مجموعة مدارس بستان العلوم
مسيرة تربوية من التأسيس إلى التميز، ورهان متجدد على بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

بقلم: د. هشام فاروق
ليست المؤسسات التعليمية مجرد فضاءات تستقبل المتعلمين لتلقينهم المعارف، وليست رسالتها محصورة في إنجاز المقررات الدراسية وتحقيق النتائج؛ بل هي مشاريع تربوية وإنسانية متكاملة، تقاس قيمتها بما تتركه من أثر في عقول الناشئة، وما تغرسه في نفوسهم من قيم، وما تتيحه لهم من فرص لاكتشاف مواهبهم وصقل شخصياتهم والاستعداد لتحمل مسؤولياتهم في المستقبل.
ومن هذا المنطلق، تستحق مجموعة مدارس بستان العلوم أن تكون موضوع قراءة تربوية تسلط الضوء على مسيرتها منذ التأسيس إلى اليوم، وعلى ما تمثله من طموح في تطوير الممارسة التعليمية، وتعزيز جودة التعلمات، والارتقاء بأدوار المدرسة لتصبح فضاء لبناء المعرفة، وترسيخ القيم، وتنمية المهارات، واكتشاف الطاقات الواعدة.
أولا: مرحلة التأسيس.. رؤية تربوية تؤسس لمشروع متكامل:
تأسست مجموعة مدارس بستان العلوم سنة 2019 على يد مؤسسها الأستاذ أحمد أمسكور بن عبد الله، في خطوة تعكس التوجه نحو الإسهام في خدمة قطاع التربية والتعليم، والإيمان بأهمية المدرسة باعتبارها فضاء أساسيا لبناء الإنسان وإعداد الأجيال الصاعدة. ولم يكن تأسيس المؤسسة مجرد مبادرة لإنشاء فضاء للتدريس، بل يمكن النظر إليه باعتباره انطلاقة لمشروع تربوي يروم الجمع بين التحصيل المعرفي والتكوين القيمي، وبين تنمية الكفايات الدراسية والاستعداد للحياة.
وتتجلى أهمية المبادرات التربوية من هذا القبيل في قدرتها على تحويل الرغبة في خدمة التعليم إلى ممارسة مؤسساتية منظمة، قوامها التخطيط، والتدبير، واستثمار الكفاءات البشرية، ومواكبة حاجات المتعلمين، والانفتاح على التحولات التي يعرفها المجتمع. فالتعليم، في جوهره، ليس خدمة آنية تنتهي بانتهاء السنة الدراسية، وإنما استثمار بعيد المدى في الإنسان، وفي قدرته على التفكير والإبداع والتفاعل الإيجابي مع محيطه.
ومن هذا المنظور، ترتبط قيمة تجربة المؤسس الأستاذ: أحمد أمسكور بما يتيحه المشروع الذي أطلقه من إمكانات لتطوير التعلمات، وتعزيز الثقة في المدرسة، وإرساء بيئة تربوية تستجيب لتطلعات الأسر وانتظارات المجتمع. كما أن استمرارية المؤسسة وتطورها يظلان رهينين بقدرتها على تجديد أدوات العمل، وتحسين جودة الأداء، وترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل مصلحة المتعلم في صدارة الأولويات.
ثانيا: وفاء لرجال التربية والتعليم.. الأستاذ: أيت الزاويت عبد الرحمان، بصمة في التأسيس وذاكرة في العطاء.
ولا يفوتنا، ونحن نستحضر مسيرة مجموعة مدارس بستان العلوم، أن نقف وقفة وفاء وتقدير عند سيرة الفقيد سعادة الأستاذ أيت الزاويت عبد الرحمان، الذي كان مفتشا لدى وزارة التربية الوطنية بالمملكة المغربية، واضطلع بدور مهم في مواكبة المشروع التربوي للمؤسسة منذ مرحلة التأسيس، مرورا بالافتتاح، إلى أن وافته المنية، رحمه الله تعالى.
لقد كان الفقيد رجلا حكيما، ومربيا متمرسا، ومن رجال التعليم الذين راكموا خبرة طويلة في الميدان التربوي، وجعلوا من تجربتهم المهنية رصيدا موجها للعمل والإسهام في بناء المشاريع التعليمية. وبعد مغادرته الطوعية لمهامه المهنية، لم ينقطع عطاؤه عن المجال التربوي، بل واصل الإسهام بخبرته ورؤيته في إرساء اللبنات الأولى لهذا المشروع بمدينة سلا العريقة.
وقد تجلى إسهامه، على وجه الخصوص، في ترسيخ وضوح الرؤية الاستراتيجية للمؤسسة، والمساعدة على توجيه مسارها منذ الانطلاقة، بما يعزز الانتقال من فكرة التأسيس إلى بناء مشروع تربوي يستند إلى التخطيط والحكمة واستشراف المستقبل.
إن استحضار اسم الأستاذ: أيت الزاويت عبد الرحمان في هذه القراءة لمسيرة بستان العلوم ليس مجرد إشارة عابرة إلى شخصية مرت من تاريخ المؤسسة، بل هو اعتراف بفضل رجل ترك بصمته في مرحلة تأسيسية مهمة، وأسهم بما راكمه من معرفة وتجربة في دعم وضوح الرؤية وتثبيت أسس المشروع.
رحم الله تعالى الأستاذ أيت الزاويت عبد الرحمان رحمة واسعة، وجزاه عن جهوده في خدمة التربية والتعليم خير الجزاء، وجعل ما أسهم به من خير وعلم وتوجيه في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.
إن الوفاء لرجال التربية ليس مجرد استذكار لأسمائهم، بل هو حفظ لجهودهم، واعتراف بفضلهم، ومواصلة للرسالة التي أفنوا أعمارهم في خدمتها.
ثالثا: الإشراف العام وتطوير الرؤية التربوية:
وفي امتداد هذا المشروع، تبرز الأستاذة إيناس أمسكور بنت أحمد، المشرفة العامة لمجموعة مدارس بستان العلوم، من خلال الدور الذي تضطلع به في مواكبة العمل المؤسساتي، والإسهام في تنظيم مختلف مكوناته، وتعزيز التنسيق بين الأطر الإدارية والتربوية، بما يخدم الأهداف العامة للمؤسسة ويعزز انسجام ممارساتها اليومية.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة إسهام الأستاذة إيناس أمسكور في إطار استكمال الجهود الرامية إلى تطوير المشروع التربوي للمؤسسة، وتعزيز حضوره في الحياة المدرسية، والاهتمام بجودة الخدمات التربوية، ومواكبة حاجات المتعلمين والأطر والأسر. كما تكتسب هذه المسؤولية أهميتها من كونها تصل بين التصور العام للمؤسسة وبين تفاصيل العمل اليومي، حيث تتحول الأهداف المعلنة إلى ممارسات تحتاج إلى المتابعة والتقويم والتحسين المستمر.
رابعا: رؤية بستان العلوم.. من تعليم المعارف إلى بناء الإنسان
إن الرؤية التربوية لأي مؤسسة تعليمية هي البوصلة التي توجه قراراتها وممارساتها، وتحدد طبيعة الإنسان الذي تسعى إلى تكوينه، ونوعية العلاقات التي تريد بناءها داخل فضائها المدرسي، والآفاق التي تطمح إلى بلوغها على مستوى التعلم والتنشئة.
وفي هذا السياق، يمكن بلورة الرؤية التربوية لمجموعة مدارس بستان العلوم حول الانتقال من مفهوم التعليم باعتباره نقلا للمعارف إلى مفهوم التربية باعتبارها عملية متكاملة لبناء شخصية المتعلم. فالمتعلم ليس وعاء للمعلومات، وإنما إنسان يمتلك قدرات عقلية ووجدانية واجتماعية وأخلاقية تحتاج إلى الرعاية والتوجيه والتطوير.
وتستند هذه الرؤية إلى مجموعة من المرتكزات الأساسية، في مقدمتها:
– جودة التعلمات: توفير شروط التعلم الفعال، وتنمية الكفايات، واعتماد التقويم وسيلة للتحسين لا مجرد أداة لترتيب المتعلمين.
– ترسيخ القيم: تعزيز الصدق والانضباط والاحترام والتعاون والمسؤولية، وربط المعرفة بالسلوك والممارسة.
– تنمية الشخصية: إتاحة الفرص أمام المتعلمين لاكتشاف قدراتهم، والتعبير عن أفكارهم، وتنمية الثقة بالنفس والاستقلالية.
– رعاية المواهب: تشجيع الإبداع والابتكار، وتنويع الأنشطة الموازية، والانتباه إلى الفروق الفردية بين المتعلمين.
– الشراكة مع الأسرة: بناء علاقة تواصل وتعاون تجعل الأسرة شريكا في تتبع المسار الدراسي والتربوي لأبنائها.
– التجديد البيداغوجي: الانفتاح على الوسائل الرقمية والممارسات التعليمية الحديثة، مع الحفاظ على مركزية الإنسان والقيم في العملية التربوية.
إن الرهان الحقيقي لهذه الرؤية لا يكمن في صياغتها نظريا فحسب، بل في ترجمتها إلى خطط عمل واضحة، وممارسات قابلة للملاحظة، ومؤشرات موضوعية لقياس أثرها في المتعلم وفي الحياة المدرسية.
خامسا: الإدارة التربوية.. قيادة للرؤية وصناعة لشروط النجاح
لا يمكن الحديث عن تميز مؤسسة تعليمية دون الوقوف عند الدور المحوري للإدارة، باعتبارها الجهة التي تسهر على تنظيم العمل، وتنسيق الجهود، وتتبع تنفيذ المشروع التربوي، وخلق الظروف الملائمة للاشتغال داخل المؤسسة.
فالإدارة الناجحة لا تكتفي بتدبير الملفات اليومية وضبط المواعيد وتنظيم الجداول، بل تتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة مؤسساتية قائمة على التواصل، والتعاون، والإنصاف، وتحمل المسؤولية، والبحث المستمر عن سبل تحسين الأداء.
كما أن نجاح المؤسسة يقتضي وضوح الاختصاصات، وتكامل الأدوار بين مختلف المتدخلين، واعتماد آليات منتظمة لتقييم النتائج، ورصد الصعوبات، وتحديد الأولويات، ووضع خطط عملية لمعالجة الاختلالات. ومن هنا، فإن الرؤية التربوية لا تتحقق بجهد فردي معزول، بل بعمل جماعي منظم تتكامل فيه القيادة والتأطير والتنفيذ والتقويم ، وهذا ما تنهجه الإدارة التربية للمؤسسة في أساتذة أصحاب خبرة وكفاءة : الأستاذ خالد الإدريسي بصفته المدير التربوي بالسلك الإبتدائي ، ولأستاذة : سناء الخمسي بصفتها المديرية التربوية للسلك الإعدادي والثانوي التأهيلي.
خاتمة: بستان العلوم ورهان الاستمرار والتجديد
وتبقى القيمة المضافة لأي مؤسسة تعليمية مرتبطة بقدرتها على تجديد رؤيتها، وتحويل أهدافها إلى ممارسات ملموسة، وإرساء بيئة مدرسية تضمن للمتعلمين فرصا عادلة للتعلم والنمو والإبداع. فالتميز لا يقاس بالشعارات وحدها، ولا بالنتائج الظرفية فقط، وإنما بما يتحقق من تطور مستمر في جودة التعلمات، والسلوك، والعلاقات الإنسانية، والكفايات، والقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
ومن ثم، فإن الرهان المتجدد لمجموعة مدارس بستان العلوم يتمثل في مواصلة بناء مشروع تربوي يجعل من المتعلم محور الاهتمام، ومن القيم أساسا للتعامل، ومن الجودة منهجا للعمل، ومن الابتكار مدخلا للتطوير، ومن الشراكة مع الأسرة والمجتمع دعامة للاستمرارية.



