بقلم: د. مها أحمد فؤاد
في العاشر من أكتوبر من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، وهي مناسبة إنسانية مهمة تدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم الصحة، فلا تقتصر على سلامة الجسد فحسب، بل تمتد لتشمل سلام النفس، واستقرار المشاعر، والقدرة على مواجهة ضغوط الحياة، وبناء علاقات إنسانية قائمة على الاحترام والتفاهم والاحتواء.
إن الصحة النفسية ليست رفاهية، وليست أمرًا ثانويًا يمكن تأجيل الاهتمام به حتى ننتهي من مسؤولياتنا والتزاماتنا، بل هي أساس من أسس جودة الحياة، وركيزة رئيسية لقدرة الإنسان على العمل والإبداع والتواصل وتحقيق أهدافه. فالإنسان الذي ينعم بقدر من التوازن النفسي يكون أكثر قدرة على التعامل مع التحديات، واتخاذ القرارات، ومواجهة الأزمات بوعي ومرونة.
الصحة النفسية ليست غياب الألم
من المفاهيم التي ينبغي أن نصححها في مجتمعاتنا أن الإنسان القوي هو الذي لا يحزن، ولا يبكي، ولا يعترف بتعبه، ولا يسمح لأحد برؤية لحظات ضعفه. والحقيقة أن الإنسان يمر بمراحل مختلفة من المشاعر، وأن الحزن والقلق والإرهاق النفسي قد تكون تجارب يواجهها الكثيرون في مراحل متعددة من حياتهم.
القوة الحقيقية لا تعني إنكار الألم أو التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، وإنما تعني القدرة على الاعتراف بالمشاعر، وفهم أسبابها، والبحث عن الطرق الصحية للتعامل معها. فمن حق كل إنسان أن يشعر بالتعب، وأن يحتاج إلى الراحة، وأن يطلب المساندة حين تصبح الأعباء أكبر من قدرته على التحمل.
ولذلك، علينا أن نتوقف عن إصدار الأحكام على مشاعر الآخرين، وألا نختزل معاناتهم في عبارات مثل: «أنت تبالغ» أو «غيرك يعاني أكثر منك». فلكل إنسان تجربته الخاصة، وما يبدو بسيطًا في نظر البعض قد يكون مؤلمًا وثقيلًا بالنسبة إلى شخص آخر.
الكلمة الطيبة… بداية طريق التعافي
كم من إنسان يخوض معركة صامتة لا يعرف عنها المحيطون به شيئًا، وكم من ابتسامة تخفي وراءها قلقًا أو حزنًا أو شعورًا بالوحدة. ولهذا، فإن التعامل برحمة مع الآخرين ليس مجرد سلوك اجتماعي مهذب، بل هو قيمة إنسانية قد تصنع فارقًا كبيرًا في حياة شخص يمر بوقت صعب.
قد لا نستطيع حل جميع مشكلات من نحب، لكن يمكننا أن نستمع إليهم دون مقاطعة، وأن نمنحهم مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرهم، وأن نؤكد لهم أنهم ليسوا مضطرين إلى مواجهة كل شيء بمفردهم.
إن الاحتواء الحقيقي لا يعني تقديم النصائح في كل مرة، ولا محاولة التقليل من الألم أو الإسراع في إنهائه، بل قد يبدأ بمجرد سؤال صادق: «كيف حالك حقًا؟»، ثم الإصغاء إلى الإجابة باهتمام واحترام.
ومن هنا، تأتي أهمية نشر ثقافة التعاطف والتفاهم داخل الأسرة ومؤسسات التعليم والعمل والمجتمع، حتى يشعر الإنسان بأنه مقبول ومحترم، وأن طلب المساعدة لا ينتقص من قيمته أو كرامته.
طلب المساعدة شجاعة وليس ضعفًا
لا يزال بعض الأشخاص يترددون في طلب الدعم النفسي خوفًا من نظرة المجتمع أو من أن يُساء فهمهم. وقد يؤدي هذا التردد إلى زيادة المعاناة وتأخير الحصول على المساعدة المناسبة.
إن طلب المساندة من شخص موثوق، أو الاستعانة بمتخصص في الصحة النفسية عند الحاجة، يمثل خطوة واعية نحو فهم الذات والتعامل مع الضغوط بصورة أفضل. فكما نهتم بصحتنا الجسدية ونلجأ إلى الطبيب عندما نشعر بالمرض، ينبغي أن نتعامل مع صحتنا النفسية بالقدر نفسه من الجدية والاهتمام.
ولا يعني اللجوء إلى الدعم النفسي أن الإنسان عاجز عن مواجهة الحياة، بل يعكس إدراكه لاحتياجاته ورغبته في تحسين جودة حياته. كما أن توفير خدمات نفسية آمنة ومتاحة، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، من الأمور الضرورية لبناء مجتمع أكثر قدرة على دعم أفراده.
الأسرة والمؤسسات… مسؤولية مشتركة
إن تعزيز الصحة النفسية مسؤولية لا تقع على عاتق الفرد وحده، بل تتطلب تكاتف الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات العمل والمجتمع المدني والمؤسسات الصحية والإعلامية.
فالأسرة التي تمنح أبناءها الأمان والحوار والاحترام تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم وفهم احتياجاتهم. والمؤسسات التعليمية التي تراعي الفروق الفردية وتواجه التنمر وتدعم الطلاب نفسيًا تسهم في بناء أجيال أكثر توازنًا وثقة بأنفسها.
أما بيئات العمل، فمن المهم أن توفر مناخًا يحترم كرامة العاملين، ويشجع على التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، ويحد من الضغوط غير الصحية، ويتيح طلب المساندة دون خوف من الوصم أو التمييز.
ويأتي الإعلام بدوره ليؤدي رسالة توعوية مهمة، من خلال تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الاضطرابات النفسية، وتقديم معلومات موثوقة، ونشر نماذج إيجابية تؤكد أن الاهتمام بالنفس جزء أصيل من الاهتمام بالحياة.
كيف نمنح أنفسنا قدرًا أكبر من السلام النفسي؟
يبدأ الاهتمام بالصحة النفسية بخطوات بسيطة، لكنها تحتاج إلى الاستمرار والوعي؛ من بينها احترام حدودنا الشخصية، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وممارسة النشاط البدني المناسب، والحفاظ على التواصل مع الأشخاص الذين يمنحوننا الدعم، وتنظيم أوقات الراحة بعيدًا عن ضغوط العمل والمسؤوليات.
ومن المهم أيضًا أن نتعلم ألا نحمّل أنفسنا فوق طاقتها، وألا نجعل المقارنة المستمرة بالآخرين مقياسًا لقيمتنا أو نجاحنا. فلكل إنسان ظروفه وإمكاناته ورحلته الخاصة، وليس مطلوبًا منا أن نكون مثاليين طوال الوقت.
كما ينبغي أن ندرك أن التعافي ليس طريقًا مستقيمًا، وأن التحسن قد يصاحبه أحيانًا بعض التراجع، وهو ما يستدعي الصبر والرفق بالنفس والاستعانة بالدعم المناسب عند الحاجة.
رسالتي في اليوم العالمي للصحة النفسية
في هذه المناسبة، أوجه رسالة محبة وتقدير لكل إنسان يحاول أن يتجاوز ألمه، ولكل شخص يخوض معركة داخلية لا يراها الآخرون، ولكل قلب أنهكته المسؤوليات، ولكل روح تبحث عن لحظة من الهدوء والطمأنينة.
لا تخجلوا من مشاعركم، ولا تقيسوا قوتكم بقدرتكم على إخفاء الألم. امنحوا أنفسكم الحق في الراحة، واطلبوا الدعم عندما تحتاجون إليه، وتذكروا أن قيمتكم الإنسانية لا ترتبط بعدد الإنجازات التي تحققونها، ولا بمدى قدرتكم على إرضاء الجميع.
وفي المقابل، كونوا أكثر رحمة بمن حولكم؛ فقد تكون كلمة طيبة سببًا في تخفيف عبء، وقد يكون الاستماع الصادق بداية لتغيير، وقد يصنع الاحتواء فرقًا لا يمكن قياسه.
إن المجتمعات القوية ليست تلك التي تطالب أفرادها بالصمود الدائم، بل تلك التي تمنحهم الحق في التعبير عن مشاعرهم، وتوفر لهم سبل الدعم، وتحمي كرامتهم، وتدرك أن الإنسان يحتاج إلى الأمان النفسي بقدر حاجته إلى النجاح والاستقرار.
وفي الختام، أؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من الاهتمام به ككل متكامل؛ عقلًا وجسدًا وروحًا، وأن الصحة النفسية ليست مسؤولية فردية فحسب، بل قضية إنسانية ومجتمعية تستحق الوعي والعمل المستمر. فلنجعل من الرحمة ثقافة، ومن الدعم سلوكًا، ومن احترام مشاعر الآخرين مبدأ لا نتخلى عنه.
صحتكم النفسية تستحق الحب والاهتمام… لأنكم تستحقون أن تعيشوا بسلام، لا أن تكتفوا بمحاولة الصمود.
د. مها أحمد فؤاد
رئيس أكاديمية بناة المستقبل الدولية (FBIA)
10 أكتوبر | اليوم العالمي للصحة النفسية
