جريدة عالم التنمية

حين يكسر الصغير في صمت… العنف الأسري ضد الأطفال بين الجسد المجروح والروح المثقلة

كتب/ ا.د. جيهان عبدالرحمن عبدالرحمن الشيخ

تختبئ داخل بعض البيوت قصص مؤلمة لا تروى، أبطالها أطفال لم يملكوا القدرة على الصراخ، لكن معاناتهم تنعكس بوضوح في سلوكهم وتكوينهم النفسي، فالعنف الأسري ضد الأطفال لم يعد مجرد سلوك فردي عابر، بل ظاهرة مقلقة تحمل أبعادًا نفسية واجتماعية عميقة، تهدد سلامة الأجيال القادمة.

وتشير دراسات في مجال علم النفس إلى أن العنف لا يقتصر على الإيذاء الجسدي، بل يمتد إلى أنماط أكثر خفاءً وتأثيرًا، مثل العنف اللفظي والإهمال العاطفي، فالكلمات الجارحة والنظرات المحبطة قد تترك آثارًا نفسية تفوق في شدتها الضرب، حيث يعيش الطفل في صراع داخلي بين حاجته للحب وخوفه من مصدره في آن واحد.

وفي كثير من الحالات، يكون العنف انعكاسًا لدائرة ممتدة من الألم؛ إذ يتحول بعض الآباء الذين تعرضوا للعنف في طفولتهم إلى ممارسين له دون وعي، في ظل غياب ثقافة تربوية سليمة وضغوط حياتية متزايدة، هذه الحلقة المفرغة تسهم في إعادة إنتاج أنماط سلوكية سلبية عبر الأجيال.

النتائج، وفق مختصين، قد تكون قاسية؛ إذ ينشأ الطفل إما فاقدًا للثقة بنفسه، مترددًا ومنطويًا، أو على العكس، عدوانيًا يميل إلى إعادة إنتاج ما تعرض له، وفي كلا الحالتين، يكون أمامنا إنسان لم تُتح له فرصة النمو النفسي السليم.

وتكمن خطورة العنف الأسري في كونه غير مرئي في كثير من الأحيان، فلا يترك بالضرورة آثارًا جسدية واضحة، لكنه يخلّف ندوبًا نفسية عميقة، مثل القلق المزمن، والاكتئاب، وصعوبات في بناء العلاقات الاجتماعية، فضلًا عن تراجع الأداء الدراسي. وقد تمتد هذه التأثيرات إلى مراحل متقدمة من العمر، لتنعكس على الحياة المهنية والأسرية.

ورغم هذه التحديات، يؤكد خبراء أن الأمل لا يزال قائمًا من خلال تعزيز الوعي المجتمعي بأساليب التربية الإيجابية، واستبدال القسوة بالحوار، والعقاب بالفهم، بما يسهم في خلق بيئة آمنة لنمو الأطفال. كما يلعب المجتمع ومؤسساته دورًا حاسمًا في دعم الأسر وتفعيل آليات حماية الطفل.

وفي السياق القيمي والديني، يحث الإسلام على الرحمة والرفق بالصغار، معتبرًا أن حسن المعاملة معيار أساسي للرقي الأخلاقي، فالطفل أمانة تستوجب الرعاية والاحتواء، لا القسوة والإيذاء.

وفي المحصلة، يبقى الأثر النفسي للعنف راسخًا في ذاكرة الطفل، حتى وإن التزم الصمت. فكل تجربة قاسية قد تتحول إلى عبء يلازمه في مستقبله، أو قصة يحاول تجاوزها بصعوبة. وبين هذا وذاك، يبقى الخيار بيد الكبار: إما أن يكونوا مصدر أمان… أو بداية لألم طويل.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات