بقلم: الدكتورة أسماء النية
صيدلانية متخصصة في إدارة الأعمال الصحية وعلم الأوبئة
نعيش في عالم سريع الإيقاع، تتلاحق فيه المسؤوليات والمهام والالتزامات بصورة تجعل كثيرًا منا يتعامل مع يومه وكأنه في حالة طوارئ مستمرة، نركض خلف الوقت، ونردد في داخلنا كلمات مثل «الآن»، و«يجب»، و«لازم»، ونشعر أن كل مهمة مؤجلة هي مشكلة، وكل خطأ بسيط هو أزمة، وكل تأخر عن خطة رسمناها لأنفسنا يعني أننا خرجنا عن المسار، لكن الحقيقة التي نحتاج إلى تذكير أنفسنا بها هي أن الحياة ليست حالة طوارئ دائمًا، وأن الهدوء ليس رفاهية، بل مساحة ضرورية يستطيع فيها الإنسان أن يلتقط أنفاسه، ويراجع أولوياته، ويستعيد قدرته على التفكير بصورة أكثر اتزانًا.
إن الركض المستمر وراء الإنجاز قد يجعل الإنسان يحاول القيام بكل شيء في الوقت نفسه، وكأنه يخوض سباقًا لا نهاية له. ومع تكرار هذا النمط، يصبح العقل معتادًا على الاستنفار، فيبدأ الإنسان في التعامل مع التفاصيل اليومية البسيطة باعتبارها أزمات تحتاج إلى استجابة عاجلة، حتى عندما لا يكون هناك خطر حقيقي يستدعي ذلك، وهنا تظهر أهمية أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا: لماذا نتعامل مع الحياة وكأنها حالة طوارئ؟
قد يكون السبب ضغط العمل، أو المسؤوليات الأسرية، أو الرغبة المستمرة في الإنجاز، أو حتى التوقعات العالية التي نضعها لأنفسنا. وقد يكون السبب أننا اعتدنا ببساطة على العيش في حالة من الاستعجال، فأصبح الهدوء بالنسبة إلينا شيئًا غير مألوف، ولذلك، فإن تدريب العقل على الهدوء يبدأ أولًا بالتوقف عن الاستعداد الدائم. علينا أن نخفف قدر الإمكان من المثيرات التي تبقينا في حالة استنفار عصبي، وأن نمنح أنفسنا فترات حقيقية للراحة بعيدًا عن ضغط المهام والإشعارات والمقارنات المستمرة.
كما أن الراحة والعناية بالذات ليستا ترفًا يمكن الاستغناء عنه عند ازدحام المسؤوليات، بل هما جزء من القدرة على الاستمرار. فالإنسان الذي لا يمنح نفسه فرصة للتوقف قد يصل في النهاية إلى مرحلة يصبح فيها عاجزًا عن أداء مسؤولياته بالكفاءة نفسها التي كان يسعى إليها.
ومن المهم أيضًا أن نتعلم أن نسير بخطوات ثابتة بدلًا من الركض طوال الوقت. التأخر عن خطة شخصية، أو ارتكاب خطأ بسيط، أو عدم إنجاز كل ما خططنا له خلال يوم واحد، لا يعني أن الأمور انهارت. ليست كل التفاصيل تستحق أن نستهلك من أجلها طاقتنا النفسية والجسدية.
ومن الأسئلة المهمة التي يمكن لكل شخص أن يطرحها على نفسه: هل أعاني من التوتر المستمر بسبب العمل أم بسبب حياتي الشخصية؟ وما أكثر المواقف التي تجعلني أشعر بأنني في سباق دائم مع الزمن؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تساعدنا على اكتشاف مصادر الضغط الحقيقية، بدلًا من التعامل مع التوتر باعتباره جزءًا طبيعيًا لا يمكن تغييره من حياتنا.
ومن منظور صحي، فإن التعامل المبكر مع الضغوط النفسية والتوتر المستمر أكثر أهمية من انتظار تفاقمها. لذلك، فإن التخطيط لخطوات عملية تساعد على إبطاء وتيرة اليوم واستعادة قدر من السلام الداخلي يمكن أن يكون جزءًا من النهج الوقائي الذي يحمي الإنسان من الاستمرار في دائرة الضغط.
فالمشكلة لا تبدأ دائمًا عندما يصبح القلق حالة واضحة تستدعي تدخلًا علاجيًا؛ بل قد تبدأ في مراحل أبكر، عندما يعتاد العقل على الاستعجال، ويصبح التوتر أسلوب حياة، ويظل الإنسان في حالة تأهب حتى في الأوقات التي يفترض أن يستريح فيها.
ولهذا، فإن تدريب العقل على عدم السقوط في فخ الاستعجال المستمر يمثل خطوة مهمة. فالقرارات التي تُتخذ تحت ضغط الوقت والتوتر لا تكون دائمًا هي الأكثر رضا أو إقناعًا، كما أن محاولة إنجاز كل شيء دفعة واحدة قد تستهلك طاقة الإنسان دون أن تمنحه بالضرورة النتائج التي يتوقعها.
