مكارم الأخلاق ورهان التنمية المستدامة

د.سناء عبد الرحيم
في أدبيات التنمية الحديثة، انصب التركيز لعقود طويلة على المؤشرات المادية: معدلات النمو، الناتج المحلي، والبنية التحتية الصلبة ولكن، ومع تعقد الأزمات العالمية، بدأ خبراء الاقتصاد وعلم الاجتماع السياسي في إعادة اكتشاف الحقيقة الغائبة؛ وهي أن التنمية بلا أخلاق هي بناءٌ بلا أساس، ومحركٌ يفتقر إلى زيت التشحيم الذي يمنع التصادم والتآكل..
إننا حين نتحدث عن مكارم الأخلاق في عالم التنمية، فنحن لا نتحدث عن وعظٍ مجرد، بل نتحدث عن كفاءة تشغيلية. فالمجتمعات التي تسود فيها قيم الأمانة والصدق والمروءة والإتقان هي الأقدر على خفض “تكاليف المعاملات” . فالثقة المتبادلة بين المسؤول والمواطن، وبين المستثمر والعامل، هي التي تختصر البيروقراطية وتعزز تدفق الرساميل.
إن العدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي ضمانة للسلم الاجتماعي الذي بدونه لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يستمر أو يؤتي ثمره، ومن هنا، تصبح مكارم الأخلاق هي البنية التحتية الناعمة التي تسبق وتواكب رصف الطرق وبناء المصانع.
لا ترتبط الأخلاق بزمان غابر أو بيئة بسيطة، بل هي أشد ما تكون حاجةً في ميادين الحداثة والمعاصرة، في عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ، تصبح قيم مثل المسؤولية الأخلاقية والنزاهة العلمية هي المعيار الوحيد لمنع تحول التكنولوجيا إلى أداة للهدم.
إن مكارم الأخلاق تمتد لتشمل كافة الأعمار؛ فهي للطفل بوصلة هوية، وللشاب طاقة بناء، وللمسؤول ميزان قرار. إنها العروة الوثقى التي تربط بين الأجيال، وتجعل من التنمية عملية تراكمية مستدامة .



