سوق الأدوية عالميًا… بين سيادة الصحة العامة وقوة السوق

بقلم: الأستاذ عبد الغني هرماشي_ محام بهيئة الدار البيضاء – خبير في القانون الرقمي والتحول القانون
في مختلف دول العالم، يظل سؤال جوهري حاضرًا في النقاشات الاقتصادية والصحية: من يحدد فعليًا سعر الدواء؟ هل هي تكلفة الإنتاج، أم آليات المنافسة، أم السياسات التنظيمية، أم تركّز القوة داخل سلسلة التوريد؟ ورغم تداول هذا السؤال في الخطاب العام، إلا أن الإجابة عنه تظل معقدة، وتخضع لتشابك قانوني واقتصادي وصحي بالغ الحساسية.
فالدواء ليس سلعة تجارية عادية، بل هو منتج يرتبط مباشرة بحق أساسي من حقوق الإنسان، وهو الحق في الصحة. لذلك فإن سوق الأدوية تقع عند تقاطع عدة أنظمة متداخلة، تشمل سياسات الصحة العامة، وقوانين المنافسة، وأنظمة الملكية الفكرية، والاستراتيجيات الاقتصادية للدول. ومن هنا تتدخل الحكومات لضبط الأسعار حمايةً لحق المواطنين في العلاج، في حين تسعى الشركات إلى تحقيق عائدات تضمن استدامة الابتكار والبحث العلمي، بينما تحاول الهيئات الرقابية تحقيق توازن دقيق بين الطرفين.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التنظيم بحد ذاته، بل في مدى شفافيته وفعاليته واستباقيته. فضعف آليات المراقبة أو غياب البيانات الدقيقة قد يفتح المجال لاختلالات تؤثر على استقرار السوق، وتنعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمستهلكين.
الابتكار وحماية البراءات
تُعد براءات الاختراع أداة قانونية مشروعة تهدف إلى تحفيز الابتكار وتشجيع الاستثمار في البحث العلمي الدوائي. فهي تمنح الشركة حقًا حصريًا مؤقتًا لاستغلال المنتج الجديد، بما يضمن استرداد تكاليف التطوير. إلا أن التجارب الدولية أظهرت أن الإشكاليات تبدأ حين يمتد النفوذ السوقي إلى ما بعد انتهاء مدة البراءة، أو عندما يتم تأخير دخول الأدوية الجنيسة بطرق غير مباشرة، أو حين تفتقر آليات التسعير إلى الشفافية الكاملة.
في هذا السياق، يبرز مفهوم قانوني مهم هو “إساءة استغلال الوضع المهيمن”، وهو ليس اتهامًا سياسيًا، بل إطارًا قانونيًا يُستخدم كأداة رقابية لضمان عدالة المنافسة ومنع الاحتكار غير المشروع.
تركّز التوزيع وملامح المنافسة
في العديد من الدول، يتركز توزيع الأدوية في يد عدد محدود من الفاعلين، ما يؤدي أحيانًا إلى ظهور أنماط سوقية تُعرف بـ “الأوليغوبول الصامت”، حيث تتقارب الأسعار والسلوكيات التجارية دون وجود تواطؤ صريح. ويؤدي ضعف المنافسة أو محدودية الشفافية في البيانات إلى تعقيد عملية الكشف عن هذه الاختلالات.
ولذلك فإن تحليل سوق الأدوية يتطلب دراسات قطاعية معمقة وتحقيقات اقتصادية دقيقة، بدل الاكتفاء بخطابات انفعالية أو مواقف عامة لا تستند إلى بيانات واضحة.
ضغوط متعددة وسياقات مختلفة
تختلف التحديات من دولة إلى أخرى. فالدول ذات الدخل المرتفع تواجه معادلة موازنة كلفة الابتكار مع أنظمة التعويض العمومية. أما الاقتصادات الناشئة فتعاني من تقلبات العملة والاعتماد على الاستيراد، ما ينعكس مباشرة على أسعار الأدوية. وفي الدول التي توسّع نطاق التغطية الصحية الشاملة، يبرز تحدي استدامة الإنفاق الدوائي وضبط ميزانيات الصحة العامة.
ورغم هذا التباين، يبقى المبدأ المشترك بين جميع الأنظمة الصحية هو أن الولوج إلى الأدوية الأساسية يمثل التزامًا ذا مصلحة عامة، ولا يمكن تركه رهينًا فقط لقوى العرض والطلب.
أسئلة استراتيجية مطروحة
ينبغي أن يتمحور النقاش حول مجموعة من الأسئلة الجوهرية: كيف يتم احتساب السعر المرجعي للدواء؟ وما مدى شفافية الهوامش عبر سلسلة التوريد؟ وهل تجري سلطات المنافسة مراجعات قطاعية منتظمة لرصد الاختلالات؟ وما حجم الدعم المقدم لتشجيع الأدوية الجنيسة وتعزيز المنافسة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تشكل أساسًا لأي سياسة دوائية رشيدة وقابلة للاستدامة.
يمثل سوق الأدوية اختبارًا حقيقيًا لنضج الحوكمة الاقتصادية والصحية في أي دولة. فحين تكون الأسواق منظمة وشفافة، تتحقق العدالة التنافسية ويُعزز مستوى الثقة بين الفاعلين. أما في حال وجود اختلالات هيكلية، فإن الأدوات القانونية والتنظيمية تصبح الوسيلة الأساسية لتصحيح المسار.
فالدواء يقف عند تقاطع الابتكار والتنظيم والكرامة الإنسانية، والتحدي الحقيقي لا يكمن في شيطنة القطاع، بل في ضمان ألا تتغلب قوة السوق على الحق في الصحة.


