جريدة عالم التنمية

ضمن سلسلة مقالات الدكتورة جيهان عبد الرحمن الشيخ الإدمان: حين تتحول الرغبة إلى فقدان للسيطرة… من الفهم إلى التعافي

كتب/ أ.د.جيهان عبدالرحمن عبدالرحمن الشيخ

أصبح الإدمان  أحد أبرز التحديات النفسية والاجتماعية التي تهدد توازن الأفراد واستقرار المجتمعات، فالإدمان لم يعد مرتبطًا فقط بالمواد المخدرة، بل امتد ليشمل أنماطًا سلوكية معاصرة تتسلل إلى الحياة اليومية في صمت.

ويعرف الإدمان علميًا بأنه اضطراب مزمن يتميز بالرغبة القهرية في استخدام مادة أو ممارسة سلوك معين، رغم إدراك أضراره، مع فقدان القدرة على التحكم، وتتعدد أنواعه بين إدمان المواد، مثل المخدرات الطبيعية كالحشيش والأفيون، والمخدرات المصنعة كالهيروين والميثامفيتامين، إضافة إلى الكحول والمؤثرات العقلية من مهدئات ومنومات ومنشطات.

غير أن الصورة لم تعد تقتصر على الإدمان الكيميائي، إذ برزت في السنوات الأخيرة ما يعرف بالإدمانات السلوكية، مثل إدمان التسوق، والعمل، والإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، وهي أنماط لا تقل خطورة، لما تسببه من اضطرابات نفسية وعزلة اجتماعية وتآكل في جودة الحياة.

ومن أكثر التحديات تعقيدًا ما يُعرف بـ”التشخيص المزدوج”، حيث يتزامن الإدمان مع اضطرابات نفسية أخرى كالاكتئاب أو القلق أو اضطرابات الشخصية، ما يجعل العلاج أكثر تعقيدًا، ويستدعي تدخلًا مهنيًا متكاملًا يعالج جذور المشكلة لا مظاهرها فقط.

وفي سياق الإدمان الحديث، يبرز إدمان الألعاب الإلكترونية والقمار كخطر متنامٍ، خاصة بين فئة الشباب، حيث يؤدي إلى العزلة، واضطرابات النوم، وضعف الأداء الدراسي، وقد يمتد إلى سلوكيات أكثر خطورة، كالمقامرة الفعلية.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري للأسرة، التي تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الإدمان، سواء من خلال الاكتشاف المبكر، أو تقديم الدعم النفسي، أو المشاركة في برامج العلاج. وفي بعض الحالات، قد تكون الأسرة جزءًا من المشكلة، مما يتطلب تأهيلها نفسيًا لتكون بيئة داعمة للتعافي.

ويمر علاج الإدمان بعدة مراحل تبدأ بإزالة السموم تحت إشراف طبي، تليها مرحلة العلاج النفسي والتأهيل، التي تشمل العلاج السلوكي المعرفي والعلاج الجماعي، وصولًا إلى إعادة دمج الفرد في المجتمع، مع التركيز على منع الانتكاس من خلال المتابعة المستمرة وتنمية مهارات التكيف.

كما تلعب الأدوية دورًا داعمًا في خطة العلاج، سواء من خلال تقليل الرغبة في التعاطي، أو منع تأثير المادة، أو تحقيق التوازن النفسي، وذلك ضمن إشراف طبي دقيق يضمن سلامة المريض وفعالية التعافي.

وفي المحصلة، فإن الإدمان ليس ضعفًا أخلاقيًا أو خللًا في الإرادة، بل هو مرض معقد يحتاج إلى وعي مجتمعي، وعلاج علمي متكامل، ودعم إنساني حقيقي، فالتعافي ممكن، حين تتوافر الإرادة، ويُفتح الباب أمام الفهم بدلًا من الوصم، وأمام الاحتواء بدلًا من الإقصاء.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات