“قداسة الأعمال اليدوية ”
الاستقلالية مقابل حرية الإختيار
ما دامت الدراجة البخارية تحتوي على بادئ تشغيل كهربائي وطارد ومضخة زيت أوتوماتيكية، فعلينا أن نعترف أن مثل هذا الاستعداد الذي يخدم رغبتنا وإرادتنا هو سمة مميزة في الآلة. العمل على إصلاح دراجات الآخرين بهدف جني المال يجردنا من مشاعر التعلق بأشيائنا. وفي ذلك تقول الفيلسوفة ”آيريس ميردوك“: ”إذا أردت أن تكون استجاباتك مع العالم منصفة وعادلة، فعليك أن تراه بوضوح، ولتحقيق هذا يجب أن تخرج من صندوق عقلك المحدود وتدرك أنه عليك أن تبرر أمام العميل تكلفة
العمل الذي قمت به“.
العمل اليدوي أكثر إستقراراً وإمتاعاً من العمل المكتبي
تركز نظم التعليم على المعرفة النظرية المجردة في مقابل المعرفة التطبيقية، أو المعرفة العامة التي يستقيها المرء من المعلومات المخزنة في الكتب وموارد المعلومات الأخرى على الإنترنت، مقارنة بالمعرفة التي تنشأ وتتكون بفضل التجربة والممارسة والخبرة. مثل هذه المعرفة نابعة من طبيعة الأشياء ولا تخضع لظروف المتعلم. وهي معرفة يمكن تناقلها شفهيًا أو كتابيًا دون أن تفقد معناها ومبناها ودون الحاجة إلى خبرات عملية. الوظائف التي تعتمد على المعرفة الوصفية هي التي ينظر إليها المجتمع باعتبارها مهنًا مرموقة، ولكنها تواجه منافسة عالمية شرسة بسبب انتشار التعليم النظري والتلقيني. المعرفة التطبيقية ترتبط بخبرة شخص معين وتجربته. فهي ليست موجودة في الكتب، بل يجب أن يعيشها المرء ويجربها حتى يتمكن من اكتسابها.
الحاجة إلى المعارف المختلفة والمتنوعة
إذا حسبت أن المعارف العامة هي كل شيء، فإنك بذلك لا تضع في اعتبارك الوجود المادي وحجم المنفعة. يلعب الوجود المادي دورًا مؤثرًا في طريقة فهمنا للعالم، فالخبرة العملية التي يتمتع بها رجل المطافئ يمكن اعتبارها شكلاً من أشكال المعارف التي يكتسبها المرء يوميًا بالممارسة.
يعرف رجل المطافئ الخبير متى يلوذ بالفرار وينجو بحياته من مبنى تأكله النيران، فيتركه قبل لحظات من انهياره. عندما سئل عدد من رجال الإطفاء عن السر وراء قدرتهم على معرفة التوقيت المناسب لمغادرة المبنى المحترق قبل انهياره مباشرة، أجابوا بأنها ”الحاسة السادسة“. انبهارنا بما يمكن أن يمثل قدرات ميتافزيقية وغيبية يتمتع بها رجال الإطفاء هو أكبر دليل على أن فهمنا للطريقة التي يستوعب بها عقلنا العالم هو فهم منقوص.
أكثر المعلومات التي تترسخ وتثبت في أذهاننا هي التي نكتسبها بالممارسة. يقول الفيلسوف ”مارتين هايدجر“ نحن لا نعرف فائدة المطرقة بالنظر إليها وحسب، بل عندما نستخدمها. وهذه نقطة في منتهى الأهمية بالنسبة لطريقة استيعابنا وفهمنا للعالم. انشغالنا بمعرفة الأشياء كما هي من الخارج، وبشكلها السطحي يعتبر أمرًا خاطئًا ولا يفيد في تنمية خبراتنا العملية. الأشياء المتجسدة أمامنا لا يمكن فصلها عن السياق الذي تُستخدم فيه، وإنما يجب أن ننظر إليها باعتبارها أدوات تنفيذية
(مثل المطرقة) أو تحفيزية تُستخدم في موقف مادي وملموس وليس في عالم غيبي مطموس.
من أهم الأسئلة المحورية في مجال الإدراك سؤال: كيف يرى العقل العالم الخارجي مع أن كلا منهما كيان مختلف عن الآخر؟ يرى ”هايدجر“ أنه لا مشكلة في تجسيد العالم الخارجي ماديًا، لأننا في الأصل جزء من العالم ونعيش فيه. تلقي آراء ”هايدجر“ ونظرياته حول المعارف اليومية التي يكتسبها الإنسان بعض الضوء على الخبرة العملية التي يعرفها بالفطرة. إذا كان التفكير مرتبطًا بالتنفيذ، فإن استيعابنا وفهمنا للعالم رهنٌ بما ننفذه ونصنعه بأيدينا. وهذه هي الحقيقة: إذا أردت أن تعرف آلية عمل أربطة الحذاء،
فعليك أن تستخدمها بالفعل لتربط حذاءك، وإلا وقعت في نفس الخطأ الذي وقع فيه غيرك فتفترض أن العقدة المزدوجة يمكن ربطها بلفة واحدة بصرف النظر عن المادة المصنوع منها الرباط.
يذكرنا عالما الاقتصاد ”آلان بلايندر“ و“فرانك ليفي“ بالتبعات المحتملة التي قد تنشأ في سوق العمل نتيجة ترسخ بعض الوظائف لدينا بالفطرة بحيث لا يمكن إخضاعها للقواعد. من الضروري أن نقدر سمة الرسوخ التي تميز نمط تفكيرنا في العمل، لأن
تدهور العمل وانهياره يرجع لمحاولات دفن المعرفة الفطرية لدى أصحاب الممارسة والخبرة العملية، واستبدالها بأسلوب العمل عبر الأدلة الإرشادية والتعليمات، وترميز وتشفير وتحويل المعرفة إلى أفكار مجردة. يسمِي عالم الاجتماع ”دانيال بيل“ هذا التشفير ”التكنولوجيا الفكرية“ التي ترجع أهميتها إلى حقيقة أنها تفسح المجال أمام ظهور التكنولوجيا الاجتماعية، بمعنى تكليف قطاع من العمالة بمسؤولية تنظيم مستشفى مثلاً أو نظام تجارة عالمي أو أداء مهمات متخصصة لتحقيق هدف مشترك. وهو يرى أن ميكنة الفكر ومركزته تعتبر تقدمًا أو نتيجة حتمية ورد فعل لتعقد المجتمع. ويرجع استعداده لإلغاء المعرفة الفطرية لدى الممارسين
المحنكين إلى فكرة أن هذه المعرفة لا تلائم النظم المعقدة. إذا كانت هذه النظرية المعرفية سليمة، فإنها تبرر انفصال المعرفة الفطرية عن الخبراء المهرة عندما تتعقد الأوضاع. ولكن في الحقيقة، عندما تتعقد الأمور فعلاً، فإنك تريد خبيرًا محنكًا يستطيع
السيطرة عليها. الميل إلى القواعد الموضوعة بدلاً من المعرفة الفطرية أمر خاطئ ومكلف ما لم يكن مسنودًا بوضع الخبير الفني والفطري المناسب في المكان المناسب ثم تعزيزه بالعلم ونظمه المعقدة.
قيمة الفشل
الطلاب الذين يعانون من صعوبة في دراستهم يمرون بتجارب فشل كثيرة وخطيرة. لكن ثناء المدرسين والآباء على الطلاب الموهوبين أكثر خطورة، لا سيما إذا امتزج هذا الثناء بارتفاع درجات أعمال السنة مع تدني مستوى المناهج الدراسية المطبقة في المدارس الأرستقراطية الفاخرة. فهناك يستطيع الطالب الهروب من تعلم العلوم الطبيعية واللغات الأجنبية، ومع ذلك يحصل
على شهادته دون أن يفهم معنى أن يكون مخطئًا أو يتعرض للفشل ولو لمرة واحدة في حياته. فالفشل مهم لكي يبحث الإنسان عن ذاته ويعرف صفاته ويكتشف مواطن قوته.
التعلم الحقيقي يتضمن الفشل
جميعنا نمر بتجارب الفشل، مما يدفعنا إلى المثابرة وبذل المزيد من الجهد لتفادي الوقوع في الخطأ مرة ثانية. يقول ”تشارلز موراي“ في أحد كتبه عن السكرتير الإعلامي للرئيس الأمريكي الراحل ”ليندن جونسن“: ”لم يكن يسمح لأحد بالعمل في الجناح الغربي من البيت الأبيض ما لم يكن قد تعرض في مرحلة ما من حياته إلى فشل أو إخفاق كبير“. ويضيف: ”مسؤوليات العمل هناك أكبر وأعقد من أن تُعهَد إلى شخص لا يفهم معنى أن تسوء الأمور وتتعقد الأوضاع“. ورغم ذلك، فقد حُذفت تجربة الفشل من العملية التعليمية، على الأقل بالنسبة للطلاب الموهوبين.
الاعتماد على الذات يعني أن تهتم بأدواتك وممتلكاتك، وهو ما يتطلب فهمها فهمًا تامًا من حيث مكوناتها ومبادئ تشغيلها وطريقة تصليحها وصيانتها. كان الاعتماد على الذات حلاً لمواجهة انهيار مؤسسات الرعاية المتبادلة. فمؤسسات المعاشات تفشل دائمًا،
وكذلك الزيجات. وقد تجد شخصًا يتحلى بالشجاعة الكافية ليطلب في وصيته ألا يستخدم الأطباء معه أجهزة الإنعاش الصناعي إذا كان لا أمل في شفائه وذلك حتى لا يكون عبئًا على الآخرين. كما حل الضمان الاجتماعي محل الأسرة ونظم المعاشات.
ولملء هذا الفراغ الناتج عن العزلة والوحدة والنظر إليه من زاوية إيجابية، سنفترض أن سيطرة المرء على حياته دون أن يكون مثقلاً بارتباطاته مع الآخرين هي سبب كاف ليشعر بالحرية الكاملة.
هذه هي الذات المستهلكة التي تترك بصمتها على العالم عن طريق شراء الأشياء، فتعبر بذلك عن تفضيلاتها. تجذبنا هذه الأفكار عن الاستقلالية وحرية الاختيار بشكل قوي، فتتعاظم عزلتنا وصورتنا الذاتية المهيمنة. يتجلى هذا المفهوم عن الحرية لدى رجل السياسة أو المدير التنفيذي الذي يعمل بالنيابة عن غيره دون اهتمام أو ارتباط حقيقي بالعمل الذي يؤديه. يختلف مفهوم الاعتماد على الذات عن الذات المهيمنة ويتطلب تأملاً أعمق في فكرة الاستقلالية التي تعتمد على ممارسة الأنشطة ”الموجهة ذاتيًا“ ولا تُملى على المرء ممن هم حوله. أي هي موجهة ذاتيًا بمعنى أنها تخضع لإرادة إنسان تنبع اختياراته من أهدافه الخاصة. وبالتالي، ينشأ الصراع بين الأهداف المفروضة من الآخرين والأهداف التي تحتاجها الذات. العمل الذي يعتمد على النوع الأول من الأهداف، يشعر معه المرء بالاغتراب والانفصال. أما العمل المعتمد على النوع الثاني، فيشعر معه المرء بالرضا وتحقيق الذات.
قال ”أرسطو“ في كتابه ”الميتافيزيقيا“: ”جميع البشر مولعون بالمعرفة والتعلم، وهذا ميل فطري لديهم“. وهو يقصد أن المعرفة تتكون بفضل الاحتكاك المباشر مع الأشياء الحقيقية والملموسة. ولهذا تتركز قيمة العمل في تحقيق نفس الهدف الذي تسعى إليه الفلسفة: وهو تكوين مجتمع من أفراد يحبون المعرفة.
إذا أردت أن تستمتع بحياتك فعليك أن تعي موقف الإنسان وأن تقبله على علاته محاولاً بلوغ أعلى مراتب النجاح؛ ولسوف تجد بعض الظروف الاقتصادية أفضل من غيرها. فحين ينفصل العمل عن التنفيذ والتطبيق، ننقلب بعضنا على بعض بل وعلى أنفسنا، لأن التفكير مرتبط بالفعل، فنحن نكتشف متعتنا الحقيقية من عملنا وتعاوننا مع الآخرين. يقول ”فاوجان كوين“: ”لكي ينتابك شعور
إيجابي عن نفسك، كن إيجابيًا. الإنسان لا يعيش كما يفكر، بل يفكر كما يعيش.“
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي
الجزء الثاني من تلخيص كتاب “قداسة الأعمال اليدوية ” تأليف :ماثيو كروفورد
