جريدة عالم التنمية

ترتيب الأفكار وحسن العرض في الحوار

ترتيب الأفكار، وفصاحة اللسان، وقوة البيان، وحسن العرض من العوامل التي تؤدي إلى نجاح الحوار، من أجل ذلك ينبغي على كلّ محاور الاهتمام بترتيب الأفكار وحسن العرض، لأنّ تشابك الأفكار وتداخلها يشوشان على السامع، بل يجعلانه في حيرة من أمره فلا يدري بداية الفكرة من نهايتها، كما لا يستطيع التمييز والفصل بين الأفكار. يضاف إلى ما سبق أنّ الفكرة مهما كانت صحيحة وقيّمة إذا لم يحسن صاحبها حسن عرضها فإنّها ستفقد قيمتها، وبالمقابل فإنّ بعض الأفكار المنحرفة قد يكتب لها الظهور والنجاح بسبب قدرة صاحبها على حسن عرضها. وكما جاء في صحيح البخاري عند عبدالله بن عمر أنّه قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس: لبيانهما، فقال رسول الله (ص): “إنّ من البيان لسحراً، أو إنّ بعض البيان سحر”. وفي سنن أبي داود، (قال صعصعة بن صوحان، صدق نبيّ الله (ص): أما قوله “إنّ من البيان سحراً” فالرجل يكون عليه الحقّ وهو ألحن بالحجج من صاحب الحقّ فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحقّ). وإذا كان حسن العرض يرغِّب الناس ويشوقهم إلى الاستماع ويترك آثاراً طيبة في نفوسهم، فإنّ الخط بين الأفكار يسبب نفوراً في نفوس الناس كما يسبب الملل والسآمة، لذلك نجد أنّ رسول الله (ص) أوقف خطيباً عن إتمام خطبته لأنّه لم يوفق في حسن عرضها وفق الضوابط الشرعية، فعن عدي بن حاتم، أنّ خطيباً خطب عند النبيّ (ص) فقال: مَن يطع الله ورسوله فقد رَشِدَ ومَن يعصهما، فقال: قم أو قال “أذهب فبئس الخطيب أنت”. والمحاور الناجح هو الذي يتأسى بأسلوب القرآن الكريم في دقته المتناهية في ترتيب الأفكار الكريم في معرض رده على منكري البعث والنشور جاء بأدلة حسية تظهر قدرة الله سبحانه وتعالى على خلق الإنسان من ماء مهين ثم تحويله من علقه إلى مضغة… إلى أتم صورة وأحسن تقويم كما قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين/ 4). كلّ ذلك من أجل أن يلزم الله سبحانه وتعالى منكري البعث والنشور على الإذعان والتسليم بقدرة الله على إحياء الموتى، إذ كيف يعجز الله عن البعث والنشور وهو الذي خلقنا من ماء مهين، فدلالة الخلق ونقل الإنسان من مرحلة إلى أخرى – وهو أمر محسوس لا ينكره إلّا مكابرٌ ومعاند – يدل على قدرة الله على البعث والنشور. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (الحج/ 5-7). وقال تعالى: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة/ 37-40). قال ابن كثير (رحمه الله): “أي أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه”. كذلك كان أسلوب رسول الله (ص) البليغ وحسن عرضه يتركان أثراً عظيماً في نفس المتلقي، من ذلك موقفه (ص) من الغلام الذي طلب من الرسول أن يأذن له بالزنا، عندها قام القوم ليزجروه، فطلب منهم الرسول (ص) بالكف عن ذلك، وقرب الغلام منه، وأخذ (ص) يبيّن للغلام، الجانب السلبي والبعد النفسي للزنى في نفوس المحارم وكيف أنّهم يمقتونه، مما جعل الغلام ينفر من الزنى ولا يلتفت إليه، ولكي ينفّر الغلام من هذه الفاحشة، بدأ عليه الصلاة والسلام بقوله: “أتحبه لأُمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال ولا الناس يحبونه لأُمّهاتهم، قال أفتحبه لابنتك، قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال أفتحبه لأختك قال: لا والله جعلني فداءك قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال: أفتحبه لعمتك، قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللّهمّ اغفر ذنبه وطهِّر قلبه وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء”. ومن نماذج تسلسل الأفكار وحسن عرضها ما حدث مع جعفر بن أبي طالب (رض) مع النجاشي ملك الحبشة، فعندما هاجر المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، أرسلت قريش خلفهم رجلين جلدين منهم ليردوهم وهما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وحملا معهما الهدايا لتسهيل مهامهما، وعندما قابلا النجاشي ذكرا المسلمين المهاجرين بسوء… وعندما طلب النجاشي مقابلة المهاجرين المسلمين للتعرف على دينهم، قال له جعفر (رض): “أيّها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام… فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلم عندك أيّها الملك… فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ، فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) فبكى النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته… ثمّ قال النجاشي: إنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما”. ومن النماذج التي تدل على حسن العرض شكوى خولة بنت ثعلبة زوجها (أوس بن الصامت) إلى رسول الله (ص) حيث قالت: “يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللّهمّ إني أشكو إليك”، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) (المجادلة/ 1). ونختم هذه النماذج لفكرٍ اتسم بالسلامة وجودة العرض وحسن البيان، ذلك هو كلام وافدة النساء أسماء الأنصارية ا فعندما أتت النبيّ (ص) وهو بين أصحابه قالت: “بأبي أنت وأُمّي، إني وافدة النساء إليك، واعلم نفسي لك الفداء أنّه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أولم تسمع إلّا وهي على مثل رأيي، إنّ الله بعثك بالحقّ إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم، ومفضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنّكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم وربينا لكم أولادكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبيّ (ص) إلى أصحابه بوجهه كلّه وقال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبيّ (ص) إليها وقال لها: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كلّه، قال: فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً”. هذه نماذج تظهر لنا بصورة جلية أثر ترتيب الأفكار وحسن عرضها على الآخرين وكم هناك أناس أقبلوا على خطيب جمعة من كلّ حدث وصوب لسلاسة فكره وحسن عرضه، وبالمقابل كم هناك أناس انفضوا من حول واعظ لسوء عرضه واضطراب أفكاره.

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية

أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية

برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”

www.us-osr.org

التخطي إلى شريط الأدوات