عصير الكتب

الجزء الثاني من تلخيص كتاب “اقتصاد "الكفاية " ” تأليف: دايان كوييل

khul_0494_2012_20_book
الادخار فى الموارد الطبيعية وتقليل الانفاق الاستهلاكي 
إن أفضل إرث نتركه للأجيال القادمة ونعمل جاهدين على ادخاره واستثماره من أجلهم هو الموارد الطبيعية أو الثروة البيئية التي تملكها دول العالم، فهي التي تضمن استدامة النمو الاقتصادي؛ فكل ما ندخره اليوم سيضمن للأجيال القادمة، على الأقل، موردًا ماليًا بنفس القيمة التي ورثناها نحن من الأجيال الماضية، وبخاصة تلك المتمثلة في الثروات الطبيعية.
والسؤال الآن هو: ماذا يعني أن نترك للجيل القادم على الأقل أموالاً وموارد مالية تعادل نفس القيمة التي ورثناها عن الجيل السابق لنا؟ وكيف يمكن قياس حجم وقيمة الثروات الطبيعية؟ وكيف يمكن استثمارها وحسن استغلالها على النحو الذي يضمن للأجيال القادمة استدامة الازدهار الاقتصادي؟ الواقع أن حساب قيمة الثروات الطبيعية ليس بالأمر اليسير لأن الأسواق تبخس قيمة العديد من الثروات الطبيعية؛ حيث يوجد العديد من العوامل الخارجية التي تضع العراقيل أمام حقوق الانتفاع بالموارد الطبيعية، والفاتورة لا تتحملها إلا الشعوب، وبخاصة الأجيال القادمة! وهذا يعني أن الثروات الطبيعية، مثل الثروة السمكية، المتروكة في البحار والمحيطات دون حسن استغلال أو استثمار، ستنفد من فرط النهل منها في ظل انعدام وجود اتفاقات مشتركة أو أفراد مسؤولة تتحمل أمانة هذه الثروات وتتولى رعايتها وتنميتها والحد من استنفادها، الأمر الذي يؤثر سلبًا على نمو اقتصاديات الدول المتقدمة التي دائمًا ما تلهث وراء فرص استغلال الموارد الطبيعية.
إذن، غياب آلية محددة لتقييم الثروات البيئية الطبيعية وإعطاؤها قيمة مالية دقيقة توازي قيمتها الحقيقية، يفاقم المشكلة ويضعنا أمام إشكالية مزدوجة الجانب: فمن ناحية، هذه الثروات تستهلك بلا حساب إلى حدٍّ سيؤدي بها إلى النفاد، ومن ناحية أخرى، نحن عاجزون عن إيجاد آلية ميسرة لتحديد حجم وقيمة هذه الثروات تحديدًا دقيقًا.
الحل في يد المؤسسات؛ ونعني هنا بالمؤسسات: الأسواق من جانب، والهيكل التنظيمي الحكومي والسياسي من الجانب الآخر؛ فهي المنوط بها مسؤولية التصدي لذلك التحدي.
3– الأجيال القادمة عاشت أجيال ما بعد الحرب العالمية فترة الحرب الباردة وخاضت تجربة العيش في ظل مشاعر الرعب من الإبادة بفعل الأسلحة النووية، الأمر الذي علمهم كيف يضمنون لأنفسهم الأمن والأمان، وبخاصة الأمن الاقتصادي وذلك عن طريق الاعتماد على الموارد الطبيعية مثل الطاقة الناتجة عن الكربون، دون إحداث تأثيرات بيئية سلبية يصعب معالجتها باستخدام آليات السوق المتعارف عليها، وقد تأثرت هذه الأجيال أيضًا بمبادئ ”بسمارك“، المستشار ورئيس الوزراء الألماني في فترة الثمانينيات من القرن التاسع عشر، عن الضمان الاجتماعي، حيث وضع في عهده أول نظام للتأمين الاجتماعي، الذي يوفر المعاشات للمتقاعدين، وقد اتسع نطاق انتشار هذه المبادئ بعد انتهاء . الحرب العالمية الثانية في عام 1945 والحقيقة الواضحة الآن هي أننا تعدينا وما زلنا نتعدى بلا حساب على نصيب الأجيال القادمة من الموارد والثروات الطبيعية والبشرية بحيث لم يعد من الممكن القول بأن الأجيال القادمة ستكون أفضل حالاً منا، فنحن لم نستنفد فقط ما يجب تركه لهم، بل سنورثهم أوضاعًا ومستويات معيشية أكثر سوءًا، وديونًا طائلة، وتغيرات بيئية لا يُعرَف مداها.
أما عن الديون، فهي مؤشر يعني أن الالتزامات المالية والاجتماعية استنفدت كل الموارد المخصصة لها إلى الحد الذي دفع إلى الاستدانة، الأمر الذي تحول إلى أزمة مالية أدت إلى تفاقم مديونيات الغالبية العظمى من حكومات الدول صاحبة الأنظمة الاقتصادية الرائدة. إلا أن هذه الديون كانت أشبه بجبل الجليد المختفي تحت سطح مياهٍ عميقة لا يظهر منه سوى قمته؛ فعبء الدين مضاعف، إذ إن هذه الحكومات عجزت أيضًا عن الوفاء بوعودها بدفع المعاشات والتأمين الصحي وغيرهما من المزايا للمتقاعدين والعاجزين عن العمل، وهي المنوط بها مهمة الرفع من مستوى معيشة مواطنيها، وخصوصًا كبار السن والمتقاعدين، ولكن ليس عن طريق الاقتراض، بل من إيرادات الضرائب الجارية، ولكن التغير الديموجرافي يجعل ذلك أمرًا مستحيلاً. مما سبق يتضح أن لإشكالية العجز عن استمرار النمو الاقتصادي بُعدين: استنفاد الموارد البيئية والثروات الطبيعية، والتعدي على نصيب الأجيال القادمة من هذه الموارد والثروات بما يحملهم عبء الديون الهائلة الحالية والمستقبلية، وهذا يعني أن الأجيال الحالية في الدول الغنية تعيش في مستوى أعلى كثيرًا من إمكاناتها، وكذلك سيكون الحال بالنسبة إلى الأجيال المستقبلية، الأمر الذي يقتضي اتجاه هذه المجتمعات إلى العمل على زيادة الادخار وتقليل الإنفاق؛ فالإفراط في الاستهلاك، وعدم الاقتصاد في النفقة تحسبًا للمستقبل، كلاهما وجهان لعملة واحدة؛ فاقتصاديات الكفاية تقتضي التعجيل الفوري بالعمل من أجل المستقبل.
4– المساواة هل الشعور بالمساواة والعدل شعور غريزي جُبِل عليه الإنسان، أم أن الأنانية والتصارع طبيعة بشرية؟ ما أحوجنا
في هذا العالم إلى سيادة العدل والإنصاف والمساواة، عدل الفاروق عمر رضي لله عنه القائل: ”العدل أساس الملك“؛ فالتفاوت الحاد في مستوى الدخول ومستوياتالمعيشة وعدم تكافؤ الفرص فيما يسمى التفاوت الطبقي أو الاجتماعي كفيل بتقويض النظام السياسي، والنظام الاقتصادي من حيث معدل النمو الكلي، ومستويات رخاء وازدهار أفراد المجتمع؛ ففي بعض الدول بلغ ”التفاوت الطبقي“ مداه إلى حدٍّ أدى إلى انهيار المجتمع والنظام الاقتصادي، مثلما حدث في ”الولايات المتحدة“ و”المملكة المتحدة“، فقد بلغ السيل الزُّبَى في هذه الدول من أشكال انعدام العدل والمساواة التي تتبدى في حصول المصرفيين على العلاوات والمكافآت والمزايا التي يمنحونها لأنفسهم دون أن تفرض عليها أية ضرائب.
يقول العالم الاقتصادي الشهير ”آدم سميث“ إن التصرفات التي تنم عن العفة والفضيلة والاستقامة إنما تنبع من مكنون نفس أصحابها الذين يتصرفون بتلقائية وفقًا لما تمليه عليهم فطرتهم السليمة دون أن يكونوا مدفوعين بأية حسابات أو اعتبارات أخلاقية، إلا أنه في عالم المال والأعمال والأنظمة الاقتصادية تختلف المعايير والمبادئ والتصرفات والدوافع على نحو يبتعد كثيرًا عن هذه
التلقائية وعن هذه النفوس الصافية الغنية بفضائلها الكريمة التي لا شك من بينها العدل والإنصاف والإيثار، إذ لا تسود
سوى لغة المصالح الشخصية والأنانية والوصولية، فهي وحدها الدوافع وراء تصرفات الأفراد. العديد من علوم الاقتصاد تسعى إلى معرفة العائد المجتمعي الذي يمكن أن يعود من العديد من القرارات الفردية التي تتخذ لتحقيق مصالح فردية أيضًا، من منطق الأنانية، دون اعتبار لمصالح الآخرين، ففي اقتصاديات السوق الحر يمكن في كثير من الأحوال التنبؤ بدقة ما سيحدث، حيث ترتبط قرارات بعض الأفراد والشركات بقرارات شركات أخرى كبرى أو شخصيات مؤثرة اقتصاديًا. وفي كل الأحوال نجد أن قواعد اللعبة تقتضي دراسة ومراقبة التفاعل بين الأفراد أو المشاركين في اللعبة سواء كانوا متعاونين بعضهم مع البعض الآخر أم لا. الإشكالية
الرئيسية هنا ليست في وجود مجموعة من الأفراد تسعى إلى مصالحها الشخصية، وإنما تكمن في أن أصحاب المصالح في هذا العالم يبررون مصالحهم الشخصية بأنها السعي إلى المصلحة العامة التي تقوم على الأمانة وحب الإيثار!
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثالث إضغط هنا
هذا المحتوي تم نشره علي جريدة “عالم التنمية
برعاية أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و “المنظمة الدولية للاعلام العلمي”
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى