عصير الكتب

الجزء الثاني من تلخيص كتاب "الحكمة العملية "تأليف: باري شوارتز وكينيث شارب


القوانين وحدها لا تكفي
لا تقدم الأنظمة والقوانين التي نضعها لتنظيم نشاط ما، أكثر مما تقدمه الحوافز. المطلوب من هذه القواعد واللوائح أن توجه سلوك الموظفين غيرالحكماء وأن تراقبهم. فكان من أسباب الكارثة الاقتصادية الأخيرة التي أصابت الجميع؛ ضعف الرقابة والسماح وتطبيق القوانين ببشكل انتقائي وأناني مما ممكن بعض العاملين في القطاع المالي من اختلاس الأموال. لكن وجود قواعد أكثر حزمًا– رغم ضرورتها – ليس بديلا كاملا للحكمة التي نتحدث عنها. ينصحنا ”أرسطو“ بأن نضع قوانين تحمينا في حالات الكوارث، إلا أن القواعد والقوانين غير الحكيمة تبقى ”عمياء“ وتشجع الناس على كسرها ليصبحوا خارجين عن القانون، أو أعضاءفي مافيات وعصابات!
أدوات الحكمة
رغم أن ”أرسطو“ هو رائد ”الحكمة العملية“، إلا أن الكثير قد تغيّر منذ القرن الرابع قبل الميلاد وحتى اليوم! فما كان بوسع ”أرسطو“ أن يتخيل عالمنا
المُعاصر بكل تعقيداته والذي صار بحاجة ماسة لممارسة الحكمة العملية أكثر مما سبق. تتطلب الحكمة اليوم قدرًا وافرًا من التفكير والمرونة والإبداع والتقمص العاطفي عند التعامل مع الآخرين؛فهل نحن على استعداد لاختيار هذا المسار؟ تشير الدراسات النفسية إلى أن الإنسان يُولد مزودًا بطاقة استيعابية كثيفة وسخية تمكنه من أن يكون حكيمًا،فالمادة الخام للحكمة موجودة فينا بالفطرة، غير أنها بحاجة إلى تطوير. هذه الطاقة والقدرة الكامنة ينبغي أن تتطور بالخبرات الصحيحة المكتسبة.
الصفات الطبيعية والأطر والقصص والحالات والحكايات والتجارب هي الأدوات والوسائل التي ننظم بها عالمنا. نحن نفعل ذلك بفطرتنا وطبيعتنا ودون مجهود، وهي وسائل نافعة ومفيدة. فهي تجعلنا قادرين على قراءة السياقات والمتغيرات التي يتطلبها تطبيق الحكمة العملية. العالم مليءبالمساحات الضبابية، ولكن سماتنا الطبيعية أهلتنا للرؤية الصائبة. تساعدنا الأطر الاجتماعية على فهم العلاقات الإنسانية. أما الأحداث المتفرقةوغير المتكررة فتحدث باستمرار على مدى حياتنا، والقصص والتجارب تهيئنا لنكون أكثر تقديرًا للحياة وفهمًا لما تحمله لنا.نحن نتعلم كيف نُصنَّف الأشياء وكيف نضع القواعد، ثم كيف نعيد التصنيف ونغير الأطر، من خلال تجاربنا وخبراتنا ومن خلال التواجد حول النموذج المثالي للإصلاح وتصحيح الأخطاء. قد يبدأ المعلِّم الشاب مثلاً بتطبيق مبدأ سام لكنه قاس مفاده: ”معاملة كل التلاميذ على حدء سواء“. وقد يعمل الطبيب الشاب بمبدأ إطلاع المريض على كل ما يتعلق بحالته المرضية دون إخفاء شيء عنه. وبعد حين يجد المعلِّم والطبيب أنهما ساذجان من منظور الخبرة؛ سيكتشف المعلِّم أن معاملة التلاميذ على قدم المساواة لا تقوم على أساس صحيح من زاوية الأهداف المبتغاة، وكذلك الطبيب سيعرف أن قول كل شيء للمريض ليس مطلوبًا، وحينها سيطوران قواعد وأطرًا جديدة ومختلفة، وستعمل الخبرة عملها لتحديد مفاهيم أكثر صحة وصوابًا عن الأمانة والعدالة. هذه الأمثلة سوف تثري خبراتهما، فالحكمة ليست تلقائية، بل تغذيها الخبرة التي تشكل المادة الخام التي نحتاجها.
فك القيود والإنطلاق بلا حدود
التفكير المنهجي – في حقيقته – تصور مسبق ناتج عن الخبرة الماضية وعن التفكير النمطي ضمن أطر معروفة؛ أما التحول المنهجي فيعني التفكير بطريقة جديدة تكسر القولبة التي تعوّدناها وألفناها في الماضي وتُغير مفاهيمنا القديمة. يعمل هذا التحول على تحسين نظرتنا للأمور؛ لأن سلوكنا ينتج عن نظرتنا الجديدة إلى العالم؛ فأقوالنا وأفعالنا هي نتيجة طبيعية لما نراه.القوانين والمبادىء العادلة تشجع الناس على النظرةالمحايدة، ومعاملة الجميع بذات الطريقة، والتعامل في الحالات المتشابهة بنفس الأسلوب. وهكذا تحمينا هذه القواعد من الوقوع فريسةً لعواطفنا؛ لأن العواطف قد تسلبنا بعضًا من قدرتنا على إصدار الأحكام الصائبة. يتلقّى طلبة الطب تدريبًا يتعلمون خلاله كيف يتعاملون مع الحالة المرضية بموضوعية وبمنتهى الحكمة والعقل دون أن يتأثروا برغبات المريض ومخاوفه وآلامه. ويتعلم المحامون كيف يساعدون عملاءهم ليتغاضوا عن غضبهم الذي قد يتسبب في اتخاذهم لقرارات خاطئة، وكيف يدلونهم على أفضل الطرق لتحقيق مصالحهم. هذه هي ”القصةالرسمية“ لحقيقة مشاعرنا، غير أن خبرتنا تمنحنا فرصةً لنروي ”القصة“ بشكل مختلف. فعلى الرغم
من وجود أسباب وجيهة للاحتراز من المشاعر التي يولدها التعاطف، فإن الشخص الحكيم يعتمد عليها. فقصة الأب الذي قابله ”كوفي“ لم تستبدل العقل بالعاطفة؛ بل استبدلت عاطفة بعاطفة أخرى، وهذا ما جعل ”كوفي“ يغيّر نظرته إلى الأمر. خلال العقودالماضية، تعلّمنا من علم النفس الكثير مما يوضح أن ثمة تحالفًا بين الفكر والعاطفة. لقد وفّر ذلك دعمًا قويًا لاستنتاجاتنا التي نخلص إليها يوميًا خلال تفاعلنا. تعلّمنا كيف تؤثر مشاعرنا على أحكامنا،وتعلمنا كيف تدفعنا العواطف للتصرف بشكل دون آخر؛ فبدون مشاعر يقظة وواعية، لن يكون هناك حكم أو قرار صائب وحكيم.
قيمة التفهم والتفاهم
وجود القدرة على التعاطف وتفهم مشاعر الآخرين لا يعني بالضرورة استخدامها، فقد تقوم المؤسسات بإحباط مشاعر التعاطف، وتشجيع مشاعر بديلة مثل الخوف والقلق من عدم إرضاء الرؤساء. ومن شأن ذلك أن يحد من قدراتنا على ممارسة الحكمة العملية،ولن يتمكن الأفراد من تنمية وتطوير المهارات الأخلاقية اللازمة لمراعاة مشاعر الآخرين. وبالتالي، لن يتمكنوا من ممارسة أعمالهم بصورة صحيحة نتيجة غياب الحافز والتشجيع اللازم. ولكن لا يجب أن يكون ذلك كذلك، إذ يمكن فصل المنطق عن العاطفة على نحو يجنبنا للتفكير في كيفية تأثُرالقلب بالعقل.
تشير دراسات الذكاء الانفعالي إلى إمكانية تحقيق ذلك نتيجة قدرة الأشخاص على تعلُّم الذكاء الانفعالي.
 
فيمكنهم تعلم مهارة التعرف على مشاعرهم ومشاعرالآخرين، من خلال كلمة أو نبرة صوت أو حتى نظرة. ويمكنهم أيضًا تعلُّم كيفية التحكم في مشاعرهم لتحقيق أهدافهم والقيام بالمسؤوليات ذات الصلة. كذلك يمكنهم تعلُّم الفروق البسيطة بين المشاعر: بين السعادة والبهجة، وبين الغضب نتيجة الظلم والغضب نتيجة الأنانية. ويمكن أيضًا تعلُّم كيفية ضبط الانفعالات – سواء انفعالاتهم أو انفعالات غيرهم – بحيث يهدأوا إن بالغوا في انفعالاتهم أو يزيدوا حدتها إن كانت لا تتلاءم مع خطورة الموقف. لكننا لا نتعلم ذلك فقط باتباع بعض الخطوات أو تنفيذ بعض التعليمات؛ فالتوافق بين العقل والعاطفة هو فقط القادر على تطوير الحكمة العملية. وبينما نحاول فهم ما يدور بداخلنا أو داخل الآخرين، نخطئ أحيانًا ثم نتدارك الأمر ونعيد تقييم مواقفنا بناءً على خبراتنا السابقة. ونحن بحاجة إلى خبرات تشجعنا على هذا النهج.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثالث إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى