جريدة عالم التنمية

سيكولوجية الضجيج والهدوء: لماذا يطغى وعي القبح والخبث على وعي الجمال والطيبة؟!

د.سناء عبد الرحيم

في خضم التعقيد الذي يميز الوعي البشري، تفرض ثنائيات الوجود نفسها بقوة: الجمال والقبح، الخير والشر، الطيبة والخبث، غير أن اللافت في هذا التوازن الدقيق، هو ذلك الحضور الصاخب للسلبي، مقابل هدوء يكاد يكون خافتًا للإيجابي، ما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الإدراك الإنساني: لماذا يعلو صوت القبح؟ وهل يمكن للجمال أن يصمد في وجه هذا الضجيج؟

يرى مختصون في علم النفس أن هذا التباين ليس عشوائيًا، بل يرتبط بآليات إدراكية أصيلة. فالوعي البشري يقوم على المقارنة، ولا يمكن إدراك الجمال دون وجود القبح كخلفية تُبرز معالمه. وبالمثل، يكتسب الخير قيمته من إمكانية وجود الشر، في علاقة جدلية تجعل من التضاد شرطًا للفهم والتقدير.

ويفسر العلماء هذا الميل نحو رصد السلبي من خلال ما يعرف بـ“انحياز البقاء”، حيث يُبرمج الدماغ على التقاط التهديدات بشكل أسرع وأكثر كثافة، فاللوزة الدماغية تتفاعل بقوة مع المثيرات السلبية، ما يجعل التجارب المؤلمة أكثر رسوخًا في الذاكرة مقارنة باللحظات الإيجابية التي تتطلب وعيًا وتركيزًا لتثبيتها.

كما يشير خبراء إلى أن القبح والخبث يتمتعان بقدرة أسرع على “الهدم”، في حين يحتاج الجمال والطيبة إلى وقت وجهد لبنائهما. هذا التفاوت يخلق انطباعًا مضللًا بأن السلبي أقوى، بينما هو في الواقع أكثر سرعة وتأثيرًا لحظيًا فقط، لا أكثر استدامة.

ومن زاوية أخرى، يلعب “التكيف النفسي” دورًا في هذا السياق، حيث يعتاد الإنسان على مظاهر الجمال والهدوء حتى تصبح جزءًا من الخلفية اليومية التي لا تستدعي الانتباه، في حين يظل القبح عنصرًا طارئًا يفرض نفسه بقوة على الإدراك.

ورغم هذا الحضور الطاغي للسلبي، يؤكد المختصون أن الجمال والطيبة لا يختفيان، بل يحجبان مؤقتًا، فالشر يحمل في داخله عوامل تآكله، كالتوتر وفقدان الثقة، بينما يتمتع الإيجابي بقدرة على الاستمرارية والبقاء، ما يجعله أساسًا في تطور المجتمعات واستقرارها.

وفي هذا السياق، يبرز التحدي الحقيقي أمام الإنسان: كيف يدرب وعيه على ملاحظة الجمال وسط الضجيج؟ ويؤكد خبراء التنمية البشرية أن ممارسات مثل الامتنان الواعي، والانتباه المقصود للتفاصيل الإيجابية، تمثل أدوات فعالة لاستعادة التوازن النفسي والعصبي، وتعزيز القدرة على مقاومة هيمنة السلبية.

في المحصلة، لا يعد القبح أصلًا في الوجود، بل هو غياب مؤقت للجمال، كما أن الخبث ليس سوى انحراف عن الطيبة، وبين ضجيج يعلو سريعًا وهمس يدوم طويلًا، يبقى الخيار بيد الإنسان: أن ينشغل بما يزعجه، أو أن يتعلم كيف يُنصت لما يُنقذه.

 

د.سناء عبد الرحيم
خبيرة في التنمية الذاتية والمهنية.
مؤلفة سلسلة “كتب الوعي التنموي”

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات