جريدة عالم التنمية

الجزء الأول من تلخيص كتاب “ القيادة في زمن الاضطراب” تأليف:رام شاران

قواعد جديدة للعبة الإدارية في أصعب الظروف الاقتصادية

تحدياتك الإدارية في ظل الاقتصاد المسموم

إذا كنت مثل غيرك من رجال الأعمال والمديرين، فأنت لم تعاني من التقلبات الاقتصادية فحسب، بل أدركت أن المرحلة التي تجتازها مؤسستك غير مسبوقة؛ فلم تشهدها أنت ولم تسمع عنها منذ الكساد الكبير أواخر العقد الثالث من القرن الماضي. لكنك شهدت مؤخرًا انهيار البورصات الأمريكية، والتذبذبات العنيفة التي هزت عرش اليورو، فضلاً عن تدهور أسعار العقارات، وسقوط عشرات البنوك، وتقلص فرص التمويل والائتمان، ولا بد أنك تتساءل: هل يمكن أن تتعرض شركتي لنفس المصير؟ وعلى الرغم من أن الآخرين ينظرون إليك بإعجاب، ويشيدون بقدرتك على الصمود والابتكار حتى الآن، ويقدرون مهاراتك القيادية، فإن الشهور وربما السنوات المقبلة ما زالت تشكل لك ولمؤسستك اختبارًا حقيقيًا؛ سواء كنت مديرًا لشركة صغيرة أو متوسطة، أو رئيسًا تنفيذيًا لشركة عابرة للقارات.
لا يمكن للتحديات الإدارية أن تكون أكبر من ذلك؛ إذ لا يخيم الركود الحالي على شركتك أو القطاع الذي تتبعه فحسب، بل يمتد ليطال اقتصاد العالم بأسره؛ حيث تفاقمت أزمة السيولة التي اندلعت في شهر سبتمبر 2008 نتيجة انهيار بنوك استثمارية أمريكية، وطالت مؤسسات ومستثمرين في كل أنحاء العالم. وصعق المستثمرون من سرعة وقوة الضربات وكأنهم تعرضوا لزلزال شديد، وأضحت كل الدول تعاني إما من الركود أو من تباطؤ معدلات النمو. ولم تسلم المنظومات الاقتصادية النامية من آثار الأزمة. كما انخفض معدل نمو إجمالي الناتج المحلي لمعظم الدول؛ مما أكد حقيقة اتصال اقتصادات العالم بعضها ببعض اتصالاً وثيقًا لا
سوابق له.
لقد انتهى عهد النمو الاقتصادي الذي تمتعنا به نحن والجيل السابق، ونخوض الآن حربًا من أجل البقاء في ظل الخوف وعدم اليقين. وكما هي الحال في الحروب، تتطلب الظروف الاقتصادية الحالية نمطًا إداريًا يختلف اختلافًا جذريًا عنه في عهد الاستقرار. فصار على كل مدير أن يكون مستعدًا لتغييرات استراتيجية وهيكلية ومالية. فهل بوسعك أن تكون ذلك المدير المبادر والقادر على مواجهة الواقع المرير؟ وهل تستطيع أن تبتكر الأساليب المناسبة للتعامل مع المتغيرات، ووضع السياسات وتطبيقها، والاستراتيجيات وتنفيذها؟ هل تستطيع أن تصنع النجاح من الفشل والقوة من الضعف والفرص من الفوضى؟

السيولة والتدفقات النقدية

سيكون التحرك السريع الحاسم استعدادًا لمواجهة أسوأ سيناريو متوقع هو التحدي الأول والمباشر الذي يواجهك. فإن لم تعد خطة لتوظيفها في هذه الأزمة فسيكون الوضع أصعب مما تتصور. لا تبالغ كغيرك من المستثمرين في تقدير النجاحات التي ستحققها وتصدق ما تتمناه؛ فسوف تؤدي مثل هذه النزعة التفاؤلية إلى التراخي والتردد في اتخاذ القرارات.
أول ما ينبغي أن تلتفت إليه هو تحويل تركيزك من حساب الأرباح والخسائر إلى السيولة الحالية والمستقبلية التي ستتوفر لشركتك. حيث تُعد التدفقات النقدية التحدي الأهم الذي يواجه معظم الشركات اليوم سواء أدرك رؤساؤها ذلك أم لا. قبل اندلاع الأزمة، كانت مؤسستك تسجل ارتفاعًا في أرباح الأسهم والإيرادات وتستولي على حصة أكبر من السوق. لكن الآن، فإن السيولة النقدية هي المعيار الأهم. ولا بد أن تقودك زيادة الإيرادات إلى التفكير في تأثير الإيرادات زيادة ونقصانًا على وضع السيولة في كل أنشطة مؤسستك؛ إذ ينبغي أن تتوفر لديك سيولة كافية، أو مصادر مضمونة وسريعة للحصول عليها لتتمكن من الصمود حتى
تنفرج الأزمة. عليك بمتابعة التدفقات النقدية بصفة يومية، فإن لم تفعل، فأنت نائم ومصيرك غائم وعلى وجهك هائم.

إعادة تقييم النمو

حري برجل الأعمال أو المدير أن يصحح مفهومه عن النمو بعد أن أمضى وقتًا طويلاً راكضًا خلفه معتمدًا على فكرة تقليدية واحدة. حيث يسعى بعض المديرين التنفيذيين إلى السيطرة على أكبر حصة سوقية ممكنة في مواجهة المنافسين المتعثرين. قد يكون اللهاث وراء ذلك النوع من النمو مجزيًا إذا كان مربحًا واقتصاديًا في استهلاك السيولة النقدية.
ويُقصد بالاقتصاد في استهلاك السيولة ألا يتسبب الحرص على كسب حصة سوقية أكبر في إهدار مبالغ طائلة في صورة تكدس في مخزون البضائع وتأجيل تحصيل المستحقات النقدية ومزيد من التعقيدات؛ مما لا يحقق التكافؤ بين الوسيلة والغاية ويستنفد السيولة. لذا، تعد كفاءة إدارة السيولة النقدية أمرًا بالغ الأهمية.
يفرض الواقع الجديد صفقات الاستحواذ؛ حيث تلجأ الشركات المساهمة الخاصة المتعثرة ماليًا إلى التخفف من عبء بعض المؤسسات التابعة لها في مقابل مادي زهيد جدًا؛ إذ لا مفر من تقليص حجم الأنشطة في ظل أزمة السيولة واستمرار تراجع
الطلب. كما سيضطرك هذا المناخ إلى تخفيض العمالة. ومهما كانت قسوة الوضع، فلا بديل عن المواجهة؛ حيث يعتمد استمرارك في السوق على تخفيض النفقات وتوفير المزيد من النقود. ويمكنك تحويل كل هذه التدابير إلى عوامل إيجابية تعمل لصالحك بأن تنتقي بنود تخفيض النفقات الصحيحة. ويتطلب هذا المناخ أن تضيّق دائرة اهتماماتك وتحصر تركيزك في الأصول الثابتة التي لا تقدر بثمن ولا مجال للتفريط فيها، فهي قلب أنشطتك التجارية. والأولى بك أن تحدد القطاع السوقي الذي ستواصل العمل فيه، بل وطبيعة المستهلك الذي ستواصل استهدافه وبالتالي طبيعة ما ستقدمه من منتجات أو خدمات. كذلك انتقِ الموردين الذين ستواصل التعامل معهم، ثم أسقِط من اعتباراتك كل ما دون ذلك. سيمنحك هذا الاختزال فرصة لتبسيط أنشطتك التجارية وتخفيض عدد مستويات الإدارة في مؤسستك. وستنخفض بالتبعية أعداد العملاء ومعدلات الإنتاج والتسهيلات، وبالتالي أعداد العاملين والموردين، فتغدو شركتك أقوى وأقدر على الاستمرار.
ستضعك حتمية تخفيض النفقات وتوفير السيولة وتطوير نشاطك التجاري في موقع الهجوم، وستحوِّل الموقف المتضعضع إلى فرصة لبناء مؤسسة قادرة على الصمود أمام العاصفة واجتيازها في وضع أقوى وأكثر مرونة وستقودك إلى موقع تنافسي أبرز.

إدارة جديدة قوية ومركزة

سيتعين على كثير من المديرين إجراء تغييرات جذرية في أساليب المتابعة اليومية، لأن إحراز النجاح في ظل مناخ اقتصادي متقلب يتطلب مواصلة إجراء تعديلات من وقت لآخر في الصفقات التجارية وعروض المبيعات نفسها، وقد يتطلب الأمر تحولات أشمل تثير بعض المتاعب.
تتطلب مثل هذه الظروف ما يُسمى بالإدارة المركزة أو المكثفة، بمعنى الانخراط الشديد في تفاصيل الأنشطة التجارية الخاصة بك والمنافسة مع التواجد الفعلي والمتابعة المستمرة عن كثب. فلا يكفي أن تجلس على مكتبك لتقرأ التقارير وتصدر الأوامر، لأنك تحتاج إلى فهم دقيق لما يحدث خارج شركتك.

كما ينبغي أن تراجع خطة العمل وخط سيرها يوميًا. وهذا لا يعني استبعاد الاستراتيجية بعيدة المدى التي تعتمد على رؤية الصورة الأشمل والأكمل، وعدم الاكتفاء بالتفاصيل، إنما يؤكد على ضرورة تواجد المدير في قلب العاصفة أو لنقل قلب الحدث وفي
معمعة السوق وتواصله مع مفرداتها يوميًا. ولا بد أن يكون شعارك الجديد: تواجد عملي وتركيز شديد ومتابعة مستمرة.

الرقابة اللحظية

تسعى كل الشركات إلى إحراز أهداف سنوية، وتقيّم نشاطها تقييمًا ربع سنويًا. في ظل المناخ الاقتصادي الحالي، تعد الثلاثة أشهر فترة طويلة جدًا لمراجعة وتقييم أداء الشركة؛ إذ تتغير الظروف الاقتصادية تغيرًا سريعًا جدًا قد يكشف عن تعذر تحقيق الهدف السنوي المنشود بعد أسبوع أو اثنين من استهدافه.
عليك أن تكثف المتابعة وتحكم الرقابة. فسواء كانت أهدافك ربع سنوية أو شهرية أو أسبوعية، عليك بمراجعتها ومراقبة مؤشرات الأداء الرئيسة، وتتبع مساراتها نحو تحقيق هذه الأهداف، واتخاذ التدابير الصائبة كلما لزم الأمر. فإن كنت لا تزال ترصد الإنتاج الفعلي مقارنة بالطاقة الإنتاجية رصدًا ربعيًا أو فصليًا مثلاً، فعليك أن تفعل ذلك شهريًا، وسيمنحك ذلك سرعة الملاحظة ويحدوك إلى إجراء أية تعديلات تتطلبها المتغيرات الاقتصادية.
تنتقص تلك التقلبات من عمر خطط واستراتيجيات العمل التي سرعان ما تفقد حداثتها وعصريتها لعجزها عن مواكبة المستجدات. وقد تضطر مؤسستك إلى تغيير استراتيجيتها أكثر من مرة حتى تعود الأمور إلى طبيعتها. وحينئذ، قد تتلخص الاستراتيجية في المرونة، وتُختزل أهدافك إلى توفير السيولة حتى تنقشع غيوم الأزمة. وسيساعدك التواجد بين موظفيك والوقوف على أدق التفاصيل على سرعة اكتشاف نقاط الخطر والمؤشرات التحذيرية التي تخطرك بإخفاق استراتيجية العمل والكيفية التي تُطبق بها. لا تهدر الوقت في سرد الاحتمالات ودراستها، بل ابق في قلب العملية لتتأكد من جدية تطبيق خططك الأقصر أجلاً لتحقيق
أهدافك. الأولى أن تكون المتابعة أسبوعية إن لم تكن يومية؛ إذ لا بد من التدخل العاجل، اليوم لا غدًا، فاطرح الأسئلة وحاول مساعدة العاملين على تخطي كل العقبات التي ستواجههم.

نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات