منوعات

البركة غلبت السعادة

البركة غلبت السعادة .. كلمة طالما رددتها الجدة العجوز صاحبة الثمانين عاماً إلا ان احداً قط لم يلتفت اليها او يتوقف عندها والمعني في بطن الشاعر كما يقال فهي تعرف معناها وتعي ما تقول جيداً فإنها خبرت الايام وجربتها بحلوها ومرها، وذات مرة توقف ابراهيم احد احفادها وسألها ماذا تقصدين بهذه العبارة يا جدتي، ابتسمت العجوز وقالت : البركة يا ابنائي ويا احفادي شئ عظيم جداً في حياتنا وربنا اذا بارك في الشئ فلا أحد يقدر ان يوقف هذه البركة ابداً ولولا ان الله تعالي منً بها علينا لما استطعنا ان نعيش بهذه النعم، ألا ترون ان الله تعالي أسبل علينا ستره .

واعتدل احدهم فقال : هذا وقت مضي وعصر ولي فإن الناس اليوم يكره بعضهم بعضاً ويؤذي بعضم بعضاً، فمن اين تأتي البركة فلم يعد الجار يسأل عن جاره ؟! قالت العجوز : لقد حدثنا اجدادكم ممن ادركوا بقايا الزمن الجميل ان الناس كانوا يحبون بعضهم ويفرحون لفرح بعضهم ويتألمون لآلام اصدقائهم ويأكل الجار مع جاره من غير كلفه، وكان يستشيره حتي في كسوة اولاده وهكذا امتلأت حياة الناس بالبركة والسعادة والرضا فما تسمع احداً يشكو الزمان او يشكو الناس وسأحدثكم عن بعض هذه القصة التي عاشها الناس وتحدثت عنها الأجيال .

حدث أن جارتين احبت كل منهما الاخري حباً جماً وظلتا تتعاونان فيما بينهما وكان لهما بستان مشترك في الارض تقومان بزراعته معاً فاذا جاء وقت الحصاد وجني الموسم قامتا بقسمته بالتساوي، وحدث ان قالت إحداهما لجارتها تحملين انت جزءاً من نصيبك لطحنه وانا اقوم بحراسة الجزء الباقي وليكن ذلك بالتناوب بيننا .

فكان اذا غابت الجارة المسنة للقيام بأعمال الطحن اخذت الجارة الشابة تقول في نفسها : إنها امرأة عجوز ولها اسرة كبيرة وقطعاً تحتاج الي كمية كبيرة من الطحين، فتنهض وتزيد في نصيب جارتها من دون ان تخبرها، ثم تأتي نوبة العجوز للحراسة فتقوم الشابة بأخذ جزء من نصيبها لطحنه لأولادها وتبقي العجوز قائمة علي الحراسة فتحدثها نفسها بما حدث مع الشابة، وتقول : إن جارتي امرأة شابه ومقبلة علي الدنيا وعندها اطفال صغار يحتاجون طحيناً اكثر، فتأخذ من نصيبها وتضع في نصيب جارتها الشابة، واستمر هذا الحال وحان الوقت لنقل الغلة من الحقل الي مكان تخزينها داخل خزانات مصنوعة من الطين ، فإذا بهم يلاحظون امراً غريباً، لاحظن ان الغلة يزيد حجمها وليس هذا هو الزمن المقدر والمعتاد الذي تنقل فيه مثلها حتي اصابهما الاعياء وشعرن بالتعب والارهاق الشديد .

ولم تتمكنا من نقل القمح كله لكثرته لأن اله بارك فيه وتوالي النقل علي ايام متتابعة ولم يختلفا علي أن هذا العام كثر القمح وكثرت الحبوب كثرة مفرطة، مما خرج عن الحد المعتاد وجلستا تحت جزع من النخل وقالت إحداهما للأخري : استحلفك بالله يا اختي أكنت تفعلين شيئاً عندما اكون في الطاحون ؟ قالت : نعم كنت أضيف الي كميتك كمية اخري، وانا استحلفك بالله اكنت تفعلين شيئاً في نوبتك وحراستك قالت : نعم، وقامت كلا منهما تعانق االخري وهن يبكين ثم توضأت كل منهما وصلت لله شكراً وقالت : إنه المنعم المتفضل بالخير والبركة .

اشتهرت القصة حتي بلغت امير البلاد فقدم الي الجارتين ليري من ذلك القمح شيئاً مما تحدث عنه الناس فلما رآه وقلبه بين يديه وهو يتعجب من كبر حجم الحبة بكي طويلاً وخر ساجداً لله تعالي وقال : سبحان الله ! سبحان الله ! الرازق ذو القوة المتين والتفت الي حراسه قائلاً : ضعوا من هذا القمح في خزانة المسلمين ليكون عبرة وعظة لمن يأتي بعدنا ونظر الي الجارتين وخاطبهما : لقد أكرمكما من هو افضل مني ثم امر لهما بأداء فريضة الحج الي بيت الله علي نفقته، هذا هو فضل البركة التي هي سبب السعادة .

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي
www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى