بقلم/ آمال الشابي
يشهد العالم اليوم تحولات رقمية متسارعة، جعلت من الذكاء الاصطناعي أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة رسم ملامح البحث العلمي وأساليبه، حيث لم يعد النقاش حول هذه التكنولوجيا مقتصرًا على إمكاناتها التقنية، بل امتد ليشمل طبيعة توظيفها داخل المؤسسات الجامعية، وحدودها الأخلاقية، ومدى تأثيرها على أصالة المعرفة العلمية.
ويؤكد متخصصون أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بديلًا عن العقل البشري، بقدر ما يعد امتدادًا لقدراته، إذ يتيح للباحثين أدوات متقدمة تساعدهم على تحليل البيانات، وتسريع الوصول إلى المعلومات، وبناء تصورات بحثية أكثر عمقًا، وهو ما يعزز مهارات التفكير النقدي ويطور جودة الإنتاج العلمي.
غير أن هذا التطور يقابله اتجاه متحفظ داخل بعض الأوساط الأكاديمية، ينظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا للنزاهة العلمية، بل ويصنفه أحيانًا ضمن الممارسات غير المشروعة، ويرى متابعون أن هذا الموقف، رغم انطلاقه من حرص مشروع على مصداقية البحث، يعكس في الوقت ذاته نقصًا في الفهم الدقيق لوظيفة هذه الأدوات، وعدم التمييز بين الاستخدام الواعي الداعم للبحث، والاستخدام الذي يلغي الجهد الشخصي للباحث.
ويحذر خبراء من أن الاعتماد على سياسات المنع دون توفير تأطير علمي واضح قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها إضعاف قدرة الطلبة على التفاعل مع أدوات العصر، وزرع حالة من التردد والخوف بدل تنمية روح المبادرة والابتكار، كما أن غياب التوجيه يحرم المؤسسات التعليمية من الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي توفرها هذه التكنولوجيا في تطوير أساليب البحث والتحليل، ويبقي الممارسات الأكاديمية حبيسة نماذج تقليدية لم تعد تواكب التحولات المعرفية الراهنة.
وتبرز الإشكالية كذلك في البعد الثقافي المرتبط بفهم الجهد العلمي، حيث لا يزال يُنظر في بعض الأحيان إلى قيمة البحث من زاوية العمل التقليدي فقط، في حين يفرض الواقع الرقمي إعادة تعريف هذا المفهوم ليشمل القدرة على توظيف الأدوات الحديثة بوعي ومسؤولية، فالمعرفة اليوم لم تعد قائمة على الحفظ بقدر ما تعتمد على التحليل والربط وإنتاج الأفكار الجديدة.
وفي ضوء هذه التحولات، يتزايد الحديث عن ضرورة بناء إطار أخلاقي واضح لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل الجامعات، يضمن الشفافية ويحافظ على أصالة البحث، دون أن يعيق الاستفادة من هذه الأدوات. فالتحدي لم يعد في رفض التكنولوجيا أو قبولها بشكل مطلق، بل في كيفية دمجها ضمن عملية تعليمية قائمة على النقد والتوجيه والتفكير العميق.