الجزء الأول من تلخيص كتاب"التفكير بسرعة والتفكير ببطء"تأليف: دانيل كانمان


بديهة خبراء أم خبرة بديهية؟
حين تُسأل عما يجول بخاطرك، قد تجيب دون أن تفكر؛لأنك تعتقد أنك على علم بالأفكار التي تدور في ذهنك،والتي تتكون في الغالب من فكرة إدراكية تقود بأسلوبمنظم إلى فكرة أخرى. إلا أن هذا ليس هو الأسلوب الوحيدأو المعتاد الذي يعمل به العقل، فمعظم الأفكار والانطباعات تنشأ خلال تجربتك الإدراكية دون أن تدري كيف وصلتإلى هذا المكان. وبالتالي، فلن تستطيع أن تحدد كيف أتاكالاعتقاد بأن هناك مصباحًا على المكتب الذي تجلس عليه،أو كيف استشعرت رنة الغضب في صوت زوجتك حين
كنت تتحدث معها عبر الهاتف، أو كيف استطعت تجنبالتعرض لخطر ما على الطريق قبل أن تدرك وجوده.والسبب في ذلك أن العقل يعمل في صمت كي ينتجانطباعاتك وأفكارك البديهية والعديد من قراراتك.سمعنا جميعًا تلك القصص التيتتحدث عن البديهة التي يتمتع بهاالخبراء، كقصة محترف الشطرنجالذي يمر على أشخاص يمارسونتلك اللعبة ويتنبأ بالعديد من تحركاتهمالتالية أو الطبيب الذي ينظر إلىالمريض نظرة واحدة فيستطيع من خلالها تشخيص حالتهبدقة. تبهرنا بديهة الخبراء وكأنها ضرب من ضروب
السحر، غير أنها ليست كذلك. ففي الواقع، لدينا جميعًاخبرة بديهية تجعلنا نُظهر العديد من السلوكيات الاستثنائيةكل يوم. ومعظمنا يستطيع بسهولة استشعار رنة الغضبفي صوت الطرف الآخر عبر الهاتف بدايةً من أول كلمةينطق بها، كما نستطيع ملاحظة أننا كنا موضوع محادثة ما بمجرد أن ندخل الغرفة التي شهدت تلك المحادثة،ونستطيع أيضًا الاستجابة بسرعة إلى الإشارات البسيطةالتي تؤكد أن سائق السيارة التي تمر بجوارنا يشكل خطرًاعلينا. إن قدراتنا البديهية التي نمارسها كل يوم ليست أقلإثارةً للإعجاب من قدرات محترف الشطرنج أو الطبيبالخبير، ولكنها أكثر شيوعًا فحسب.لا تتضمن التركيبة النفسية للبديهة السليمة أي سحر.ولعل أفضل وأقصر وصف لها هوذاك الذي قدمه ”هيربرت سيمون“حين أجرى دراسات على محترفي
الشطرنج وثبت له أن آلاف الساعاتالتي تدربوا خلالها جعلتهم ينظرونإلى لوحة الشطرنج بأسلوبمختلف. نستطيع ملاحظة تلهف”سيمون“ إلى تفسير خرافة بديهة الخبير حين قال: ”يتلقىالخبير إشارة خلال موقف ما؛ تلك الإشارة هي التي تمكنه
من الوصول إلى المعلومات المخزنة في ذاكرته، والتيتمكنه بدورها من التوصل إلى الحل. وبذلك، البديهة ماهي إلا حالة إدراك.“ لن نُفاجأ إذن حين ينظر طفل عمرهعامان إلى كلب ويتعرف عليه لأننا تعودنا على معجزةالأطفال الذين يتعلمون التعرف على الأشياء وأسمائها.يقصد ”سيمون“ من التعريف السابق أن المعجزات المتعلقةببديهة الخبراء ذات طبيعة واحدة، إذ تنشأ الأفكار البديهيةالسليمة حين يتعلم الخبراء التعرف على العناصر المألوفةفي موقف جديد والتصرف بناءً على ذلك. بالتالي، فإن
الفكرة البديهية السليمة تطرأ على عقولهم بنفس السرعةالتي يتعرف بها الطفل على أي شيئ وينطق اسمه.
للتفكير نمطان
لعدة عقود، أبدى علماء النفس اهتمامًا شديدًا بنمطي تفكيروأطلقوا عليهما أسماء عدة. وسنتحدث الآن عن هذينالنمطين مطلقين عليهما اسمي ”النمط الأول“ و”النمط الثاني“:
يعمل النمط الأول سريعًا وتلقائيًا، بمجهود بسيط أو دون مجهود يذكر أو إحساس بالرغبة في السيطرةعليه.
أما النمط الثاني، فيركز على الأنشطة العقلية المجهدة التي تتطلبه كالعمليات الحسابية المعقدة. وغالبًا ماترتبط العمليات الخاصة بهذا النمط بالخبرات الذاتيةللإرادة والاختيار والتركيز.
عندما نفكر في أنفسنا نفكر وفقًا للنمط الثاني، فالإدراك يستمع إلى النفس بمعتقداتها ويتوصل إلى اختيارات،ويقرر ما يجب أن يفكر فيه وما يجب أن يفعله. ورغم أنهذا النمط يعتقد أنه مرتبط بالفعل، فالنمط التلقائي الأولهو محور هذا الفعل، إذ يوصف بأنه مصدر الانطباعاتوالمشاعر التي تعتبر المصادر الأساسية للمعتقداتالصريحة والخيارات المتعمدة التي تنشأ من خلال النمط
الثاني. تُنشئ العمليات التلقائية للنمط الأول أنماطًا معقدةمن الأفكار بصورة مفاجئة، ووحده النمط الثاني الأكثربطئًا هو القادر على تكوين الأفكار بخطوات مرتبة. وهناكبعض الأحوال التي يتغلب فيها النمط الثاني على النمطالأول متجاوزًا حوافزه الطليقة وكل ما يرتبط به. بالتالي،يجب علينا أن ننظر إلى هذين النمطين على أنهما عاملانمختلفان بقدراتهما الفردية، وأوجه قصورهما، ووظائفهما،مع ترتيبها جميعًا ترتيبًا صارمًا وفقًا لمدى تعقيدها.
النمط الثاني بطئ
من الطبيعي أن تكون مسألة المشي والتفكير في آن واحدسهلة وممتعة، ولكن يبدو أن هذين النشاطين من الأنشطةالتي تتنافس على الموارد المحدودة للنمط الثاني. ويمكنكالتأكد من هذا الادعاء من خلال تجربة بسيطة. فحينتتنزه سيرًا على الأقدام مع صديقك وتطلب منه إجراءعملية حسابية في الحال، فغالبًا ستجد أنه توقف عن السيرلإجرائها. معنى ذلك أننا نستطيع التفكير حين نتنزهسيرًا على الأقدام ولكننا لا نستطيع الانخراط في أنشطةعقلية تشكل عبئًا كبيرًا على الذاكرة قصيرة المدى. فإن
كان لا بد من حل مسألة معقدة في وقت قصير، سنفضلالتوقف عن السير والجلوس عن الوقوف. إنما بالطبع لاتتطلب كل حالات التفكير البطيء هذا الشكل من التركيزوالعمليات الحسابية المجهدة، إذ يتوقف حجم المجهود على مدى صعوبة حل اللغز.
النمط الثاني مشغول ومستنزف
يعتبر كلٌّ من التحكم في النفس والمجهود المعرفي عمليتينعقليتين. والناس الذين يواجهون تحديًا حين يتعين عليهمإنجاز مهمة معرفية في الوقت الذي يلاحقهم فيه أحدالإغواءات تتزايد احتمالات استجابتهم لهذا الإغواء. تخيلأنك مطالب بالاحتفاظ في ذاكرتك بقائمة تتكون من سبعةأرقام لمدة دقيقة أو دقيقتين، وأنك أُخبرت بأن تلك المهمةهي أولى أولوياتك، وفي أثناء تركيزك لكل انتباهك علىتلك الأرقام يُقدَّم لك طبقا حلوى تختار من بينهما (كيكالشيكولاتة الدسم وسلطة الفواكه الخفيفة). تشير الأدلة إلى
أنك من المرجح أن تختار كيك الشيكولاتة حين يكون عقلكمزدحمًا بتلك الأرقام، ويرجع ذلك إلى أن نمط التفكيرالأول له تأثير أكبر على السلوك حين يكون النمط الثانيمنشغلاً، كما أنه يميل إلى اختيار الحلوى التي تحتوي علىنسبة سكريات أكبر.
من المحتمل أيضًا أن يتخذ الأشخاص المنشغلون معرفيًاقرارات أنانية، ويستخدموا لغةً تميز بين الجنسين،ويصدروا أحكامًا سطحية في المواقف الاجتماعية، وذلكلأن حفظ الأرقام واسترجاعها يجعل النمط الثاني يفقدالسيطرة على السلوك، ولكن الانشغال المعرفي ليسالسبب الوحيد في ضعف السيطرة على السلوك بالطبع،فالاستيقاظ ليومين متواصلين، على سبيل المثال، له نفسالتأثير. فضلاً عن ذلك، يعاني أصحاب الشخصياتالنهارية من ضعف القدرة على التحكم في النفس ليلاًوالعكس صحيح بالنسبة إلى أصحاب الشخصيات الليلية،كما أن التركيز الشديد على جودة مستوى أداء المرء لمهمةما يخل بأدائها بسبب تعبئة الذاكرة قصيرة الأمد بأفكارمزعجة بلا فائدة. والنتيجة واضحة: يتطلب التحكم فيالنفس انتباهًا ومجهودًا، وبذلك فإن السيطرة على الأفكاروالسلوكيات من المهام التي يؤديها النمط الثاني.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي



