاح والفوز في منظوره بعيد المدى:
”اختيار“ لا ”إجبار“.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي



