جريدة عالم التنمية

محمد فرحات: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل جودة التعليم 

بقلم: د.محمد فرحات- مدرب دولي جودة التعليم والتميز المؤسسي
أكاديمية بناة المستقبل الدولية

تتسابق الدول لتحسين جودة التعليم باعتبارها حجر الأساس في بناء الإنسان، أرى أن الاستراتيجيات العالمية ما زالت تتباين بين التركيز على مخرجات العملية التعليمية أو تطوير مدخلاتها وعملياتها، غير أن المشهد لم يعد كما كان؛ إذ دخل الذكاء الاصطناعي بقوة ليعيد صياغة قواعد اللعبة، فارضًا واقعًا جديدًا يتطلب إعادة التفكير في مفاهيم الجودة ذاتها.

ولاحظت على مدار السنوات الماضية، أن دولًا مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين ركزت على قياس جودة التعليم من خلال نواتجه، فيما اتجهت دول أخرى مثل الولايات المتحدة والنرويج إلى تطوير جودة العمليات التعليمية ذاتها، وبين هذا وذاك، ظهرت نماذج أكثر تكاملًا تجمع بين جودة العمليات والمخرجات، كما هو الحال في اليابان وسويسرا.

وبرزت دور هيئات ضمان الجودة المستقلة، توازناً أصبح بمثابة الرقيب والموجه في آنٍ واحد، لضمان دقة الإجراءات ورفع كفاءة النتائج، وهو ما يتجلى في تجارب دول عدة من بينها مصر وبريطانيا وأستراليا.

لكن هذا التوازن التقليدي لم يدم طويلًا؛ إذ بزغ نجم الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأداة مساعدة، بل كعامل مؤثر يمتد تأثيره إلى مختلف القطاعات، من الطب إلى الحروب، وصولًا إلى التعليم الذي يشهد اليوم واحدة من أكبر تحولات تاريخه.

وفي هذا الإطار، أشيد بالمبادرات التدريبية الرائدة، ومن بينها ما تقدمه أكاديمية بناة المستقبل الدولية، في تأهيل الكوادر التعليمية على استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعكس إدراكًا مبكرًا لحجم التحول المرتقب.

ومن وجهة نظري، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا ينبغي أن يتم بشكل عشوائي، بل وفق إطار حوكمة متكامل يرتكز على عدة أبعاد رئيسية:

  • البعد المعرفي: ضمان حصول الطلاب على المعرفة بأساليب حديثة تتماشى مع تطورات العصر.
  • البعد التكنولوجي: تمكين المتعلمين من أدوات العصر الرقمية، بما يعزز قدرتهم على التفاعل مع بيئة متغيرة.
  • البعد الدافعي: استثمار جاذبية تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تعزيز شغف التعلم.
  • البعد الأخلاقي: وضع ضوابط واضحة لاستخدام هذه التقنيات بما يحفظ القيم التعليمية.
  • البعد الوجداني: تحقيق التوازن بين الاعتماد على التكنولوجيا والحفاظ على الهوية الإنسانية للمتعلم.

وأحذر من أن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يحمله من إمكانات هائلة، قد يتحول إلى سلاح ذي حدين إذا لم يستخدم بحكمة، خاصة في ظل قدرته على التأثير في أسس تصميم المناهج وطرق التدريس والإدارة التعليمية، وأن الذكاء الاصطناعي يمثل “عصا سحرية” في منظومة التعليم، لكنها ليست في يد ساحر، بل يجب أن تكون في يد متقن حكيم يدرك حدودها ويحسن توظيفها، وبين الفرص والتحديات، يظل السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار التربوي: هل تنجح الأنظمة التعليمية في توظيف الذكاء الاصطناعي كرافعة حقيقية للجودة، أم يتحول إلى عبء جديد يعمّق الفجوة بين الطموح والتطبيق؟

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات