عصير الكتب

الجزء الاول من تلخيص كتاب “الاقتصاد عارياً ” تأليف: تشارلز ويلان

arm

الغوص في البحور والتنقيب في الجحور يكشف المستور

الاقتصاد السلوكي

علم الاقتصاد مثله مثل كل العلوم له حقائقه وقوانينه، إلا أن درجة تأثره بالأوضاع الاجتماعية والسياسية وتداخل علاقاته مع هذه الأوضاع غلّبت عليه صفة العلم الإنساني والاجتماعي، مما جعله يتطور بشكل متسارع ويتمخض عما يعرف اليوم ب”الاقتصاد السلوكي“.

بعد أن حقق ”الاقتصاد“ استقلاله الذاتي كعلم منفصل بفعل تعقيدات الحياة، استطاع ”الاقتصاد السلوكي“ أن يحتل المراتب الأولى بوصفه أكثر العلوم الحديثة أهمية وإثارة، وأصبحت دراسته ضرورة حتمية لفهم وتفسير أسباب الأزمات وتجنب وقوعها.
بعدما تأكد علماء السلوك والفلسفة والاجتماع من أن ”الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا“ زاد الاهتمام بعلم الاقتصاد السلوكي، الذي
يبدأ بافتراض أن القرارات الاقتصادية، مثل جميع جوانب السلوك الإنساني، تتأثر بعوامل نفسية لا عقلانية. وهنا يكشف ”الاقتصاد السلوكي“

نزوات السلوك البشري والآثار التي تخلفها من أجل تعظيم الفائدة والأرباح، وذلك بتحليل وتقييم الآلية والكيفية التي يتخذ بها الأفراد قراراتهم، تلك القرارات التي تتناقض مع النظريات التقليدية لعلم الاقتصاد.

سيكولوجية تعظيم المنفعة

يسعى الناس إلى تحسين مستواهم المعيشي من خلال تعظيم المنفعة – أي درجة الإرضاء أو الإشباع التي تُكتسب من اقتناء سلعة أو الاستفادة من خدمة، وهذه المنفعة هي هدف المستهلك – التي تعبر عن مفهوم أوسع للسعادة المُحققة على المدى البعيد. إلا أن تحديد هذه المنفعة غير مرتبط بسلة أو حزمة من الماديات التي يمكن حصرها فنحدد بذلك ماهية سلوك الإنسان، بل إن هذا السلوك ينبع في معظم الأحيان من اللاشعور الإنساني ولذا فهو غير عقلاني وغير منطقي، مما يحيرنا ويعمي أنظارنا عن دوافع ومتغيرات وتفاعلات السلوك الاستهلاكي على سبيل المثال لا الحصر.

علم الاقتصاد بشكل عام غير معني بما يمكن أن يحقق المنفعة للأفراد، مع أنه يقبل باختياراتهم وقراراتهم، على اعتبار أن لكل فرد تفضيلاته ورغباته التي يرى أنها تلتقي وتتفاعل لتعظم أولاً وقبل كل شيء منفعته الخاصة، وبالتالي يعجز علم الاقتصاد عن حصر وتحديد ماهية هذه الرغبات، لأنها رغبات متماهية وغير متناهية ولا يمكن حسابها بالكمبيوتر والورقة والقلم؛ أي من المستحيل فهمها من خلال لغة الأرقام.

لكن علم الاقتصاد يفترض ”الرشد الاقتصادي في نظرية الاستهلاك“: أي سعي المستهلك للحصول على أقصى إشباع أو منفعة ممكنة من استهلاكه للسلعة أو الخدمة بأقل تكلفة ممكنة! إلا أن هذه المنفعة التي يسعى إليها الأفراد تعني الإشباع البيولوجي والمعنوي وليس المنفعة بالمعنى القيمي لها فحسب، فكيف يمكن للنظرية الاقتصادية المجردة أن تثبت صحتها في افتراض السلوك الرشيد العقلاني للأفراد. بما أن لكل إنسان قيمه العليا التي تختلف من فرد إلى آخر، فلا يبقى أمام المعنيين بالاقتصاد ومعطياته إلا أن يفهموا هذه القيم أو يتجاهلوها! فما هو الحل هنا؟ هل هو اقتصاد السوق؟

اقتصاد السوق

تكونت الأسواق من تفاعلات الطبيعة البشرية، وأصبحت قادرة على تحفيز المستهلك لتحقيق رغباته الساعية نحو تعظيم المنفعة. لكن ما هو اقتصاد السوق؟ وما هي آليات عمله لتعظيم المنفعة؟ اقتصاد السوق هو مزيج من قانون الطبيعة ونظام الطبيعة:
❂القانون الطبيعي: هو قانون المنفعة الشخصية الذي يُسيّر النشاط الاقتصادي لأفراد المجتمع؛
❂والنظام الطبيعي: هو النظام الذي تتحقق من خلاله  حرية المبادرات الفردية التي تدخل ضمن القوانين الاقتصادية الطبيعية.
ولهذا فإن أنصار الحرية الاقتصادية أو من نسميهم ”ليبراليون“ على قناعة تامة بأن السلوك الطبيعي للفرد هو الحصول على أكبر إشباع ممكن بأقل عناء، داخل سوق حرة؛ والسوق الحرة هي التي تطالب ب”اقتصاد السوق“. أي تطالب بأن نترك السوق يعمل عمله، مكتفيًا بآلياتها الذاتية والداخلية ويده الخفية دون تدخل من زيد، أو تذمر من عبيد.

كيف تؤثر الحوافز في سلوك الافراد ؟ 

البشر كائنات معقدة، لديهم القدرة على القيام بكل ما يلزم لتحسين مستواهم المعيشي وتعظيم منافعهم. في بعض الأحيان يستطيع علم الاقتصاد توقع سلوك الأفراد، ولكن في معظم الأحيان تكون هذه التوقعات غاية في الصعوبة والتعقيد، وهذا ما يحدونا إلى تناول ”الحوافز“ والتي تعد من أهم العوامل المؤثرة في قرارات وسلوكيات الأفراد.

الحوافز عوامل خارجية تشير إلى المكافآت التي يتوقعها الفرد من قيامه بعمل ما، أي هي العوائد التي يتم من خلالها استثارة الدوافع وتحريكها. وبهذا المعنى فإن الحافز هو المثير الخارجي الذي يشبع الحاجة والرغبة المتولدة لدى الفرد من أدائه لعمل معين. وعليه فإن فاعلية الحوافز تتوقف على مدى توافقها مع هدف الفرد وحاجاته ورغباته. ولهذا فإن التفكير بالحوافز يقودنا إلى التفكير في ”المصلحة الشخصية“.
ففي عالمٍ تتباين فيه الحوافز والإغراءات، وتتسع فيه المصالح الشخصية ليصل كل منا إلى أقصى إشباع ممكن لتعظيم المنفعة، يرى ”آدم سميث“ أن المنافع والمصالح الشخصية تقودنا في نهاية المطاف إلى مصلحة المجتمع ككل! فكيف يكون هذا؟ ما الذي جناه العالم حين تحول شعار ”كلٌ حسب قدراته“ إلى شعار ”كلٌ حسب احتياجاته“؟
ألم يتفاقم الوضع بسبب غياب ”كفاءة الأداء“ ليصل في بعض الدول إلى ”مجاعات جماعية“ ناجمة عن غياب العدل وطغيان المصالح الشخصية على المصالح العامة؟ فمن الذي يراقب ويتأكد ويضمن أن تجتمع المصالح الشخصية كلها على غاية فضلى ومطلب نبيل لتصب كلها في المصلحة العامة؟

أي نظام لا يعتمد على قواعد وقوانين وإجراءات تنظم عمله داخل السوق، تتغول فيه المصالح الشخصية وتلتهم كل أشكال ومعاني ونتائج الإنتاجية وبالتدريج. لذلك فإن النظم الفعالة تعتمد نهجًا يتحكم بالحوافز ويوظفها بالشكل الذي يقود إلى النتائج والأهداف المرجوة. أما النظم التي تتجاهل ضرورة توجيه الحوافز وترشيدها، فإنها تفترض الرشد المطلق للسلوك، وهذه لن تصل أبدًا إلى مُبتغاها.

نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى