جريدة عالم التنمية

من أجل آدم… حين تصبح الصحة النفسية خط الدفاع الأول عن الطفولة

بقلم أ.د / جيهان عبد الرحمن

ليست كل مأساة نهايةً لقصة طفل، بل قد تكون بدايةً لسؤال يوقظ ضمير المجتمع: هل نوفر لأطفالنا الرعاية النفسية والوعي والحماية التي تساعدهم على النمو بأمان، واحترام الآخرين، وإدراك عواقب أفعالهم؟
أعادت واقعة الطفل آدم في بورسعيد تسليط الضوء على أهمية حماية الطفولة، والعلاقة بين الصحة النفسية والوقاية من السلوكيات الخطرة، إلى جانب التوعية بمخاطر المخدرات والمواد مجهولة المصدر. ومع ضرورة احترام التحقيقات وعدم استباق نتائجها، تظل الواقعة دعوة إلى مراجعة منظومة حماية الأطفال، والانتقال من التعاطف إلى إجراءات عملية تمنع الخطر قبل وقوعه.
فالصحة النفسية ليست مجرد علاج للاضطرابات، بل بناء للوعي والضمير والقدرة على ضبط الانفعالات والتعاطف مع الآخرين. فالطفل يحتاج إلى تعلم كيفية التعامل مع الغضب، ورفض ضغط الأقران، واحترام حدود الآخرين، وطلب المساعدة عند الخطر. وهذه المهارات تمثل ركيزة مهمة للوقاية، دون أن تعني أن كل سلوك مؤذٍ ناتج عن مشكلة نفسية.

من المسؤولية إلى التنفيذ: توصيات عملية
الأسرة: تخصيص وقت يومي للحوار مع الأطفال، والاستماع إلى مخاوفهم، وتعليمهم رفض أي دواء أو مادة مجهولة، وعدم تبرير التنمر أو إيذاء الآخرين.المدرسة: تفعيل دور الأخصائي النفسي والاجتماعي، وتطبيق برامج دورية لمواجهة التنمر وضغط الأقران، ووضع آلية واضحة وسرية للإبلاغ عن المخاطر، وتدريب العاملين على الاستجابة للطوارئ.المؤسسات الصحية: إتاحة خدمات الدعم النفسي المبكر للأطفال وأسرهم، وتوعية أولياء الأمور بالاستخدام الآمن للأدوية، والتعامل السريع مع حالات الاشتباه في التسمم أو التعرض لمواد خطرة.

الجهات الحكومية والرقابية: مراجعة إجراءات السلامة داخل المؤسسات التعليمية، وتعزيز الرقابة على تداول المواد الخطرة، والتحقيق المهني في الوقائع، ونشر نتائج الإجراءات المسموح بإعلانها قانونًا.

الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني: إطلاق حملات توعية مبسطة ومستمرة حول الصحة النفسية والمخدرات واحترام الحياة، مع حماية خصوصية الأطفال والابتعاد عن الشائعات.

ومن الضروري أيضًا وضع خطة متابعة قابلة للقياس، تتضمن تدريب العاملين، وتنفيذ جلسات توعية منتظمة، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ، ومراجعة الاستجابة للحوادث بصورة دورية؛ حتى لا تبقى التوصيات مجرد شعارات.
رسالة إنسانية لا تحتمل التأجيل
إن الطفل الذي يصدر عنه سلوك مؤذٍ يحتاج إلى حدود واضحة ومساءلة مناسبة لعمره، إلى جانب فهم أسباب سلوكه وتقديم الدعم المتخصص عند الحاجة. والطفل الذي يتعرض للأذى يحتاج إلى الحماية والرعاية النفسية، لا إلى تركه وحده مع الخوف والآثار النفسية المحتملة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

الخاتمة: من ألم آدم إلى منظومة تحمي كل طفل
إن الدرس الأهم من واقعة آدم هو أن حماية الطفولة لا تبدأ بعد وقوع المأساة، بل ببناء نفسية سليمة، ومدرسة آمنة، وأسرة واعية، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها وتراجع أداءها باستمرار.
من أجل آدم، ومن أجل كل طفل، لنجعل الصحة النفسية أولوية، والتوعية ممارسة يومية، والوقاية خطة قابلة للتنفيذ، والمساءلة ضمانة لحماية الحياة.
فكل خطوة عملية نحمي بها طفلًا اليوم، قد تمنع مأساة غدًا؛ لأن الطفولة أمانة، وحمايتها مسؤولية لا تقبل التأجيل.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات