عصير الكتب

الجزء الثاني من تلخيص كتاب “قواعد البيانات الكبرى” تأليف :فيكتور ماير شونبرجر وكينيث كوكير

“قواعد البيانات الكبرى”
الموقع أحد البيانات
تُعد أجهزة تحديد المواقع ”جي بي إس“ أحد الأنظمة الحديثة التي صُممت بهدف تحديد المواقع الجغرافية. نجد أنظمة الأقمار الصناعية المتنافسة تنتشر في الصين وأوروبا، بل ويمكن الحصول على نتائج أكثر دقة من خلال المسح المثلثي بين الأبراج الخلوية أو أجهزة التوجيه ”واي فاي“ لتحديد الموقع اعتمادًا على قوة الإشارة، لأن أجهزة ”جي بي إس“ لا تعمل داخل البنايات، أو في وسط المباني الشاهقة. لهذا السبب صممت بعض الشركات، مثل: ”جوجل“ و”آبل“ و”ميكروسوفت“، نظم تحديد المواقع الجغرافية الخاصة بها، لتقوم بما لا تستطيع أجهزة ”جي بي إس“ القيام به. فقد نجحت تقنية تحديد مواقع السيارات في الشوارع، والخاصة بمحرك البحث ”جوجل“، في جمع المعلومات الخاصة بأجهزة التوجيه ”واي فاي“ من خلال الصور التي تلتقطها، كما أصبح هاتف الآيفون ”هاتف تصنت“ لجمع بيانات المواقع الجغرافية وأجهزة ”واي فاي“، وإرسالها إلى موقع شركة ”آبل“، دون علم المستخدمين.
ولا يمكن الآن تتبع البشر فحسب، بل يمكن تتبع ممتلكاتهم كذلك. فعن طريق الوحدات اللاسلكية المثبتة داخل السيارات، سيؤدي تبيين المواقع الجغرافية إلى طفرة في عالم التأمينات، إذ تقدم البيانات فكرة تفصيلية عن الوقت والمواقع الجغرافية والمسافات الفعلية التي تقطعها السيارات، لتحديد قيمة المخاطر التي قد تتعرض لها بصورة أفضل. هذا، ويستطيع الأفراد في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا الاستفادة من أنظمة التأمين المناسبة على السيارات، طبقًا للأماكن والأوقات التي يقودون فيها سياراتهم، إذ لم يعودوا مجبرين على دفع اشتراكات سنوية بناءً على السن، والجنس، وسجل القيادة السابق. وبالطبع تشجع سياسة تسعير التأمين تلك السائقين على اتباع السلوك الجيد في أثناء القيادة، كما تُحدِث تحولاً في كيفية تحديد أسعار التأمين، من مجرد الاعتماد على تقدير المخاطر المحتملة إلى الاعتماد على السلوك الفردي.
ليس هذا فحسب، بل يغيِّر أيضًا تتبع الأفراد عن طريق مَركباتهم طبيعة التكاليف الثابتة، التي تضع في اعتبارها تكلفة صيانة الطرق وغيرها من عناصر البنية التحتية، من خلال ربط استخدام تلك الموارد بالسائقين وغيرهم ممن ”يستهلكونها“.
القيمة الكامنة في البيانات
يمكن تشبيه قيمة البيانات الحقيقية بجبل جليدي يسبح في المحيط، لا يظهر منه لأول وهلة سوى جزء صغير، بينما يختفي الجزء الأكبر منه تحت سطح المياه. من ثم، ينبغي تقدير قيمة البيانات من حيث السبل التي يمكن أن توظَّف بها تلك البيانات في المستقبل، وليس من خلال الطرق التي تُستخدم بها في الوقت الحاضر فحسب.
قد يكون من المفيد أن نتصور البيانات بالطريقة التي يتخيل بها الفيزيائيون الطاقة، وحديثهم عن الطاقة المختزنة، أو الكامنة، داخل أي جسم. فإذا ما نظرنا إلى زنبرك مضغوط، أو كرة ثابتة في أعلى أحد التلال، نجد الطاقة تظل كامنة في هذين الجسمين الثابتين، إلى أن يتحركا، عندما يتم تحرير الزنبرك أو دفع الكرة إلى أسفل، وعندها تتحول تلك الطاقة الكامنة إلى طاقة ”حركية“ تؤثر على غيرها من الأجسام. بالمثل، بعد استخدام البيانات لأول مرة، تظل قيمتها كامنة وإمكاناتها مخزنة، كما في حالة الزنبرك أو الكرة، حتى يتم استخدامها مرة أخرى، وتتحرر طاقتها من جديد.
تكمن قيمة البيانات فيما يستطيع المرء الاستفادة منها من خلال توظيفها بشتى السبل. في الماضي، كنا نظن أن البيانات قد أدت دورها إذا ما حصلنا على النتيجة المرجوة منها واستخدمناها مرة واحدة فقط، ثم نتخلص منها بعد ذلك. أما في عصر قواعد البيانات الهائلة، صارت البيانات أشبه بمنجم الماس الذي يظل منتجًا لفترة طويلة مهما استخرجنا منه.
الجانب المظلم من قواعد البيانات الكبرى
تتيح قواعد البيانات الكبرى قدرًا أكبر من المراقبة لحياتنا، في حين أنها تجعل بعض الوسائل القانونية لحماية الخصوصية بالية وغير ملائمة لذلك العصر. كما أنها تجعل تقنيات الحفاظ على سرية الهوية غير فعالة. في الوقت ذاته، هناك خطر حقيقي يتمثل في أن فوائد قواعد البيانات الكبرى تجذب البشر إلى تطبيق التقنيات في غير مكانها الصحيح، أو تجعلهم يشعرون بالثقة المفرطة في نتائج التحليلات. ومع تطور التكهنات التي تعتمد على قواعد البيانات الهائلة، يصبح استخدامها أكثر جاذبية، وتجعل البشر شغوفين بالبيانات ويعتمدون عليها اعتمادًا مفرطًا، لما يمكن أن تحققه من نتائج.
من الخصوصية إلى المسألة
يؤدي إجراء بعض التغييرات في الطريقة التي ننتج بها المعلومات ونتفاعل معها إلى تغييرات في القواعد التي نستخدمها وفي القيم التي يحتاج المجتمع إلى حمايتها.
على مدى عقود، كان الهدف الرئيسي من قوانين حماية الخصوصية في جميع أنحاء العالم هو أن يقرر الأفراد بأنفسهم طريقة معالجة بياناتهم الشخصية ومَن يستطيع الوصول إليها. وفي عصر الإنترنت، تحول الأمر إلى ”إشعار وقبول“. بيد أنه في عصر قواعد البيانات الكبرى، عندما يكمن القدر الأكبر من قيمة البيانات في الاستخدامات الثانوية التي قد لا تكون متوقعة في الوقت الذي يتم فيه جمع تلك البيانات، لم تعد هذه الآلية لحماية الخصوصية مناسبة.
إننا نتصور إطارًا مختلفًا للخصوصية في عصر قواعد البيانات الكبرى، إطارًا لا يركز على موافقة الفرد على جمع بياناته، بل يركز بدرجة أكبر على تحميل مستخدمي البيانات مسؤولية ما يقومون به. وفي عالم مثل هذا، ستقوم الشركات بتقييم إعادة استخدام البيانات بصورة محددة، على أساس تأثيرها في الأفراد الذين تتم معالجة بياناتهم الشخصية. ولا يتعين أن تكون تلك العملية مفصلة تفصيلاً تامًا في جميع الحالات، حيث ستحدد قوانين الخصوصية في المستقبل فئات واسعة من الاستخدامات،
بما في ذلك الاستخدامات المسموح بها مع وجود ضمانات محددة وموحدة، أو في عدم وجودها.
وبالنسبة إلى المبادرات التي تحيط بها نسبة كبيرة من المخاطر، يحدد القائمون عليها القواعد الأساسية التي تمكن مستخدمي البيانات من تقييم المخاطر المترتبة على استخدامها وتحديد أفضل السبل لتجنب الضرر المحتمل، أو للتخفيف من وطأته. سيؤدي ذلك إلى إعادة استخدام البيانات بطريقة إبداعية، بينما يضمن، في الوقت نفسه، اتخاذ التدابير اللازمة للتأكد من عدم تعرض الأفراد لأي ضرر.
ويوفر التقييم الرسمي لاستخدام قواعد البيانات الكبرى بشكل صحيح، وتنفيذ نتائجها بدقة، فوائد ملموسة بالنسبة إلى مستخدمي البيانات: فسيمكنهم مواصلة الاستخدامات الثانوية للبيانات الشخصية بحرية في كثير من الحالات، دون الحاجة للعودة إلى الأفراد للحصول على موافقتهم بصورة مباشرة. ومن ناحية أخرى، ستعرِّض التقييمات الخاطئة، أو التطبيق السيئ للضمانات، مستخدمي البيانات للمساءلة القانونية، والإجراءات التنظيمية، مثل فرض الوصاية، ودفع الغرامات، وربما الملاحقة الجنائية.
المتخصصون في الحسابات المعقدة
إننا نلاحظ ظهور كيانات جديدة مع ازدياد التعقيد والتخصص في مجال ما، مما يؤدي إلى حاجة ملحة لخبراء يديرون التقنيات الجديدة. وقد خضعت مهن المحاماة والطب والمحاسبة والهندسة لذلك التحول منذ أكثر من قرن من الزمان. وفي الآونة الأخيرة، ظهر المتخصصون في ضمان خصوصية الشبكات وأجهزة الكمبيوتر، ليعملوا على التأكد من أن الشركات تمتثل لأفضل الممارسات التي تحددها المنظمات الدولية.
ستتطلب قواعد البيانات الكبرى مجموعة جديدة من الأفراد لإدارتها، ربما نطلق عليهم اسم ”المتخصصين في الحسابات المعقدة“. قد يتخذ هؤلاء المتخصصون شكل كيانات مستقلة لمراقبة الشركات من الخارج، أو مجموعة من الموظفين أو الإدارات لمراقبتها في الداخل، ويشبه ذلك فريق الحسابات في أية شركة، والذي يتكون من مجموعة من المحاسبين يعملون داخل الشركة، ومجموعة من مراجعي الحسابات الخارجيين الذين يقومون بمراجعة الحسابات والأمور المالية.
سيكون هؤلاء المهنيون الجدد خبراء في مجالات علوم الكمبيوتر، والرياضيات، والإحصاء، كما سيعملون في مراجعة قواعد البيانات الكبرى والتحليلات والتكهنات الخاصة بها، وسيتعهدون بالحياد والسرية، كما يفعل المحاسبون وغيرهم من المهنيين في الوقت الحاضر. ليس هذا فحسب، بل سيقومون أيضًا بتقييم واختيار مصادر البيانات، واختيار الأدوات التحليلية التنبؤية، بما في ذلك
النماذج والحلول الحسابية، وتفسير النتائج. وفي حالة وجود أي نزاع بينهم، سيستعينون بالحلول الحسابية، والمناهج الإحصائية، ومجموعات البيانات التي تساعدهم في التوصل إلى قرار معين.
وثمة أمثلة للدور الذي يلعبه المتخصصون في الحسابات المعقدة في اليابان، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، حيث اشتكى مستخدمو محرك البحث ”جوجل“ من أن خاصية ”الإكمال التلقائي“، التي تنتج قائمة من كلمات البحث الشائعة مرتبطة بالأسماء التي تتم كتابتها في المحرك البحثي، قد سببت لهم بعض المشكلات وأساءت إلى سمعتهم. تستند تلك القوائم إلى حد كبير على عمليات البحث السابقة؛ إذ يتم تصنيف كلمات البحث بناءً على احتمالية رياضية. ومع هذا، مَن منا لا يغضب إذا ما ظهر تعبير ”محكوم عليه“ بجانب أسمائنا، عندما يبحث عنا شركاؤنا المحتملون في العمل على شبكة الإنترنت للتحقق من سمعتنا وسجلاتنا الماضية؟
إننا نتصور أن المتخصصين في الحسابات المعقدة قد يوفرون لنا حلولاً مستمدة من السوق لمثل هذه المشكلات تجنبنا القواعد التنظيمية والقيود المزعجة، وقد يقومون بوظيفة مماثلة لتلك التي كان المحاسبون ومراجعو الحسابات يقومون بها عندما بدؤوا عملهم في أوائل القرن العشرين، إذ كانوا يتعاملون مع طوفان جديد من المعلومات المالية يتطلب قدرة تنظيمية هائلة. وكانت استجابة السوق لذلك من خلال إطلاق جيل جديد من الشركات التنافسية المتخصصة في المراقبة المالية. وقد عزز ذلك الجيل
الجديد من المهنيين ثقة المجتمع في الاقتصاد. وينبغي أن تستفيد قواعد البيانات الكبرى من الثقة المماثلة التي سيوفرها المتخصصون في الحسابات المعقدة.
ماذا بعد؟!
ثمة تأثيرات واضحة لقواعد البيانات الكبرى على المستوى العملي، إذ تُستخدم لإيجاد حلول للمشاكل اليومية الشائكة. بيد أن هذه مجرد بداية، إذ توشك قواعد البيانات الكبرى على إعادة تشكيل الطريقة التي نعيش ونعمل ونفكر بها. فها هي الأرض تتحرك تحت أقدامنا، وأصبحت معها الثوابت القديمة عرضة للجدل، كما أن المعرفة التي كانت تشير فيما سبق إلى فهم الماضي، صارت تعني الآن القدرة على التكهن بالمستقبل.
تميِّز قواعد البيانات الكبرى اللحظة التي يفي فيها ”عالم المعلومات“ بالوعد الذي فرضته عليه تلك التسمية، أي ”عالم المعلومات“. وتحتل البيانات مركز الصدارة في ذلك العالم، إذ يمكن استخدامها بطرق جديدة ومستحدثة، لخدمة أغراض مختلفة واكتشاف أشكال مبتكرة من القيمة. بيد أن ذلك يتطلب طريقة مختلفة في التفكير، تتحدى مؤسساتنا، بل وحتى شعورنا بالهوية وتقديرنا لها. أما الأمر الذي لا يجوز أن يخضع للشك، فهو استمرار تزايد كم البيانات، وبالطبع ستنمو معها القدرة على معالجتها. ولكن بينما يعتبر معظم الناس قواعد البيانات الكبرى أحد العناصر التكنولوجية، مركزين على الأجهزة أو البرمجيات، نعتقد نحن أنه ينبغي أن نركز، بدلاً من ذلك، على ما قد يحدث عندما تتحدث البيانات.
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى