الاخبارالطاقة والحياةباحثي بناة المستقبلبناة المستقبل والتنميةفعاليات بناة المستقبلفعاليات ومؤتمرات دولية

الذكاء الاصطناعي بعد ChatGPT.. من الآلة التي تجيب إلى الآلة التي تفكر وتتصرف

كتبت/ د.جيهان عبدالرحمن الشيخ

تطور مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا من مرحلة تقديم الإجابات وتحليل البيانات إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تستطيع فيها الأنظمة فهم الأهداف، ووضع الخطط، واستخدام الأدوات، وتنفيذ سلسلة من الخطوات للوصول إلى النتائج، ويبرز في هذا السياق مفهوم الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، الذي يمثل تحولًا من الذكاء الاصطناعي التقليدي الذي ينتظر أوامر المستخدم، إلى أنظمة قادرة على التعامل مع المهمة بصورة متكاملة، من البحث وتنظيم المعلومات إلى تحليل النتائج وتعديل الخطة عند ظهور مشكلات.

ويتزامن ذلك مع تطور مفهوم نماذج العالم (World Models)، التي تهدف إلى تمكين الأنظمة من بناء تصور داخلي للبيئة والتنبؤ بما يمكن أن يحدث قبل اتخاذ القرار، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام السيارات ذاتية القيادة والروبوتات والأنظمة المستقلة.

كما يتقدم مفهوم الذكاء الاصطناعي الفيزيائي (Physical AI)، الذي يربط الذكاء الاصطناعي بالروبوتات والرؤية الحاسوبية ونماذج العالم، بحيث تستطيع الآلة رؤية البيئة المحيطة بها وفهمها والتفاعل معها بصورة مباشرة.

وفي المجال العلمي، تتجه التطورات نحو ظهور الوكلاء العلميين للذكاء الاصطناعي (AI Scientific Agents)، وهي أنظمة يمكنها المساعدة في البحث عن الدراسات، وتحديد الفجوات المعرفية، واقتراح الفرضيات، وتحليل البيانات ومقارنة النتائج، بما يعيد تعريف العلاقة بين الباحث والذكاء الاصطناعي.

ولا يتوقف التطور عند هذا الحد، إذ بدأ يظهر اتجاه AI Designing AI، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي في تطوير وتحسين أنظمة ذكاء اصطناعي أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تسارع كبير في دورة الابتكار، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول ضرورة أن يكون التطور سريعًا وآمنًا وقابلًا للفهم والرقابة.

ويأتي الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط (Multimodal AI) كأحد الاتجاهات الرئيسية أيضًا، حيث أصبحت الأنظمة قادرة على التعامل مع النصوص والصور والأصوات والفيديو وربط المعلومات القادمة من مصادر مختلفة، بما يقربها من الطريقة التي يدرك بها الإنسان العالم.

وتكشف هذه التطورات مجتمعة عن مسار جديد للذكاء الاصطناعي، يبدأ من الذكاء التوليدي، ثم الذكاء متعدد الوسائط، فالذكاء الوكيلي، ونماذج العالم، والذكاء الاصطناعي الفيزيائي والعلمي، وصولًا إلى أنظمة تساعد في تطوير ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا.

ومع اتساع قدرات هذه الأنظمة، تبرز تساؤلات مهمة حول المسؤولية والأخلاقيات والحوكمة؛ فلم يعد السؤال فقط ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقديم إجابة صحيحة، وإنما إلى أي مدى يمكن السماح له باتخاذ القرارات وتنفيذها.

وفي ظل هذا التحول، تظل المسؤولية الإنسانية هي العنصر الأهم، فمهما تطورت قدرات الآلة، يبقى الإنسان هو المسؤول عن تحديد الأهداف والقيم والحدود التي ينبغي أن تحكم استخدام هذه القدرات.

وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لن تكون مجرد سباق نحو نماذج أكثر قدرة، وإنما انتقالًا إلى عصر تصبح فيه الآلة أكثر قدرة على الفهم والتخطيط والتنبؤ والتصرف، وهو ما يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا بصورة غير مسبوقة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى