الجزء الأول من تلخيص كتاب “قداسة الأعمال اليدوية ” تأليف :ماثيو كروفورد

“قداسة الأعمال اليدوية ”
استخدم مهاراتك اليدوية
هناك موظفون يجلسون وراء مكاتبهم طوال ساعات العمل، منعزلين تمامًا عن العالم، ولا يستطيعون وصف العمل الذي يؤدونه طوال اليوم. وعلينا أن نذكِّر هؤلاء بأهمية الأعمال اليدوية باعتبارها ضربًا من ضروب الإنجاز، ودربًا من دروب الحياة التي يجب أن نسلكها ونفتخر بالسير فيها. فما نقدمه لكم اليوم هو نداء للاعتماد على الذات بحيث نعيش حياتنا على أرض الواقع الملموس في عالمنا النظري والخيالي الذي تسوده المفاهيم المجردة.
تختلف الحِرَف والمهن اليدوية عن الأعمال المكتبية والإدارية والأكاديمية كثيرًا، إذ يتطلب العمل اليدوي صبرًا وعقلاً متيقظًا ودقيقًا.
كما تتخلله لحظات من المتعة والسعادة فيشعر الإنسان بالرضا الداخلي لأنه يواجه العديد من التحديات المحفزة ويتفاعل مع البيئة المحيطة. وهذه المهن مضمونة لأنها لا يمكن أن تندثر ولا تتطلب الاستعانة بعمالة منافسة من الخارج، وهي تربطنا بالمجتمع الذي نعيش فيه.
من ناحية أخرى، تقتل أماكن العمل الحديثة حواسنا ومهاراتنا الأصلية وتستنزف طاقاتنا. هذا غير أن نظم التعليم الحديثة دمرت الطبيعة التي فُطرنا عليها ككائنات كانت تزرع ما تأكل وتصنع ما تستخدم. ففي تسعينات القرن العشرين، أُلغيت حصص الصيانة
في المدارس الأمريكية لأن المعلمين بدؤوا يؤهلون الطلاب للتسلح بالمهارات العقلية بدلاً من المهارات
اليدوية.
كان إلغاء مثل هذه الحصص من النظام التعليمي هو الخطوة الأولى نحو تجاهل الصناعات اليدوية والتآمر عليها. يتجلى هذا في التوجه نحو الهندسة في السنوات الأخيرة بهدف إخفاء تركيب المنتج الصناعي ومكوناته عن الأعين، فصارت معظم الأجهزة والمعدات التي نستخدمها ونعتمد عليها كل يوم غريبة الشكل بصورة يستحيل على المستهلك فهمها أو فك شفراتها. لتتأكد من ذلك، جرب أن ترفع غطاء إحدى السيارات الحديثة وستجد محركها غاية في التعقيد وبلا تفاصيل معروفة أو ملامح مميزة، مما
يجعلك تخشى تفكيكه أو التعامل معه وحدك فتضطر إلى اللجوء إلى مراكز الصيانة أو أحد المتخصصين وتُحرَم بذلك من متعة إصلاحه أو صيانته بيديك.
تراجع الإبداع
ينذر التراجع في استخدام مهاراتنا اليدوية بحدوث تحول خطير في علاقتنا بما نملك، لتصبح هذه العلاقة سلبية واتكالية. وفي الواقع، صار من النادر أن نشعر بالحماس عندما نبدأ في صنع أو إصلاح الأشياء بأنفسنا. فبعد أن كان الإنسان يصنع أشياءه وأدواته بنفسه، صار اليوم يشتريها؛ وبدلاً من أن يصلحها بنفسه لو أصابها عطل، صار يستبدلها بأخرى أو يستعين بخبير يغيّر له الجهاز بأكمله لمجرد أن خللاً بسيطًا أصاب مكونًا واحدًا صغيرًا فيه.
على الرغم من أن المهارات اليدوية لن تبليها الأيام، فإننا كمنتجين أو كمستهلكين لم نعد نستثمرها، بل صار مجرد الحديث بحماس عنها أو الترويج لها يعني فقدان الهيبة والاحترام ممن يعتبرون أنفسهم ”عمليين وواقعيين“. مثل رجل الاقتصاد الذي يرى
أن تصنيع ما يمكن شراؤه جاهزًا فيه مضيعة للوقت، أو المدرس الذي يرى أن تعليم الأطفال الأشغال اليدوية أمر ينم عن الاستهتار وعدم المسؤولية.
ولكن يجب أن تكون لنا وقفة صادقة مع أنفسنا لنراجع مدى واقعية هذه الآراء وما إن كانت تنم عن مثالية غير واقعية تقود الأطفال والشباب إلى ممارسة وظائف غير عملية بالمرة.
لكننا لن نركز على الجوانب الاقتصادية، بل على التجربة التي يمر بها الإنسان عند محاولة صنع شيء أو إصلاحه أو صيانته، إذ نريد أن يدرك القارئ ما سيكون على المحك عندما تضمر هذه المهارة وتختفي من حياتنا. كيف يمكن أن يؤثر ذلك بالسلب على ازدهار الإنسان ونجاحه؟ وهل تعتبر مهاراتنا اليدوية جزءًا أساسيًا من طبيعتنا التي فُطرنا عليها؟
العمل الهادف والإعتماد على الذات
يرتبط مفهوم العمل الهادف والاعتماد على الذات بفكرة الصراع من أجل الاستقلال الفردي الذي يعتبر سمة محورية في عصرنا الحالي. هذا الصراع يلقي بالضوء على خبرات وتجارب معينة نمر بها؛ إذ إننا جميعنا – سواءٌ أكنا منتجين أم مستهلكين – نشعر
بأننا نتخبط عبر دروب من صنع قوى مجردة، وهي قوى غير ذاتية ومنفصلة عنا، فينتابنا القلق والخوف من أن تضمحل مهاراتنا العقلية وتضمر فنصبح بليدين ومُخدَرين. عندئذٍ ندرك أن فهم العالم يحتاج إلى أن ”نمسكه بين أيدينا“ بالمعنى المجازي
والفعلي.
يحقق بعض الناس هذا عندما يزرعون فاكهتهم وخضرواتهم بأنفسهم لأنهم يشعرون بالسعادة عندما ينشئون علاقة مباشرة بينهم وبين الطعام الذي يأكلونه. وهناك من يحبون الحياكة ويتباهون بارتداء الملابس التي يخيطونها بأنفسهم. ويمكن القول بأن المشغولات اليدوية زهيدة التكلفة والتي كانت تصنعها جَدَّاتنا قد عادت فجأة في عصرنا الحالي لتجسد نوعًا من الأناقة الكاملة.
قد تظن بأن الوضع الاقتصادي العالمي المتأزم حاليًا هو السبب الذي يدفعنا رغمًا عنا إلى ترشيد إنفاقنا والاقتصاد في مصاريفنا. الترشيد يتطلب قدرًا من الاعتماد على النفس، بمعنى أن تتمتع بالمقدرة على تصنيع أشيائك وصيانتها وإصلاحها بنفسك. ولكن
يجب لفت الانتباه إلى أن هذا الميل المفاجئ نحو الاعتماد على النفس قد نشأ في الحقيقة قبل أن يلوح شبح الأزمة الاقتصادية في الأفق. فربما يكون ترشيد الإنفاق مجرد مبرر اقتصادي لنشأة اتجاه أو حركة تلبي حاجة نفسية مكبوتة داخلنا، وهي أننا نريد أن نمسك عالمنا بين أيدينا كي نشعر أننا مسؤولون عنه. وهذا يتطلب أن نصنع أدواتنا وأشياءنا بأنفسنا ودون الاستعانة بأحد. يحاول الكثيرون تطبيق هذا لينتشلوا أنفسهم من بئر الاعتماد على قوى الاقتصاد العالمي أو الانجراف ورائها.
قد تكون الرغبة في تحمل المسؤولية بممارسة الأعمال اليدوية في البيت هي رد فعل طبيعي تجاه التغيرات الحادثة في مجال العمل، حيث لم يعد مفهوم الاستقلالية الفردية واضحًا. فالذين يعملون في وظائف مكتبية يشعرون أنه على الرغم من وجود قواعد يجب أن يلتزموا بها، فإن عملهم يفتقر إلى المعايير الموضوعية التي تُطبق في حرفة يدوية مثل النجارة، وهذا يعني أن تقدير العمل أو الحط من قدره يتم بشكل اعتباطي.
إلغاء حصص الصيانه
يعمل ”توم هال“ مدرسًا ويقدم ورشًا في اللحام وإصلاح الأعطال الميكانيكية وتشكيل الصفائح المعدنية والتصميم بالكمبيوتر. حين سُئل عن مهنته، أجاب بأن الكثير من المدارس ألغت حصص الصيانة في القرن الماضي بسبب الحاجة إلى تعلم مهارات الكمبيوتر. وفي ولاية ”كاليفورنيا“، اختفت هذه الحصص في 75 ٪ من المدارس الثانوية منذ ثمانينات القرن العشرين. وعلى الرغم من أن
ثمة جهودًا ظهرت في الآونة الأخيرة لإعادة هذه الحصص إلى المدارس، فإن العثور على المدرسين الأكفاء ليس أمرًا سهلاً. وطبقًا
للمدير التنفيذي لاتحاد المدرسين الزراعيين في ”كاليفورنيا“، فإن الأجيال الجديدة من الطلاب تستطيع الإجابة عن الاختبارات
المعيارية والموحدة، وتخزن في رؤوسها معلومات كثيرة غير دقيقة وغير قيمة، ولا تستطيع تصنيع أي شيء بنفسها.
تجسيد المرء لإسهاماته بشكل ملموس عن طريق الأعمال اليدوية يجعله يشعر بالرضا والسعادة ويخلصه من الحاجة إلى أن يدافع عن نفسه وعن سمعته بالكلمات، ويترك الدليل المادي ليتحدث نيابة عنه. يكفي أن يقول: ”المبنى لا يزال صامدًا“ أو
”السيارة صارت تعمل الآن“ أو ”الأنوار مضاءة“.
التباهي هو ما يفعله الطفل الصغير لأنه لا يستطيع أن يترك أثرًا واقعيًا وماديًا في العالم المحيط به. أما الحِرفي، فيضع في اعتباره أن الواقع هو خير حكم، وأن إخفاقات المرء لا يمكن تبريرها. يعتبر هذا الشعور بالفخر الذي يجد ما يبرره بعيدًا كل البعد عن مشاعر التباهي اللامبررة التي يحاول المعلمون زرعها في الطلاب.
يسلط الباحث ”مايك روز“ الضوء في أحد كتبه على عدد من الحِرَف اليدوية، ويرصد عملية التعلم واكتساب الخبرة في أحد دروس النجارة. وقد كتب يقول: ”حين نفكر في الأعمال اليدوية، فإننا نركز غالبًا على قيمتها في المجتمع لا على المجهود العقلي الذي تتطلبه إلى جانب المجهود البدني.“. في حقيقة الأمر، يتطلب العمل اليدوي تعاملاً منهجيًا مع العالم المادي ومعرفة بالأدوات المختلفة وفهم طبيعتها.
الفصل بين التفكير والفعل
في خمسينات القرن الماضي، أشار علماء الاجتماع إلى بعض أوجه الشبه بين المجتمعات السوفييتية والغربية. فكلاهما شهد
انتشار الوظائف التي تم تبسيطها بشكلٍ جذري وشامل. وكلاهما كان صناعيًا يفصل بين التخطيط والتنفيذ. أرجع البعض السبب إلى الميل نحو الاعتماد على الميكنة والآلات، إلا أن بعض الخبراء لاحظوا أن السبب هو الاتجاه إلى التخصص في عملية الإنتاج. جدير بالذكر أن المجتمع في الكتلة السوفييتية كان يخضع آنذاك للسلطة المركزية من جانب الحكومة، وللسلطة المركزية من جانب الشركات في الكتلة الرأسمالية.
يرى ”هاري برافيرمان“ أن المسؤول عن هذا هو الإدارة العلمية التي تتسلل إلى مكان العمل ليس باعتبارها ممثلاً للعلم ولكن بصفتها ممثلاً للإدارة التي تتخفى في عباءة العلم. وقد وُضعت أصول ومبادئ الإدارة العلمية لأول مرة على يد المهندس ”فريدريك تيلور“ الذي تركت نظرياته عن الإدارة العلمية أثرًا كبيرًا في العقود الأولى من القرن العشرين. وكان ”ستالين“ من أكبر المعجبين بهذه النظريات، وكذلك مؤسسو أول برنامج لإدارة الأعمال في جامعة ”هارفارد“ حيث تمت دعوة ”تيلور“ لإلقاء المحاضرات هناك.
كتب ”تيلور“ يقول: ”يجمع المديرون كل المعارف والخبرات التي كانت في الماضي مملوكة للحرفيين، ثم يصنفونها ويجدولونها ويختزلونها إلى قواعد وتعليمات“. وهم بهذا يجمعون المعلومات المبعثرة لتتركز في يد المدير الذي يعيد توزيعها على العمال ولكن في صورة تعليمات مُقسَمة على كل عامل وتتم على مراحل يُطلق عليها ”عمليات العمل“. حلت هذه العمليات المُجزأة محل ما كان يعتبر في الماضي نشاطًا مكتملاً وخبرة شاملة تُبعث إلى الحياة بفضل الصورة العقلية المتكونة في ذهن الحِرفي عن المنتج
النهائي.
ويضيف: ”يجب أن ينتقل الجانب الذهني من الورش إلى قسم التخطيط“. لا يهدف هذا الفصل بين الأعمال الذهنية واليدوية إلى مضاعفة فعالية العمليات، لأنه قد يتسبب أحيانًا في تبديد وقت العمل، ولكن الهدف هو تقليص تكاليف العمالة. فعندما يُترَك التخطيط في يد فئة إدارية منفصلة، يمكن عندئذٍ إحلال العمالة الضعيفة محل العمالة الماهرة براتب أقل.
فما هي النصيحة التي يمكن أن تفيد شابًا في مقتبل العمر؟ إذا كنت تميل بالفطرة إلى العلم والدراسة وتجذبك أصعب الكتب وكنت على استعداد لأن تقضي أربع سنوات من عمرك في قراءتها كل يوم، فالأفضل أن تلتحق بالجامعة، ولكن بروح الحرفي الماهر، فتتعلم كل شيء عن الفنون الحرة والعلوم. فإن لم تكن تميل إلى هذه الحياة، وكانت مجرد فكرة قضاء أربع سنوات أخرى في الجامعة تجعل بدنك يقشعر، فلست مضطرًا لأن تسلك هذا الدرب من أجل أن تنعم بحياة كريمة.
فكر في حالة صاحب سيارة عرف أن سيارته غير قابلة للتصليح. سيفجعك أن تعرف أن من أخبره بذلك ليس ميكانيكيًا وإنما مندوب الخدمة لدى شركة التوكيل. هذا المندوب لا يملك الخبرة الميكانيكية الكافية، وبالتالي يفقد العميل ثقته في الشركة. ولأنه
كان يكره الإحساس بالاتكالية، لا سيما إن كان ذلك بسبب عجزه عن فهم شيء ما، فقد عاد إلى بيته وفتح غطاء سيارته ليكشف بنفسه على المحرك. ربما لا يعلم ما يفعله، ولكنه يريد أن يحاول علاج المشكلة بنفسه. هذا الإحساس بالحماس يأتي مصحوبًا بإحساس آخر بالفضول نابع من رغبته في أن يتولى بنفسه إصلاح سيارته. وهذا هو الجانب الذي يدعو إلى الفخر والمباهاة عند اعتماد المرء على ذاته.
مبدأ حرية الاختيار هو أساس الثقافة المادية الاستهلاكية، حيث نتجنب التعلق النفسي والجسدي بممتلكاتنا وأشيائنا ونسعى وراء غايات اخترناها بكل حرية. إلا أن هذا لا يتيح لنا غير فرص قليلة لنتحمل مسؤولية ممتلكاتنا. فمن المعتقد أن التركيز على حرية الاختيار – كوسيلة جذب تسويقية – راجع إلى حقيقة أنها تعبر عن شيء حقيقي. فهي تعكس التناقض الذي تتسم به تجربتنا عن الاستقلالية: وهي أن سيطرتك على أشيائك تستتبع بالضرورة أن تسيطر هي أيضًا عليك.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي



