كتب/أحمدوصفي
اختتمت أكاديمية بناة المستقبل الدولية برنامجها العلمي للعام الدراسي 2025–2026 بتنظيم لقاء علمي متميز بعنوان “الذاكرة الكاذبة: كيف يمكن أن يخدعنا عقلنا؟”، وسط مشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من مختلف الدول العربية، في لقاء اتسم بالثراء العلمي وتنوع الرؤى بين علم النفس، والعلوم العصبية، والقانون، والدين، والإعلام.
وأدار اللقاء باقتدار الأستاذة الدكتورة مها فؤاد، رئيس أكاديمية بناة المستقبل الدولية، بمشاركة الأستاذ الدكتور أحمد محروس والدكتور ياسر مهلهل، حيث نجح الثلاثي في إدارة حوار علمي ثري، أتاح الفرصة لتبادل الخبرات وطرح الرؤى المتنوعة حول أحد أكثر الموضوعات إثارة في علم النفس المعرفي، مع ربطه بالتطبيقات الواقعية في مختلف مجالات الحياة.
و أكدت الأستاذة الدكتورة مها فؤاد أن الذاكرة ليست تسجيلًا حرفيًا للأحداث، وإنما عملية عقلية معقدة قد تتأثر بالانفعالات والتجارب والبيئة المحيطة، وقدمت استراتيجية عملية بعنوان “ثَبِّت” لمواجهة التشويش الذهني والذاكرة الكاذبة، والتي تقوم على أربع خطوات أساسية: التوقف، والبحث عن الدليل، والتحقق، وتنظيم الذهن، مؤكدة أن القاعدة الذهبية هي: “لا تثق في قوة الذكرى… بل ثق في قوة الدليل.”
من جانبه، أسهم الأستاذ الدكتور أحمد محروس في إدارة النقاشات العلمية، وربط بين المحاور المختلفة للقاء، مؤكدًا أهمية الدراسات الحديثة في فهم آليات عمل الذاكرة البشرية، وكيفية توظيف نتائجها في تطوير الممارسات العلمية والبحثية، وتعزيز التفكير النقدي في مواجهة المعلومات المغلوطة.
كما قدم الدكتور ياسر مهلهل، اسهم في إثراء النقاش من خلال طرح الأسئلة العلمية التي فتحت آفاقًا جديدة أمام الباحثين، وأكد على أهمية التكامل بين التخصصات المختلفة لفهم طبيعة الذاكرة الإنسانية وتأثيرها في السلوك واتخاذ القرار.
وشهد اللقاء عددًا من المداخلات العلمية المتميزة، حيث تناولت الدكتورة مروة محمد مفهوم الذاكرة الكاذبة، موضحة كيف يمكن للعقل أن يسترجع أو يُكوّن ذكريات تبدو حقيقية رغم أنها لم تحدث أو تعرضت للتشويه.
وقدمت الدكتورة هدى الريفي مداخلة بعنوان “هندسة الوهم: ماذا يحدث في الدماغ عندما نكذب على أنفسنا؟”، تناولت خلالها الآليات العصبية والنفسية التي تجعل الإنسان يقتنع أحيانًا بأفكار لا تعكس الواقع.
أما الدكتور شعيب درهمي، فقد ناقش في مداخلته “عدالة على حافة الوهم: شهادة الشهود والذاكرة المفخخة”، مستعرضًا أثر الذاكرة الكاذبة في شهادات الشهود، وأبرز ما توصلت إليه أبحاث عالمة النفس إليزابيث لوفتس حول قابلية الذاكرة للتأثر أثناء التحقيقات.
وسلطت الدكتورة أسماء النية الضوء على العلاقة بين الوسواس القهري والذاكرة الكاذبة، كما تناولت أثر الصور المعدلة، والفيديوهات المفبركة (Deepfakes)، والتكرار المستمر للمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين ما يعرف بـ”الذاكرة الجمعية الكاذبة”.
كما قدمت الدكتورة جيهان عبدالرحمن عبدالرحمن الشيخ رؤية علمية حول أهمية الوعي والتفكير النقدي في مواجهة التشويش الذهني، مؤكدة أن بناء الشخصية الواعية يبدأ من التحقق من المعلومات وعدم التسليم بالانطباعات الأولية.
وتحدثت الدكتورة آمال الشابي في مداخلتها “الذاكرة كدرع واقٍ: متى يختلق العقل ذكريات لحمايتنا؟”، موضحة كيف يمكن للعقل أن يعيد تشكيل بعض الذكريات كآلية دفاعية للتخفيف من آثار الصدمات النفسية.
أما الدكتورة حفصة عازم فقد طرحت تساؤلًا فكريًا عميقًا بعنوان “سؤال الحقيقة: هل نحن مجرد حكايات نؤلفها عن أنفسنا؟”، ناقشت خلاله العلاقة بين الذاكرة والهوية الإنسانية، وكيف يسهم العقل في إعادة صياغة السرد الشخصي للفرد.
ومن الجانب الديني، قدمت الدكتورة صالحة القحطاني مداخلة بعنوان “المصنع الكاذب… عندما يصنع العقل واقعًا لا وجود له”، أوضحت فيها أن المنهج الإسلامي يدعو إلى التثبت وعدم اتباع الظنون، مؤكدة أن الوعي والإيمان يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الأوهام والانطباعات المضللة.
واختتم اللقاء بتأكيد أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات العلمية التي تجمع بين مختلف التخصصات، وتسهم في نشر المعرفة وتعزيز ثقافة البحث العلمي، بما يرسخ رسالة أكاديمية بناة المستقبل الدولية في إعداد كوادر علمية قادرة على مواكبة التحديات الفكرية والمعرفية المعاصرة، مع الإعلان عن انطلاق برنامج علمي جديد للعام الدراسي 2026–2027 يحمل المزيد من الموضوعات النوعية والبرامج المتخصصة.