عصير الكتب

الجزء الثالث من تلخيص كتاب “اقتصاد "الكفاية " ” تأليف: دايان كوييل

khul_0494_2012_20_book

ضرورة تحديد قياسات دقيقة للموارد والثروات الطبيعية

الأمر يبدأ برصد أوضاع المجتمع البشري والبيئة الطبيعية، وجمع البيانات والمعلومات اللازمة عن مجتمعاتنا وأنظمتنا الاقتصادية، ثم تحليلها، ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة بناء على هذه التحليلات. ولا شك أن تكنولوجيا المعلومات، والبرمجيات، وقواعد البيانات المتاحة عبر شبكة الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي تيسر هذه المهمة.

وللقياسات جوانب عديدة: قياس إجمالي الناتج المحلي، بقياس تدفق الدخل الاقتصادي السنوي، بالاعتماد على عدد هائل من الإحصائيات التي تمكن من قياس مستويات التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

النمو الاقتصادي أمر ضروري لضمان الرعاية الاجتماعية وتحقيق الرخاء والرفاهية لأفراد المجتمع، ولكن هناك أشياء أخرى لا تقل أهمية في هذا الشأن، يجب على الحكومات أن ترصدها أيضًا. إلا أن الطريقة التي يقاس بها إجمالي الناتج المحلي لا تتماشى مع الطبيعة المتغيرة للأنظمة الاقتصادية، ولا مع عناصر النمو الاقتصادي غير الملموسة؛ ومن ثم، يجب لكي تكون القياسات دقيقة
أن تشمل الأنشطة التي تُجرى خارج نطاق اقتصاد السوق (الاقتصاد الحر) مثل الأنشطة الناشئة عن مختلف أنواع العمل من المنزل.

ولا بد أن يدخل قياس قيمة الثروات بشتى أشكالها الثروات الطبيعية ورأس المال البشري والاجتماعي، والأموال ضمن قياس إجمالي الدخل؛ فالميزانية العمومية تكون على نفس الدرجة من الأهمية مثل التغيرات السنوية.

وهنا تظهر أهمية دور خبراء الاقتصاد والإحصاء، حيث يجب أن تنصب جهود الإحصائيين على جمع البيانات وإعداد إحصائيات دقيقة وحديثة، وأن ينكب الاقتصاديون على إعداد الأبحاث والدراسات التي تشرح المفهوم الشامل للثروة وعناصرها، لما لهذه الدراسات والأبحاث والإحصائيات من أهمية قصوى في صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وتقدير قيمة المعاشات والإعانات والخدمات الاجتماعية المستقبلية، وتقدير إنتاجية الخدمات والأصول المعنوية (مثل الشهرة والاسم التجاري للمؤسسات).

بناء علية :

❂ يجب تركيز الاهتمام على تخصيص المزيد من الأموال  للإنفاق على الأبحاث والدراسات الإحصائية التي تحمل أفكارًا مبتكرة لأساليب جمع بيانات ومعلومات دقيقة عن الثروات الشاملة بكل أشكالها، وأساليب إعطاء تقديرات دقيقة لقيمة الأصول المعنوية؛
❂وإلى أن تتوافر هذه الحسابات الدقيقة للثروة الشاملة،  يجب أن تضع الحكومات، بالتشاور بين جهاتها ومسؤوليها، مجموعة واسعة النطاق من المعايير لقياس النمو والتقدم الاقتصادي؛
❂يجب أن ينشر ما تم التوصل إليه من تقديرات صحيحة لعبء الديون الحكومية شاملة المعاشات والإعانات والخدمات الاجتماعية المستقبلية التي تدخل ضمن الالتزامات والأعباء الواقعة على عاتق الحكومات.

العناصر التى يجب أن تخضع للقياس والتقييم 

يجب أن نحدد الأشياء التي يجب تقييمها في إطار النظم الاقتصادية التي يخضع هيكلها وبنيتها لتغييرات جوهرية، ذلك لأن القياسات الدقيقة في حد ذاتها ليست هي التي ستؤدي إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والوصول بالمجتمعات إلى الرخاء والازدهار.

والسؤال هنا: ما المؤشرات المختلفة التي يجب على واضعي السياسات أن يركزوا اهتمامهم عليها؟ وكيف يقيمون وحدات القياس؟ كانت ”الأسواق“ إلى عهد قريب تعتبر أهم معيار للتقييم، حيث تعكس بصورة آلية المعلومات والحقائق الاقتصادية، واختيارات الأفراد التي يتم على أساسها جميعًا الموازنة بين العرض والطلب؛ وقد وصف ”آدم سميث“ السوق باعتباره معيارًا للتقييم ب”اليد الخفية“.

على مدى السنوات العشرين التي تلت الحرب الباردة وسقوط الشيوعية، كانت آليات السوق بالنسبة إلى جيل هذه الفترة هي الأداة الواضحة التي تضمن لهم تسيير الأوضاع الاقتصادية بأمان، ولم تكن مسألة القيمة والتقييم مثارة في ذلك الوقت.
لأسباب معروفة، هدأت بمضي الزمن الخلافات الأيديولوجية التي كانت قائمة بين الشيوعية والرأسمالية؛ ففي غالبية الدول اعتمدت الأحزاب السياسية على كفاءاتها واختصاصاتها بدلاً من أيديولوجياتها للاستمرار في العمل السياسي.

ومن ثم ساد هذه الفترة استقرار في الأوضاع الاقتصادية؛ إذ لم يتخللها فترات ركود أو أزمات مالية، مثلما كان يحدث في الدول النائية التي كان من الصعب على مجتمعاتها الوصول إلى الأنظمة الاقتصادية الحديثة، بل سادت فترات الرخاء والازدهار. كان ذلك الازدهار بمنزلة الوثيقة التي منحت التأييد والشرعية للأصوات التي كانت تنادي بتطبيق اقتصاد السوق الحر الذي أخذ يجلب
معه النمو والتطور والعولمة ومعجزة النظام الاقتصادي الصيني.

ولكن، بدأت تطفو على السطح أحداث تُذكِّر بأكبر الأزمات المالية والاقتصادية التي حدثت في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، وهي التي أطلق عليها ”الكساد الكبير“؛ حيث أصبحت الأرباح المتوقعة من الأسواق مشكوكًا فيها، ومن ثم، ساد شعور بأن الأسواق الحرة لم تعد هي الوسيلة المثلى لتنظيم الهياكل الاقتصادية، وتحديد قيمة الأشياء والخدمات، وبدأ الكثيرون يرون أن الأصوات المناهضة للعولمة والرأسمالية كانت هي الآراء السديدة، وأصبح السؤال المطروح: كيف يمكن تحديد القيمة لكل ما يجب
أن تتحدد قيمته؟ هل نحن مجبرون على الاختيار بين ”انعدام الكفاءة“ (الذي تتسم به الحكومات في إدارة الأنظمة الاقتصادية) وبين ”انعدام الأخلاق“ (الذي تتسم به الأنظمة الاقتصادية التي تعتمد على الاقتصاد الحر)؟ إن هدفنا من تقديم هذه الخلاصة هو أن نساهم في وضع إطار محدد للدراسات التحليلية التي تتناول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي بكل ما تتطرق إليه هذه الدراسات من تحديات، فإذا ما نظرنا إلى هذه التحديات في مجملها، سنخلص إلى أنه بات واضحًا أن النهج الذي سلكته الأنظمة
الاقتصادية بالدول المتقدمة في زمن الجيل الماضي لا يمكن ولن يمكن له أن يستمر، ومن ثم، السؤال الذي يلزم إيجاد الإجابة عنه: كيف يمكننا، أفرادًا ومجتمعات، إدارة التغيير إلى الأفضل لكي نتجنب الأزمات المالية وانهيار الأنظمة الاقتصادية، بل والنكبات المفجعة التي قد تحدث نتيجة اللامبالاة وعدم الشعور بالحاجة الماسة إلى تغيير النهج.

لن تتم إدارة التغيير إلا من خلال الدراسات التحليلية التي تشارك فيها المجتمعات التي تجمعها أواصر مشتركة؛ فإذا نظرنا إلى الهياكل السياسية القائمة سنجد أنها تفتقر إلى الكفاءة في أدائها، إذ إن رجال السياسة المنتخبين، وكذلك المسؤولين الحكوميين أثبتوا فشلهم في تطبيق أية سياسات مركبة أو محبوكة.

وأسباب ذلك الخلل في الأداء السياسي عديدة، منها: تمزق النسيج المجتمعي الذي يجعل الوصول إلى اتفاق جماعي في الرأي أمرًا عسيرًا. أما السبب الأهم فهو عدم ملاءمة الهياكل التنظيمية الحكومية ذات التسلسل الهرمي التي توارثناها عن الأجيال السابقة مطلقًا للعصر الحالي.

القادة السياسيون أنفسهم يعترفون بأن هناك حاجة إلى ابتكار أساليب جديدة للتواصل مع المواطنين، بل إن هناك منهم من يخوض بالفعل تجربة انتهاج مثل هذه الأساليب في دول مختلفة. على الرغم من أن القادة والمسؤولين السياسيين الذين وصلوا إلى مناصبهم بالانتخاب لا يحظون بالتقدير الفائق من شعوبهم، فإن الانتخاب يظل المصدر الرئيسي لاكتساب الشرعية، ولكن تظل أيضًا الخبرة السياسية والتواصل مع الشعوب والاهتمام بالصالح العام، مصادر مهمة لكي يظل هؤلاء الساسة متمتعين
بالشرعية السياسية. ولعل هذا هو السبب الذي جعل بعض الأكاديميين ومراكز الأبحاث والدراسات يستحوذون على المناقشات والمناظرات السياسية، حيث إنهم مهمومون بمستقبل الأجيال القادمة وبجميع التحديات التي ذكرناها آنفًا. ربما يبدو الأمر صعبًا ومعقدًا، فالدول صاحبة الأنظمة الاقتصادية المركبة المستحدثة تحتاج إلى منظومة كاملة من المؤسسات، ونحن جميعًا في حاجة إلى تغيير منهجنا الفكري لتغيير القوالب الراسخة في عقولنا عن التنظيم والهياكل التنظيمية.

إجراءات تساعد الحكومات على مواجهة التحديات الاقتصادية 

1- الاهتمام بالهيئات المسؤولة عن إعداد ونشر الإحصائيات الرسمية وبخاصة تلك المتعلقة باقتصاد الدولة، والحصول على التدريبات والاستشارات اللازمة في هذا الشأن وبخاصة من الحكومات المتقدمة في هذا المجال بشأن المؤشرات الاقتصادية التي يجب أن تستخدمها الحكومات لجمع إحصائيات دقيقة عن إجمالي الناتج المحلي؛

 2- التحقق من أن هذه الهيئات الإحصائية تحصل على كل ما يلزمها من موارد مالية، وأنها ستتولى مهمة نشر هذه الإحصائيات، وبخاصة تلك المتعلقة بعبء الديون الحكومية لكي تكون الأجيال القادمة على علمٍ به، على أن تكون هذه الإحصائيات شاملة الدخول الناتجة عن الأنشطة غير الملموسة مثل الأعمال التي تمارس من المنزل؛
3- وضع السياسات واتخاذ الإجراءات اللازمة لتشجيع الأفراد على الادخار؛
4- وضع الأنظمة الضريبية التي تشجع الاستثمارات؛
5- تخفيض النفقات الحكومية لصالح تطوير مستوى الخدمات
العامة؛
6- سد الفجوة الهائلة والتفاوت الحاد بين الدخول؛
7- إشراك المواطنين في وضع السياسات الحكومية عن طريق التواصل معهم عبر الإنترنت؛
8- إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقات دولية لمعالجة مخاطر التغيرات المناخية والحد من تفاقمها، يكون على الدولة أن تضع السياسات اللازمة للتعجيل بمعالجة هذه الإشكالية.

نقلا عن www.edara.com
هذا المحتوي تم نشره علي جريدة “عالم التنمية
برعاية أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و “المنظمة الدولية للاعلام العلمي”
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى