جريدة عالم التنمية

من التشوهات المعرفية إلى الدافعية للتعلم: كيف نساعد التلميذ على تغيير تفكيره؟

بقلم/ ا.خدوج بوكريان

داخل الفصول الدراسية، لا تتحدد تجربة التلميذ التعليمية بقدراته المعرفية وحدها، بل تتأثر أيضاً بكيفية إدراكه لذاته وطريقة تفكيره عن قدراته، فكثيراً ما يقع التلميذ تحت وطأة أفكار مشوّهة تجعله يصف نفسه بالفشل أو العجز، فيتقبل هذه الأفكار باعتبارها حقائق ثابتة، رغم أنها في الأصل مجرد تصورات ذهنية خاطئة. هذا النمط من التفكير ينعكس سلباً على مشاعره وسلوكه، ويحد من دافعيته نحو التعلم.

وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل ما يعتقده التلميذ عن نفسه يعكس حقيقة قدراته؟ أم أنه يحتاج إلى إعادة بناء معرفية تعيد تشكيل نظرته لذاته؟

للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستناد إلى فلسفة العلاج المعرفي السلوكي، التي تفترض أن الأفكار التي يتبناها الفرد حول ذاته ومحيطه تلعب دوراً محورياً في تشكيل مشاعره، والتي تنعكس بدورها على سلوكياته داخل الوضعيات التعليمية. هذه الأفكار لا تنشأ بشكل عفوي، بل تتكون تدريجياً عبر خبرات سابقة ومعتقدات ترسخت بفعل التنشئة الأسرية والاجتماعية.

وانطلاقاً من هذا التصور، يصبح من الضروري الوقوف على أبرز أنماط التشوهات المعرفية التي يقع فيها التلاميذ، والتي تؤثر بشكل مباشر على مشاعرهم وسلوكهم التعليمي. ومن أبرز هذه التشوهات: التعميم المفرط والتفكير الكارثي، حيث يميل التلميذ إلى تعميم تجربة صعبة واحدة على جميع المواقف المستقبلية، فيتبنى أحكاماً قاسية على ذاته.

وتظهر هذه الأنماط في عبارات تتكرر داخل الفصول الدراسية مثل: “أنا فاشل”، أو “مهما حاولت لن أتمكن من الفهم”، خاصة في المواد العلمية أو التي تُدرّس باللغة الفرنسية. وهي عبارات تعكس اعتقادات سلبية راسخة حول الذات والقدرة على التعلم، ما يؤدي إلى انخفاض الدافعية، وتجنب المحاولة، وتقليل بذل الجهد، وصولاً إلى الانسحاب من المشاركة الصفية وتنامي ما يُعرف بـ“العجز المتعلم”.

غير أن هذه الأفكار لا تعكس بالضرورة حقيقة قدرات التلميذ، بقدر ما تكشف عن نمط تفكير مشوّه تجاه الذات والقدرة. ومن هنا، يقترح العلاج المعرفي السلوكي التدخل عبر مساعدة التلميذ على التعرف على أفكاره السلبية ومناقشتها، ثم استبدالها بأفكار أكثر واقعية وتوازناً.

فعلى سبيل المثال، يتم توجيه التلميذ لإعادة النظر في اعتقاده القائل: “مهما حاولت لن أتمكن من الفهم”، من خلال أسئلة مثل: هل جرّبت طرقاً مختلفة؟ هل فشلت في جميع المحاولات أم في بعضها فقط؟ وهي أسئلة تساعده على إدراك أن تعميم الفشل لا يعكس حقيقة قدراته. ومن ثم يمكن دعمه لتبني فكرة بديلة أكثر إيجابية وواقعية مثل: “قد أواجه صعوبة الآن، لكن يمكنني التحسن مع الممارسة والتدريب”، وهو ما يعزز دافعيته ويشجعه على الاستمرار في المحاولة، ويحد من الإحساس بالعجز المتعلم.

وفي هذا السياق، تقدم التوجيهات القرآنية بعداً معرفياً مكملاً يعزز إعادة بناء تصور الإنسان لذاته وقدرته، كما في قوله تعالى: “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”، حيث تؤكد الآية أن التكاليف والابتلاءات تقع ضمن حدود القدرة الإنسانية، بما يخفف من حدة الإحساس بالعجز. كما يبرز قوله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى” أهمية الجهد والمثابرة، بما يعزز قيمة المحاولة ويشجع على تبني موقف إيجابي تجاه التعلم.

إن معالجة التعثر الدراسي لا يمكن أن تظل محصورة في الجانب المعرفي فقط، بل تتطلب فهماً أعمق لدور التفكير في تشكيل مشاعر التلميذ وسلوكياته. ويشكل كل من العلاج المعرفي السلوكي والتوجيهات القرآنية إطارين متكاملين لإعادة بناء المنظومة الفكرية للتلميذ، بما يعزز توازنه النفسي ويرفع من دافعيته نحو التعلم.

فإصلاح الفكر هو المدخل الطبيعي لإصلاح الشعور والسلوك، كما جاء في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات