جريدة عالم التنمية

هندسة المقاصد الذاتية.. كيف تقود النية الواعية إلى التمكين النفسي والقيادة المؤثرة؟

بقلم/ سناء عبد الرحيم

في ظل التحديات المهنية المتزايدة التي يواجهها الموظفون والقادة داخل بيئات العمل الحديثة، بدءًا من ضغوط الأداء وصولًا إلى ضعف التقدير المعنوي، تبرز الحاجة إلى آليات جديدة تعيد للأفراد قدرتهم على المبادرة والتأثير وصناعة التغيير، تسلط الدراسات الحديثة في علم النفس الإيجابي الضوء على مفهوم “التمكين النفسي” باعتباره أحد أهم المداخل لبناء شخصية قادرة على الإنجاز والقيادة.

ويؤكد متخصصون في التنمية البشرية والسلوك التنظيمي أن التمكين النفسي لا يبدأ من المهارات الفنية فقط، بل ينطلق من “المقصد” أو النية الواعية التي تمنح الإنسان وضوحًا في الرؤية واتساقًا في السلوك، وهو ما يُعرف بمفهوم “هندسة المقاصد الذاتية”.

ويستند هذا المفهوم إلى ركيزتين أساسيتين؛ الأولى تتمثل في الانتقال من العشوائية إلى الغائية، حيث ينظر إلى المقصد باعتباره قوة دافعة توجه الإنسان نحو تحقيق أهداف ذات قيمة، وتسهم في حماية المصالح الأساسية المرتبطة بالدين والنفس والعقل والنسل والمال، بما يضمن توجيه الجهد نحو البناء والإعمار وخدمة المجتمع.

أما الركيزة الثانية فتتمثل في العلاقة الوثيقة بين النية والمآل، إذ تؤدي النية الواعية دورًا محوريًا في تحديد الأهداف والنتائج المتوقعة للأفعال، بما يخلق حالة من الانضباط الأخلاقي ويضمن توظيف المهارات والقدرات في مسارات إيجابية تسهم في التطوير والتنمية.

أربعة أبعاد للتمكين النفسي

وتشير أدبيات علم النفس الإيجابي إلى أن التمكين النفسي يقوم على أربعة أبعاد مترابطة تشكل في مجموعها منظومة القوة الذاتية للفرد.

ويأتي “المعنى” في مقدمة هذه الأبعاد، إذ يمثل البوصلة الداخلية التي تربط المهام اليومية بمنظومة القيم والمبادئ الشخصية، وهو ما يساعد على تعزيز الشعور بالرضا وتقليل احتمالات الاحتراق النفسي والوظيفي.

أما البعد الثاني فهو “الكفاءة الذاتية”، ويعكس إيمان الفرد بقدرته على الإنجاز وتحقيق الأهداف، وقد أثبتت أبحاث عالم النفس الشهير ألبرت باندورا أن الثقة بالقدرات الشخصية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالقدرة على مواجهة التحديات والاستمرار في بذل الجهد رغم العقبات، ويؤكد الخبراء أن هذه الكفاءة تُبنى من خلال التعلم المستمر، واكتساب الخبرات، وتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة عملية.

ويتمثل البعد الثالث في “الاستقلالية”، التي تمنح الفرد مساحة أوسع لاتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وتساعده على الانتقال من موقع المتلقي للظروف إلى موقع المبادر القادر على إدارة مساره المهني بوعي وثقة، حتى في البيئات التي تفتقر إلى الدعم أو التقدير.

أما البعد الرابع فهو “الأثر والتأثير”، حيث تتحول المقاصد والكفاءات إلى نتائج ملموسة تنعكس على المؤسسة والمجتمع، وينظر إلى هذا البعد باعتباره المرحلة التي ينتقل فيها الفرد من مجرد التكيف مع الواقع إلى المساهمة الفاعلة في تشكيله وتوجيهه.

دورة مستمرة للتطوير والنمو

ويرى مختصون أن هذه الأبعاد الأربعة لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل ضمن دورة متواصلة تبدأ بوضوح المقصد، ثم تنعكس على تقدير الذات، لتقود إلى تنمية الكفاءة، ومن ثم تعزيز الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرارات الفعالة، وصولًا إلى تحقيق التأثير الإيجابي المستدام.

ويؤكد الخبراء أن التمكين النفسي الحقيقي يبدأ من إدراك الإنسان لقيمته وقدرته على إحداث الفرق، ويمر عبر بناء الكفايات النفسية والمهنية، لينتهي إلى ما يُعرف بـ”القيادة المقاصدية”، وهي القيادة التي تستند إلى الوعي بالغاية والمسؤولية والأثر.

وفي عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحديات متزايدة، تبدو صناعة الأفراد المُمكّنين نفسيًا وفكريًا أحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تراهن عليها المؤسسات والمجتمعات لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وفاعلية وتأثيرًا.

 

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات