الاخبارباحثي بناة المستقبلبناة المستقبل والتنميةفعاليات بناة المستقبلفعاليات ومؤتمرات دولية

المرأة العاملة بين الإنجاز والمخاطر المهنية.. حماية الأمومة تبدأ من بيئة العمل

كتبت/ الدكتورة اسماء النية

تتزايد الحاجة إلى توفير بيئات عمل أكثر أمانًا تراعي خصوصيتهن الصحية، خاصة خلال فترات الحمل والرضاعة، إذ تؤكد الدراسات أن التعرض للمخاطر المهنية لا يهدد صحة المرأة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الجنين والطفل، الأمر الذي يجعل الوقاية مسؤولية مشتركة بين أصحاب العمل والجهات الصحية والتشريعية، في الوقت الذي تشكل فيه النساء ما يقارب نصف القوى العاملة حول العالم.

وتشير المعطيات إلى أن ما يقرب من ربع العاملين هم من النساء في سن الإنجاب أو الحوامل أو المرضعات، وهو ما يستدعي اتخاذ إجراءات وقائية خاصة للحد من التعرض للمواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والعوامل الفيزيائية التي قد تؤثر سلبًا على الخصوبة أو الحمل أو نمو الجنين.

وتتنوع هذه المخاطر بين التعرض للرصاص والزئبق والبنزين والمبيدات الحشرية، إضافة إلى بعض العوامل البيولوجية مثل الحصبة الألمانية وداء المقوسات، فضلًا عن الضوضاء والاهتزازات والإشعاعات المؤينة، وجميعها قد تؤدي إلى تشوهات خلقية أو مضاعفات صحية خطيرة للأم والطفل.

ولا تقتصر المخاطر على الجوانب الكيميائية أو البيولوجية، بل تمتد إلى ظروف العمل نفسها، حيث يمثل حمل الأوزان الثقيلة، والوقوف لفترات طويلة، والعمل في بيئات شديدة البرودة أو الضغط، أو استخدام المعدات المهتزة، عوامل قد تزيد من احتمالات الإجهاض أو الولادة المبكرة أو إجهاد الجنين.

وتؤكد اللوائح الخاصة بالصحة المهنية ضرورة إبعاد المرأة الحامل أو المرضعة عن أي وظيفة تنطوي على مخاطر مؤكدة، مع منحها الحق في تعديل طبيعة عملها أو نقلها إلى وظيفة أكثر أمانًا دون المساس بحقوقها المالية، كما يحق للطبيب المختص طلب تخفيف ساعات العمل أو تعديل المهام بما يتناسب مع حالتها الصحية.

وفي بيئات العمل الصحية والتعليمية، تواجه النساء تحديات إضافية تتمثل في احتمالات العدوى بالأمراض المعدية، خاصة عند التعامل مع الأطفال أو المرضى، وهو ما يستوجب الالتزام الصارم بإجراءات الوقاية، واستخدام معدات الحماية الشخصية، واستكمال برامج التطعيمات اللازمة، إلى جانب المتابعة الطبية المستمرة.

كما تمثل المواد المشعة أحد أخطر مصادر التهديد للمرأة الحامل، لما قد تسببه من أضرار على الحمض النووي للجنين وتشوهات في الجهاز العصبي أو زيادة احتمالات الإصابة بالأورام مستقبلاً، الأمر الذي يستدعي الحد من التعرض للإشعاع وفق الحدود المسموح بها، مع منع عمل الحوامل في المناطق ذات الخطورة الإشعاعية العالية.

ولا تقل المخاطر النفسية أهمية عن المخاطر الجسدية، إذ تشير الخبرات المهنية إلى أن الضغوط المستمرة والإرهاق العاطفي والتحرش والعنف داخل بيئة العمل تؤثر بصورة أكبر على النساء، خاصة في المهن التي تعتمد على التعامل المباشر مع الجمهور أو تقديم الرعاية الصحية والاجتماعية، مما يفرض على المؤسسات تبني سياسات واضحة لمكافحة التحرش، وتوفير بيئة عمل آمنة وداعمة للصحة النفسية.

ويؤكد خبراء الصحة المهنية أن الوقاية تبدأ بإجراء تقييم شامل للمخاطر داخل أماكن العمل، وإبلاغ النساء بجميع الأخطار المحتملة، مع توفير متابعة طبية دورية منذ بداية الحمل وحتى العودة إلى العمل بعد الولادة، بما يضمن سلامة الأم والطفل واستمرار المرأة في أداء دورها المهني دون تعريض صحتها للخطر.

وفي ظل تزايد مشاركة المرأة في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، أصبحت بيئة العمل الآمنة ليست مجرد التزام قانوني، بل استثمارًا حقيقيًا في صحة المجتمع واستدامة التنمية، إذ إن حماية المرأة العاملة تعني حماية الأسرة والأجيال القادمة، وترسيخ ثقافة عمل أكثر إنصافًا وإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى