بقلم: أ.د/ جيهان عبد الرحمن
من حرارة المحيطات إلى تقلبات الطقس، تتسابق التكنولوجيا الحديثة لفك شفرات المناخ واستشراف مستقبل الأرض.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: 28].
لم يعد الشتاء مجرد فصل تتبدل فيه درجات الحرارة وتتساقط الأمطار، بل أصبح قضية علمية واستراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي والمائي، واستقرار الاقتصاد، وسلامة المجتمعات. وفي عالم تتزايد فيه التقلبات المناخية، تبرز ظاهرة «النينو» بوصفها أحد العوامل المؤثرة في أنماط الطقس العالمية، بينما يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة لفهم هذه الظاهرة وتقدير انعكاساتها المحتملة.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكشف لنا ملامح الشتاء القادم قبل أن نفاجأ بتقلباته؟
النينو… حين تؤثر حرارة المحيطات في طقس العالم
تُعرف ظاهرة النينو (El Niño) بأنها ارتفاع غير معتاد في درجة حرارة سطح مياه الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، وهو تغير يؤثر في حركة الرياح وتوزيع الحرارة والرطوبة في الغلاف الجوي، وقد ينعكس على أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم.
ولا تتخذ هذه التأثيرات صورة واحدة؛ فقد ترتبط بأمطار غزيرة في بعض المناطق، وبالجفاف أو ارتفاع الحرارة في مناطق أخرى، تبعًا للموقع الجغرافي والفصل وعوامل المناخ المصاحبة.
أما في مصر، فلا يمكن اعتبار النينو مؤشرًا منفردًا على شتاء شديد البرودة أو غزير الأمطار؛ فتأثيرها على شمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط غير مباشر، ويتداخل مع حركة المنخفضات الجوية وحرارة البحر المتوسط وأنماط الضغط الجوي الإقليمية.
ومن ثم، فإن فهم النينو لا يعني إطلاق توقعات حاسمة بشأن الشتاء، بل قراءة مجموعة من المؤشرات المناخية للوصول إلى تقديرات أكثر دقة.
الذكاء الاصطناعي… عين علمية تستشرف المستقبل
هنا تبدأ ثورة الذكاء الاصطناعي في علوم المناخ؛ إذ تستطيع الأنظمة الذكية تحليل كميات هائلة من البيانات الواردة من الأقمار الصناعية ومحطات الأرصاد والمحيطات، واكتشاف أنماط معقدة قد يصعب رصدها بالأساليب التقليدية وحدها.
وتتجلى أهم تطبيقاته في ثلاثة مجالات رئيسية:
أولًا: التنبؤ بالتقلبات الجوية. تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات المناخية وتحسين توقعات الطقس، بما يدعم الاستعداد للعواصف وموجات الحرارة والبرودة والأمطار الغزيرة.
ثانيًا: الإنذار المبكر بالكوارث. يتيح دمج التوقعات الجوية مع بيانات التضاريس والسيول والبنية التحتية دعم أنظمة الإنذار المبكر، ومنح المؤسسات وقتًا أكبر للاستعداد وتقليل الخسائر المحتملة.
ثالثًا: حماية الموارد وتحقيق الأمن الغذائي. تسهم التوقعات المناخية في مساعدة المزارعين على تنظيم الري، واختيار مواعيد الزراعة، والاستعداد لفترات الجفاف أو الأمطار غير المعتادة، كما تدعم التخطيط لإدارة المياه والطاقة.
ومع ذلك، لا يمثل الذكاء الاصطناعي أداة لمعرفة المستقبل بصورة يقينية؛ فهو يقدم تقديرات واحتمالات تعتمد على جودة البيانات ودقة النماذج، وتظل النماذج الفيزيائية للأرصاد الجوية ضرورية لفهم العمليات التي تحكم الغلاف الجوي.
شتاء 2026–2027… بين التوقع العلمي والاستعداد الواقعي
تزداد أهمية متابعة مؤشرات النينو خلال الموسم الحالي، لكن وجود الظاهرة أو اشتدادها لا يكفي وحده للحكم على طبيعة الشتاء المقبل في مصر.
فالتنبؤ المسؤول يتطلب الجمع بين تحديثات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وبيانات مراكز المناخ الدولية، والتوقعات الصادرة عن هيئة الأرصاد الجوية المصرية. كما يجب التمييز بين التوقعات الموسمية، التي تقدّر الاتجاهات العامة لدرجات الحرارة والأمطار، والتنبؤات اليومية التي تحدد تطور الحالات الجوية بصورة أكثر تفصيلًا.
وهنا تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي: ليس في إطلاق توقعات مثيرة للقلق، بل في تحليل المؤشرات، وتقدير المخاطر، وتحويل المعرفة العلمية إلى قرارات عملية تحمي الإنسان والمجتمع.
الخاتمة: هل ننتظر مفاجآت الشتاء أم نستعد لها؟
إن النينو تكشف لنا جانبًا من الترابط المدهش بين المحيطات والغلاف الجوي، بينما يمنحنا الذكاء الاصطناعي أدوات أكثر تطورًا لفهم هذا الترابط واستشراف بعض نتائجه المحتملة.
لكن التقدم الحقيقي لا يُقاس بقدرتنا على التنبؤ بالطقس فحسب، بل بقدرتنا على الاستعداد لما قد يحمله من تحديات؛ فالمعلومة التي تصل في الوقت المناسب قد تحمي محصولًا من التلف، أو تقلل خسائر سيول، أو تساعد مؤسسة على اتخاذ قرار ينقذ الأرواح.
إن المستقبل لن يكون لمن ينتظر العاصفة حتى تضرب، بل لمن يمتلك العلم ليفهم إشاراتها، والتكنولوجيا ليستعد لها، والحكمة ليحوّل المعرفة إلى حماية للحياة.
وهكذا يلتقي علم المناخ بالذكاء الاصطناعي في رسالة واحدة: أن نفهم كوكبنا بصورة أعمق، وأن نستعد لمستقبله بوعي أكبر، لأن حماية الإنسان تبدأ أحيانًا من القدرة على قراءة ما تخبرنا به الطبيعة قبل فوات الأوان.
